فهرس الكتاب

الصفحة 899 من 2431

قال تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104) } [آل عمران: 104] .

وأمر الأمة بقتال من يصد الدعاة، ويمنعهم من القيام بدورهم الذي أمروا به.

قال تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (193) } [البقرة:193] .

وهذا هدي الفاتحين الأولين في هذه الأمة، فكانوا يخيرون الأمم بين الإسلام، أو الجزية، أو القتال كعلاج أخير، لرفع الظلم عن الناس، ومنع التأثير عليهم في دينهم الذي يدينون، وعقيدتهم التي يعتقدون.

فأبى الطغاة إلا الصد عن دين الله، وإخضاع الناس لسلطانهم، فكان لزامًا على الأمة اقتلاع جذورهم، ليكونوا عبرة لكل من يصد عن هذا الدين، ويقف في وجه الدعاة إليه، وقد جاء السياق القرآني ليبين هذا المعنى.

قال تعالى: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (55) الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ (56) فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (57) } [الأنفال:55 - 57] .

والتشريد بمعنى التفريق مع الاضطراب، قال عطاء: أثخن فيهم القتل حتى يخافك غيرهم، وقيل: نكل بهم تنكيلًا يشرد غيرهم من ناقضي العهد، لعلهم يتعظون 77، وقيل: يا محمد -والكلام لولاة الأمر من بعده- إن صادفت هؤلاء الكفرة فافعل بهم ما بدا لك من فعل، يكون رادعًا لهم، ليكون تخويفًا لمن يأتي بعدهم، أو يفعل مثلهم، قال ابن عباس: المعنى نكل بهم من خلفهم، وسمع بهم 78.

رابعًا: ضرب رقاب الأعداء حتى الإضعاف:

إن ميدان النزال والقتال هو أحد ميادين الدعوة إلى الله، فهو ليس ميدانها الأول ولن يكون الأخير، وإنما يأتي ضمن سلسلة ميادين هذه الدعوة المباركة.

والمقاتل في سبيل الله هو داعية إلى الله قبل أن يكون مقاتلًا وحاملًا للسلاح، فالدعوة إلى الله تعالى رحمة وهداية للناس، وليست قتلًا ولا سفكًا للدماء.

قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107) } [الأنبياء:107] .

فإن أبى جند إبليس إلا التمرد على أمر الله وسلطانه، والصد عن الدعوة واعتراض سبيل الدعاة، فإن لكل داء دواءً، ودواء المعاندين والمستكبرين المحاربين أن تثخن فيهم الجراح.

قال تعالى: {الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (1) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ (2) ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ (3) فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (4) } [محمد:1 - 4] .

بينت الآيات أن الناس فريقان، أحدهما: يمثل الشيطان وحزبه، والآخر يمثل الفئة المؤمنة، توجب على المؤمنين قتالهم، وقد جيء (بضرب) منصوبًا على المصدر، أي: اضربوا ضرب الرقاب، وذلك يفيد المبالغة في قصد رقابهم لا غير، وهذا يفيد قتلهم، والتخلص من أرجاسهم، وفي استهداف رقابهم حكمة عظيمة، فقتال المؤمنين للكفار يكون المؤمن فيه دافعًا وليس مدافعًا، كما يفعل مع رد الصائل، وقاطع الطريق، الذي لا يراد من حربه قتله، بل تخويفه ورده 79.

ويستمر السياق القرآني في تحريضه للمؤمنين، ليواصلوا المعركة مع المشركين، حتى يوقعوا فيهم القتل، وينهكوا قواهم، ويكسروا شوكتهم، ويجهزوا على مقاتلتهم بين قتيل وأسير، حتى لا يبقى في الميدان إلا مسلم أو مسالم 80.

فميدان الدعوة إلى الله باللسان ميدان بليغ، قوامه دعوة الناس بالكلمة الطيبة، ومقابلة الحجة بالحجة، وانتقاء أطيب الحديث، امتثالًا لقوله تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (125) } [النحل:125] .

وميدان النزال والقتال يجب ألا يقل بلاغة في الإثخان، والتنكيل بالعدو، وقتله، وتشريده، عن بلاغة كلام الدعاة من الوعاظ والمرشدين.

خامسًا: الصبر:

وحتى يتحقق للأمة مرادها من القتال، وهو التنكيل بالكفار قتلًا وتشريدًا، ليستقر الرعب في قلوبهم ويسلّموا لأمر الله تعالى، ويدخلوا في دين الرحمة والهداية، فإن هذه الحالة تستدعي من المؤمنين جهدًا كبيرًا، وبذلًا وعطاءً، وتضحية وفداءً، لايصمد معه إلا من قدّر للأمر قدره، وأعد لهذا الجهاد عدته، وخير عدة يتزود بها المقاتلون بعد تقوى الله تعالى، هو الصبر والمصابرة، وقد جاء القرآن بآياته الكريمة يحث المسلمين على الصبر والمصابرة عند لقاء العدو، ويبين لهم عاقبة هذا الصبر، حتى يبلوا البلاء الحسن، وتوضيح ذلك فيما يأتي:

قال تعالى: {قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (128) } [الأعراف:128] .

لما توعد فرعون بني إسرائيل بقتل الرجال واستحياء النساء، والتصليب في جذوع النخل، رأى موسى عليه السلام أن حربًا ضروسًا يقودها فرعون واقعة لا محالة على قومه، وأن القوم قد جزعوا وخافوا، فأمرهم عليه السلام بالاستعانة بالله والصبر، وأخبرهم بوعد الله له بهلاك القبط، وتوريثهم أرضهم 81.

ونلاحظ هنا أن موسى عليه السلام يأمر قومه، ويحثهم على الاستعانة بالله، والصبر قبل لقاء العدو، لما لذلك من أثر في سكون النفس وهدوئها عند اللقاء، وما يترتب على ذلك من النصر والتمكين.

قال تعالى: {وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (250) } [البقرة:250] .

إن أفضل ما يستجلب معونة الله للعبد، هو صبر العبد لله؛ لذا كان الصبر لله تعالى عند اللقاء، وتحمل تبعات الحرب ومشاقها، من كر وفر، وإراقة دماء، وفقد أحبة، وقطع للأعضاء، وتطاير للرؤوس، وما يلحق بالمجاهدين من مشقة، طمعًا لنيل رضى الله، هي الجالبة لمعونة الله، التي يترتب عليها النصر والظفر بالعدو، ولما علمت الفئة المؤمنة القليلة، أن معية الله لا تثبت أمامها كثرة الأعداء، ولا تخذلها قلة المؤمنين، قالوا جميعًا عند المبارزة: {رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا} أي: صب علينا الصبر صبًّا، كما يصب الماء على الثوب فيبلله، فاستجاب الله تعالى لدعائهم، وذلك لقيامهم بالعمل الذي يستوجب معية الله عز وجل ويجلب النصر، وهو الصبر والثبات 82.

وقد جاءت آيات كثيرة في حض المؤمنين على الصبر والثبات عند اللقاء وجميعها تحمل نفس المعاني، قال تعالى: {بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (125) } [آل عمران:125] .

أي: إن تصبروا عند اللقاء وتتزودوا بتقوى الله عز وجل، يكن الله معكم ويمدكم بالعون والملائكة الذين يقاتلون معكم العدو، وقال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (45) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46) } [الأنفال:45 - 46] .

-وكما يوجه السياق القرآني الأمة ويحرضها على قتال الكفار والقعود لهم كل مرصد، فإنه لا يغفل معالجة القضايا التي تنتج عن هذه الحروب، فكثيرة هي تبعات الحروب والقضايا الناتجة عنها، وقد عني القرآن بمعالجة هذه القضايا، وسيتناول هذا المبحث بعض هذه القضايا.

أولًا: معاملة أسرى الحرب:

إن من أهم القضايا التي يعالجها القرآن الكريم الناتجة عن الحروب قضية الأسرى.

قال تعالى: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (67) } [الأنفال:67] .

نزلت هذه الآية الكريمة بعد غزوة بدر الكبرى، وتناول السياق فيها قضية الأسرى، وما أعقبها من جدل حول التعامل معهم، والأحكام المتعلقة بالأسرى، من ضرب رقابهم أو المن والفداء.

فهذه هي المرة الأولى في حياة الأمة التي تواجه بها عدوها، وكان القصد والهدف منها كما بين الحق سبحانه وتعالى: {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (12) } [الأنفال:12] .

فقد كان قتل المشركين وضرب الرؤوس والأعناق هو الغاية من المعركة، لإذلالهم، وكسر شوكتهم، وإضعافهم فلا تقوم لهم على الأرض قائمة.

فلما انشغل المسلمون بجمع الأسرى والغنائم ظنًّا منهم أن قتل سبعين من المشركين يكفي لتكون المبالغة في القتل قد تحققت، فلامهم الله تعالى على ذلك فقال: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ} ، فهذا العدد ليس كافيًا لإذلال المشركين، وإرغامهم 83، ولم يكن حكم من الله قد سبق في الأسرى، فاستشار صلى الله عليه وسلم أصحابه، وأخذ برأي الفداء، فلامه ربه، وبين له الأصوب في هذه المسألة، وهو المبالغة في قتل المشركين وقهرهم وكسر شوكتهم 84.

وإن من يتتبع الآيات الكريمة، التي تناول السياق فيها مسألة الأسرى ليخلص إلى ما يأتي:

أولًا: لام الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم بسبب انشغال أصحابه بأسر المشركين في المعركة الأولى، التي تواجه فيها المشركون، وبين أن الأولى في هذه المعركة هو إثخان جراحهم، وكسر شوكهم، وإلحاق الهزيمة النفسية بهم، فلا يقووا على قتالكم، قال البيضاوي في تفسيره: أي حتى يكثر القتل، ويبالغ فيه، حتى يذل الكفر، ويقل حزبه، ويعز الإسلام، ويستولي أهله، وأمر بالإثخان، ومنع الفداء حين كانت الشوكة للمشركين، وخير بينه وبين المن لما تحولت الحال، وصارت الغلبة للمؤمنين 85.

ثانيًا: لم ينه القرآن الكريم الأمة عن أسر المشركين، وشد الوثاق عليهم، بدليل قوله عز وجل: {حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ} ، بل شرع لهم ذلك، ولكن شريطة أن يكون بعد المبالغة في ضرب رقابهم، وإثخان القتل والجراح فيهم، حتى تنكسر راية الكفر، ويهزم جنده، ولا يبقى لهم شوكة في الأرض، أما الاشتغال بجمع الأسرى قبل أن تتحقق هذه الغاية، فهذا ما عابه الله عليهم 86.

ثالثًا: قال تعالى: {فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (4) } [محمد:4] .

ففي الآية أمر من الله لنبيه صلى الله عليه وسلم باستهداف رقابهم بالسيوف عند القتال والمنازلة، فذلك أنكى في القتل وأبلغ، فإن تحقق ذلك، وأغرقتموهم في دمائهم، وأنهكتم قوتهم، وظننتم أنه لن تقوم لهم قائمة، فشدوا الوثاق أسرًا وتقييدًا لمن بقى منهم، حتى لا يكروا عليكم، ويقتلوكم، فإذا ما انتهت المعركة، وحسمتم الأمر لصالحكم، فإما أن تمنوا عليهم بفكهم، أو تفادوهم وتخلوا سبيلهم 87.

رابعًا: إن القرآن الكريم يتعامل مع النفس البشرية معاملة المشفق الحاني، لا معاملة الشامت المتربص، فلما فرض النبي صلى الله عليه وسلم الفداء على الأسرى وجد بعضهم في نفسه، حتى قال العباس رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم: «يا محمد تركتني أتكفف قريشًا ما بقيت!» 88، فأنزل الله عز وجل قوله: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (70) } [الأنفال:70] .

فلمّا أخذ النبي صلى الله عليه وسلم الفداء من الأسارى، وشق عليهم أخذ أموالهم، ذكر اللّه تعالى هذه الآية استمالة لهم وتطييبًا لنفوسهم 89.

خامسًا: أمر الله بالرفق بالأسير ولو كان على غير ديننا، ومن غير ملتنا ومحاربًا لنا، فأوجب معاملتهم المعاملة الحسنة، وتوفير الطعام والكساء الذي يحفظ عليه حياة كريمة، فلعل مثل هذه المعاملة أن تكون رسولًا إلى قلبه، يرى من خلالها الصورة الحقيقية للإسلام والمسلمين، فيكون ذلك حافزًا له للإيمان، واللحاق بركب المؤمنين.

قال تعالى: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) } [الإنسان:8] .

أي: يطعمون الطعام على شدة حاجتهم إليه وقلته، وقيل: لأجل حب الله وذكر منهم الأسرى، أمر الله المسلمين بالأسرى خيرًا، وإن أسراهم يومئذ أهل الشرك، فعلى هذا الوجه يجوز إطعام الأسرى، وإن كانوا على غير ديننا، وأنه يرجى ثوابه، ولا يجوز أن يعطوا من الصدقة الواجبة كالزكاة والكفارة، وقيل: الأسير المملوك، وقيل: الأسير المرأة، وقيل: غريمك أسيرك، فأحسن إلى أسيرك 90.

والأرجح -والله أعلم- أن المقصود هنا أسير الحرب؛ فالإحسان للملوك والمرأة جاء في سياق آخر في القرآن الكريم.

ثانيًا: الغنائم وتقسيمها:

ومن القضايا التي عالجها القرآن الكريم بعد انتهاء الحرب قضية الغنائم وتقسيمها.

قال تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (41) } [الأنفال:41] .

وقد تناول السياق القرآني هذه المسألة مراعيًا ضعف الأمة وفقرها، وحاجتها إلى القوة المادية والعتاد الذي يقوّي به شوكة المسلمين ويعزز قدراتهم القتالية بين سائر الأمم، ويمكن بيان معالجة القرآن الكريم لمسألة الغنائم فيما يأتي:

أولًا: رد الله حكم الغنائم والفيء له عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم.

قال تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (1) } [الأنفال:1] .

وهذه هي طبيعة القرآن الكريم ومنهجه في معالجة القضايا التي تطرأ في حياة الأمة، أن يرد الأمر لله ولرسوله ليحكم فيه، وقد نزلت هذه الآية الكريمة بعد أن اختلف الصحابة في غنائم بدر، وقد أطال المفسرون القول في تعيين سبب نزول هذه الآيات وملخصها: أن نفوس أهل بدر تنافرت، ووقع فيها ما يقع في نفوس البشر من إرادة الأثرة والاختصاص، فنزلت، فردت أمر الغنائم فيها إلى الله ورسوله، لتنهي هذا التنازع، فرضي المسلمون، وسلموا، وأصلح الله ذات بينهم 91.

ثانيًا: حرم الله عز وجل الغنائم على الأمم السابقة، وأحلها لهذه الأمة لما رأى ضعفها وحاجتها للمال والعتاد.

قال تعالى: {فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (69) } [الأنفال:69] .

وقال صلى الله عليه وسلم: (أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي، كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى كل أحمر وأسود، وأحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي، وجعلت لي الأرض طيبة طهورًا ومسجدًا، فأيما رجل أدركته الصلاة صلى حيث كان، ونصرت بالرعب بين يدي مسيرة شهر، وأعطيت الشفاعة) 92.

ثالثًا: ميز السياق القرآني بين ما غنم من الكفار بحرب، وبين ما أخذ بدون حرب ولا نزال.

قال تعالى: {وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (6) مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (7) } [الحشر:6 - 7] .

فما أعطى الله لرسوله دون حرب، فهو عطاء خالص من الله لرسوله، يجعله كيف يشاء 93.

أما ما أخذ عنوة بقتال فهو غنيمة خمسها لله والرسول، وما بقي فللمقاتلين.

قال تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (41) } [الأنفال:41] .

-تتنوع أسباب الحروب ومقاصدها من أمة لأخرى، تبعًا لعقائد الأمة ونظرتها للحياة، فالإنسان المؤمن لا يعمل عملًا أو يبذل جهدًا إلا ويبتغي به مرضاة الله تعالى، ولما كانت الحرب والمشاركة فيها من أعظم ما يبذل الإنسان في هذه الحياة، كان لا بد أن تكون أهدافها ومقاصدها رضى الله عز وجل.

وإن الناظر في آيات الحرب والقتال والجهاد في القرآن الكريم، يلمس دون عناء مقاصد وغايات الحرب والجهاد في الإسلام، ويمكن بيان ذلك فيما يأتي:

أولًا: مقاصد عقدية:

إن الدافع الأهم للجهاد في سبيل الله عز وجل إنما هو لأجل صيانة عقيدة التوحيد في نفوس الناس، وإصلاح ما فسد منها.

يقول الله تعالى في كتابه العزيز: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (193) } [البقرة:193] .

أي: قاتلوا من يعتدون عليكم وعلى دينكم حتى لا يكون شركٌ بالله، وحتى لا يعبد دونه أحدٌ، وتكون العبادة والطاعة لله وحده دون غيره من أصنام وأوثان مادية، أو أفكار شركية معنوية 94.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت