فقال سبحانه وتعالى: {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (33) } [النور: 33] .
«لتلتمسوا بإكراهكم إياهن على الزنا عرض الحياة الدنيا، وذلك ما تعرض لهم إليه الحاجة من رياشها وزينتها وأموالها» 58، لقد كان من فعل الجاهلية وصدر الإسلام أن يسترزق بأبضاع الإيماء والجواري، فيطلب المال بالبغاء والزنا والعياذ بالله، وهذه طريق غير مشروع في كسب المال نهى ربنا سبحانه وتعالى عنه، فكان يطلب المال بالإكراه منهن وهذا مما لا شك ينفي عنهن الاختيار في ذلك.
فعقب سبحانه وتعالى على ذلك بقوله: {وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور: 33] .
لقد حدد الإسلام الحنيف ضوابط للمال جلبه وصرفه، وبين القرآن الكريم أن المال ما هو إلا وسيلة في الدنيا لا ترتقي لأن تصبح غايةً وهدفًا، ولذلك خص ربنا سبحانه وتعالى المال في الآخرة بسؤالين من أين اكتسب؟ وفيم أنفق؟
فعن أبي برزة الاسلمي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسئل عن عمره فيم أفناه؟ وعن علمه فيم فعل؟ وعن ماله من أين اكتسبه؟ وفيم أنفقه؟ وعن جسمه فيم أبلاه؟) 59.
وبهذا يكون الشرع قد بين للناس وظيفة المال في الدنيا، وأهمية أن يكون هذا المال طيبًا حلالًا، لصلاح الدين والدنيا للناس.
1.الإكراه الذي قدره الله تعالى في علمه، وقضاه في حكمه، ومن ذلك إكراه الخلق على الشدائد من العبادات وغيرها، والإكراه بالانقياد له جل جلاله. سنتناوله من خلال النقاط التالية:
أولًا: الإكراه على الشدائد:
إن الخلق جميعًا سواء أكانوا في السماوات السبع، أم في الأرضين السبع مأمورون أن يستسلموا لربهم طوعًا وكرهًا.
قال تعالى: {أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} [آل عمران: 83] .
تبين هذه الآية الكريمة على وجه الإنكار والتهديد عطفًا على ما دل عليه السياق من خلال تساؤلٍ، وهو قوله: أتولى هؤلاء الفاسقون، فتسبب عن ذلك أنهم على غير دين الله تعالى، مع أن الحال أن كل من في السماوات والأرض من مخلوقات، تخضع وتنقاد لربها، وتجري تحت مراده وقضائه، ولا تقدر على مغالبة قدرته بوجهٍ من الوجوه.
وكل هذا يكون طوعًا بالإيمان، أو بما وافق أغراضهم، ويكون أيضًا كرهًا بالتسليم لقهره في إسلامهم، وإن كثرت أعوانهم وعز سلطانهم، وتأتي الفاصلة القرآنية؛ لتبين أن كل هذه المخلوقات سوف ترجع إلى ربها بالحشر، ومن ثم الانتقال إلى الثواب أو العقاب 60، ويجوز أن يكون الإكراه هنا بمعنى كل ما فيه من مشقة، كمن أسلم مخافة القتل، فيكون إسلامه استسلامًا منه 61.
وقد تناولت آية أخرى نفس المقصد من بيان أن جميع المخلوقات في السماوات والأرض تسجد طوعًا وكرهًا، وظلالهم بالغدو والآصال.
قال تعالى: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ} [الرعد: 15] .
فإن المؤمن المخلص يسجد لله طائعًا، وأما الكافر المنافق فيسجد لله كرهًا بقدر الله تعالى؛ بل تسجد ظلال جميع المخلوقات بدوران تلك الظلال، وهذا يكون أول النهار وآخره 62.
ثانيًا: الانقياد لله تعالى: