قال القرطبي رحمه الله: «ومن هذا النمط من أعرض عن الفقه والسنن وما كان عليه السلف من السنن يقول: وقع في خاطري كذا، أو أخبرني قلبي بكذا؛ فيحكمون بما يقع في قلوبهم، ويغلب عليهم من خواطرهم، ويزعمون أن ذلك لصفائها من الأكدار، وخلوها من الأغيار، فتتجلى لهم العلوم الإلهية، والحقائق الربانية، فيقفون على أسرار الكليات، ويعلمون أحكام الجزئيات، فيستغنون بها عن أحكام الشرائع الكليات، ويقولون: هذه الأحكام الشرعية العامة إنما يحكم بها على الأغبياء والعامة، وأما الأولياء وأهل الخصوص فلا يحتاجون لتلك النصوص.
وقد جاء فيما ينقلون: «استفت قلبك وإن أفتاك المفتون» ويستدلون على هذا بالخضر؛ وأنه استغنى بما تجلى له من تلك العلوم، عما كان عند موسى عليه السلام من تلك الفهوم، وهذا القول زندقة وكفر، يقتل قائله ولا يستتاب، ولا يحتاج معه إلى سؤال ولا جواب؛ فإنه يلزم منه هد الأحكام وإثبات أنبياء بعد نبينا صلى الله عليه وسلم» 74.
3.عدم الفلاح.
أخبر سبحانه وتعالى أن المفترين لا يفلحون في الدنيا ولا في الآخرة.
قال تعالى: {قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (68) قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (69) مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ} [يونس: 68 - 70] .
توعد تعالى المفترين ممن زعم أن له ولدًا، بأنهم لا يفلحون في الدنيا ولا في الآخرة، فلا ينالون مطلوبهم، ولا يحصل لهم مقصودهم، وإنما يتمتعون في كفرهم وكذبهم في الدنيا قليلًا، ثم ينتقلون إلى الله، ويرجعون إليه، فيذيقهم العذاب الشديد المؤلم بسبب كفرهم.
وجملة: {مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا} استئناف بياني؛ لأن القضاء عليه بعدم الفلاح يتوجه عليه أن يسأل سائل: كيف نراهم في عزة وقدرة على أذى المسلمين وصد الناس عن اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم؟
فيجاب السائل بأن ذلك: متاع في الدنيا لا يعبأ به، وإنما عدم الفلاح مظهره الآخرة، فـ «متاعٌ» خبر مبتدأ محذوف يعلم من الجملة السابقة، أي: أمرهم متاع، والمتاع: المنفعة القليلة في الدنيا؛ إذ يقيمون بكذبهم سيادتهم وعزتهم بين قومهم، ثم يزول ذلك 75.
4.الغضب والذلة.
أخبر سبحانه وتعالى أن جزاء المفترين الغضب والذلة، كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ} [الأعراف: 152] .
أما الغضب الذي نال بني إسرائيل في عبادة العجل، فهو أن الله تعالى لم يقبل لهم توبة، حتى قتل بعضهم بعضًا، كما قال تعالى في سورة البقرة: {فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 54] .
وأما الذلة فأعقبهم ذلك ذلًا وصغارًا في الحياة الدنيا.
وقوله: {وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ} نائلة لكل من افترى بدعة، فإن ذل البدعة ومخالفة الرسالة متصلة من قلبه على كتفيه، كما قال الحسن البصري رحمه الله: «إن ذل البدعة على أكتافهم، وإن هملجت بهم البغلات، وطقطقت بهم البراذين» 76.
وعن أبي قلابة الجرمي رحمه الله أنه قرأ هذه الآية: {وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ} قال: «هي -والله -لكل مفتر إلى يوم القيامة» ، وقال سفيان بن عيينة رحمه الله: «كل صاحب بدعة ذليل» 77.