4.الافتراء أعظم خطرًا على المجتمع، حيث يؤدي إلى عدم تحقق مقصد من مقاصد الشريعة، وهو حفظ الأمة، والذي يعني بث الثقة والأمان بين أفرادها، وطرح ما من شأنه إدخال الشك؛ لأنه إذا فتح هذا الباب عسر سده، وكما يتهم المتهم غيره يتهم من اتهمه، وبذلك ترتفع الثقة، ويسهل على ضعفاء الإيمان المروق؛ إذ قد أصبحت التهمة تظل الصادق والمنافق.
5.أسوأ آثار الكذب على العاملين الشرفاء: أنها تشغلهم عن المضي في رسالتهم بالدفاع عن أنفسهم؛ إثباتًا لبراءتهم تجاه جمهور لا يملك من الوعي ما يمحص به الحقائق من الأباطيل بسرعة وبدقة.
6.فشو الافتراء وعدم تصدي العلماء له يؤدي إلى إصابة المجتمع بالذلة والمهانة في عيون أعدائه؛ لأن قريشًا لما جاءهم الرسول صلى الله عليه وسلم بالهدى واستمروا على الافتراء عاقبهم الله بالذلة، فأزال مهابتهم من قلوب العرب، واستأصلهم قتلًا وأسرًا، وسلب ديارهم، فلما أسلم منهم من أسلم صاروا أعزة بالإسلام.
1.للافتراء عواقب وخيمة في الدنيا والآخرة نتناولها فيما يأتي:
أولًا: عواقب الافتراء في الدنيا:
1.الخيبة والخزي.
أخبر الله عن كليمه موسى عليه السلام أنه حذر سحرة فرعون من الافتراء على الله، ووعدهم بعذاب من عند الله، وأنه سيخيب سعيهم، فلا يحققون النصر الذي يرجون، كما قال تعالى: {قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى} [طه: 61] .
أي: «لا تنصروا ما أنتم عليه من الباطل بسحركم، وتغالبون الحق، وتفترون على الله الكذب، فيستأصلكم بعذاب من عنده، ويخيب سعيكم وافتراؤكم، فلا تدركون ما تطلبون من النصر والجاه عند فرعون وملئه، ولا تسلمون من عذاب الله» 71.
وكانت لهذه الكلمات الأثر الكبير في زعزعة عقيدة سحرة فرعون الباطلة، وانتقلوا بفضل الله، ثم بفضل هذه الكلمات الصادقة من الكفر إلى الإيمان، وفي هذا المعنى قال سيد قطب رحمه الله: «وهكذا تنزل الكلمة الصادقة الواحدة الصادرة عن عقيدة، كالقذيفة في معسكر المبطلين وصفوفهم، فتزعزع اعتقادهم في أنفسهم وفي قدرتهم، وفي ما هم عليه من عقيدة وفكرة» 72.
2.استحقاق الوصف بالظلم.
أخبر تعالى أن المفترين على الله ورسوله هم المستحقون للوصف بالظلم، كما قال تعالى: {كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (93) فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (94) } [آل عمران: 93 - 94] .
والمعنى: وأي ظلم أعظم من ظلم من يدعى إلى تحكيم كتابه فيمتنع من ذلك عنادًا وتكبرًا وتجبرًا 73.
وقال تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ} [الأنعام: 93] .
نزلت في كذاب اليمامة والأسود العبسي وسجاح زوج مسيلمة؛ كلهم تنبأ وزعم أن الله قد أوحى إليه.