فهرس الكتاب

الصفحة 204 من 2431

يمتن الله على عباده بتذليل البحر لهم وتيسيرهم للركوب فيه، وتسخيره لحمل السفن التي تمخره، أي: تشقه، وقيل: تمخر الرياح، وكلاهما صحيح، وقيل: تمخره بجؤجئها وهو صدرها المسنم الذي أرشد العباد إلى صنعتها وهداهم إلى ذلك، إرثًا عن أبيهم نوحٍ عليه السلام، فإنه أول من ركب السفن، وله كان تعليم صنعتها، ثم أخذها الناس عنه قرنًا بعد قرنٍ، وجيلًا بعد جيلٍ، يسيرون من قطرٍ إلى قطر، ومن بلد إلى بلد، ومن إقليم إلى إقليم، لجلب ما هناك إلى ما هنا، وما هنا إلى ما هناك 97.

{وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ} أي: ترى السفن شواق للماء تدفعه بصدرها. ومخر السفينة: شقها الماء بصدرها 98.

ومن نعم الله تعالى أيضًا تذليله البحر للناس، وتيسيره للركوب فيه، وعبور الفلك السفن فيه جيئة وإيابا، وطلب فضل الله ورزقه بالتجارة فيه، مما يوجب شكر نعمه وإحسانه على الناس بما يسره لهم في البحار 99.

يقول تعالى: {وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (12) } [فاطر: 12] .

{فِيهِ} أي: في كل. {مَوَاخِرَ} تشق الماء بجريها 100.

{وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ} أي: في كل واحدٍ من البحرين.

وقال النحاس: الضمير يعود إلى الماء المالح خاصةً، ولولا ذلك لقال: فيهما مواخر يقال: مخرت السفينة تمخر: إذا شقت الماء. فالمعنى: وترى السفن في البحرين شواق للماء بعضها مقبلةٌ، وبعضها مدبرةٌ بريحٍ واحدةٍ 101.

{وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ} أي: تمخره وتشقه بحيزومها: وهو مقدمها المسنم الذي يشبه جؤجؤ الطير وهو صدره، وقال مجاهدٌ: تمخر الريح السفن ولا يمخر الريح من السفن إلا العظام.

وقوله جل وعلا: {لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ} أي: بأسفاركم بالتجارة من قطرٍ إلى قطرٍ وإقليمٍ إلى إقليمٍ.

وقوله: {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} أي: تشكرون ربكم على تسخيره لكم هذا الخلق العظيم، وهو البحر، تتصرفون فيه كيف شئتم، تذهبون أين أردتم، ولا يمتنع عليكم شيءٌ منه، بل بقدرته قد سخر لكم ما في السموات وما في الأرض، الجميع من فضله ورحمته 102.

وقال تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ} [إبراهيم: 32] .

وهوسبحانه الذي سخر الفلك، وأجراها مع الماء، وسخر الأنهار لتحمل الفلك على ظهرها 103.

{لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ} أي: ولتطلبوا بها منافع أخرى من فضل الله غير ما تقدم، كالتجارة ونقل الحاصلات والبضائع من مرفإ إلى مرفإ ومن قطر إلى قطر، وغير ذلك كالارتحال بها لطلب العلم حيث يوجد العلم والعلماء 104.

هو وحده لا شريك له {الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ} وهيأه لمنافعكم المتنوعة. {لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا} وهو السمك والحوت الذي يصطادونه منه، {وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا} فتزيدكم جمالًا وحسنًا إلى حسنكم، {وَتَرَى الْفُلْكَ} أي: السفن والمراكب {مَوَاخِرَ فِيهِ} أي: تمخر في البحر العجاج الهائل بمقدمها حتى تسلك فيه من قطر إلى آخر، تحمل المسافرين وأرزاقهم وأمتعتهم وتجاراتهم التي يطلبون بها الأرزاق وفضل الله عليهم 105.

ومن تسخير البحر: خلقه على هيئةٍ يمكن معها السبح والسير بالفلك، وتمكين السابحين والماخرين من صيد الحيتان المخلوقة فيه والمسخرة لحيل الصائدين. وزيد في الامتنان أن لحم صيده طريٌ 106.

رابعًا: الانتفاع بجريان مائه:

من المنافع التي تحدثت عنها بعض آيات الأنهار: السرور بمنظر الماء الجاري للنهر، هذا السرور الذي يبعث البهجة في النفس، والراحة النفسية، والتفكر في ملكوت الله وعظمته وامتنانه على عباده.

قال تعالى: {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} [البقرة: 25] .

قيل: المعنى في {تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا} : أي: بأمر سكانها واختيارهم، فعبر بتحتها عن قهرهم لها وجريانها على حكمهم، كما قيل في قوله تعالى حكايةً عن فرعون: وهذه الأنهار تجري من تحتي، أي: بأمري وقهري ... وقد روي عن مسروقٍ: أن أنهار الجنة تجري في غير أخاديد، وأنها تجري على سطح أرض الجنة منبسطةً.

وإذا صح هذا النقل، فهو أبلغ في النزهة، وأحلى في المنظر، وأبهج للنفس. فإن الماء الجاري ينبسط على وجه الأرض جوهره فيحسن اندفاعه وتكسره، وأحسن البساتين ما كانت أشجاره ملتفةً وظله ضافيًا وماؤه صافيًا منسابًا على وجه أرضه، لا سيما الجنة، حصباؤها الدر والياقوت واللؤلؤ، فتتكسر تلك المياه على ذلك الحصى، ويجلو صفاء الماء بهجة تلك الجواهر، وتسمع لذلك الماء المتكسر على تلك اليواقيت واللآلئ له خريرًا 107.

{تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} أي: من تحت أشجارها، كما تراها جارية تحت الأشجار النابتة على شواطئها 108.

وقال تعالى: {فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ (50) } [الرحمن: 50] .

وأورد أبو حيان قول ابن عباسٍ: هما عينان مثل الدنيا أضعافًا مضاعفةً، وقال: تجريان بالزيادة والكرامة على أهل الجنة.

وقال الحسن: تجريان بالماء الزلال، إحداهما التسنيم، والأخرى السلسبيل.

وقال ابن عطية: إحداهما من ماءٍ، والأخرى من خمرٍ. وقيل: تجريان في الأعالي والأسافل من جبلٍ من مسكٍ 109.

ومما يزيدها بهجة ورواء أن الله سبحانه وتعالى قال: {وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا} [الكهف: 33] .

فجر الله سبحانه خلال الجنتين-أي: بين الجنتين-نهرًا عذبًا، فكان هذا النهر متعة للناظرين، وسببًا أدى إلى وصول الماء الدائم والمستمر إلى هاتين الجنتين، فكان هذا أيضًا من الأسباب التي جعلت هاتين الجنتين تؤتي أكلها كاملة 110.

وقال الله تعالى: {فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ (12) } [الغاشية: 12] .

أي: في تلك الجنة عين عظيمة لا ينقطع ماؤها عن الجريان، أو عيون كثيرة، ... ووصف ماء العيون بالجريان للإشارة إلى أنه بارد صافٍ؛ لأن ماء العيون إذا كان جاريًا يكون في العادة باردًا صافيًا مع ما في منظر الماءٍ الجاري من مسرة وارتياح 111.

لما كانت هذه الشريعة خاتمة الشرائع السماوية، كان لابد أن تكون مميزة بخصائص ومميزات تجعلها قابلة للثبات والاستمرار ومواكبة لحياة الإنسان مهما كان، وفي أي عصر كان، وفي أي مكان كان.

ومن أهم المميزات التي تميزت بها شريعتنا الغراء: رفع الحرج عن المكلفين والتيسير عليهم، من أجل هذا كانت عناية الشريعة، تلك العناية البالغة ببيان الحلال والحرام، من طعام الإنسان وشرابه، ليقيم وجهه على ما أحل الله له من طيبات. وليعرض عما حرم عليه من خبائث.

قال تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (96) } [المائدة: 96] .

ففى هذه الآية يبين الله سبحانه وتعالى للمؤمنين حكم الصيد، وما لهم منه، وما عليهم فيه.

فعن أبي هريرة: (أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هو الطهور ماؤه الحل ميتته) 112.

والبحر يشمل الأنهار والأودية؛ لأن جميعها يسمى بحرًا في لسان العرب. وقد قال الله تعالى: {وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ} الآية. وليس العذب إلا الأنهار كدجلة والفرات. وصيد البحر: كل دواب الماء التي تصاد فيه، فيكون إخراجها منه سبب موتها قريبًا أو بعيدًا. فأما ما يعيش في البر وفي الماء فليس من صيد البحر كالضفدع والسلحفاة، ولا خلاف في هذا 113.

وفي هذا يتضح أن الله تعالى أباح لعباده أكل ما في الأرض من الحلال الطيب، وكانت وجوه الحلال كثيرة، وبين لهم ما حرم عليهم لكونه أقل، حتى إن الصحابة كانوا عندما يتشككون في أمرٍ يذهبون إلى رسول الله ويسألونه.

فعن جابرٍ بن عبد الله قال: «غزونا جيش الخبط 114 وأميرنا أبو عبيدة، فجعنا جوعًا شديدًا، فألقى البحر حوتًا ميتًا لم نر مثله، يقال له: العنبر، فأكلنا منه نصف شهرٍ، فأخذ أبو عبيدة عظمًا من عظامه فمر الراكب تحته، قال: فلما قدمنا المدينة ذكرنا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: (كلوا رزقًا أخرجه الله عز وجل لكم، أطعمونا إن كان معكم، فأتاه بعضهم بشيءٍ فأكله) 115.

قال أبو بكر الصديق: صيد البحر ما تصطاده أيدينا وطعامه ما لاثه البحر 116.

فلا يخفى ما لإطابة المطعم بتحري ما أحل الله وترك ما حرم الله من أثر بالغ على قلب الإنسان وسلوكه، وأن الأكل من الطيبات له آثار حميدة على النفوس والأبدان؛ لأن الطيبات تؤثر الخير والنفع للأبدان والعقول والأخلاق، والخبائث تؤثر شرًا وضررًا في الأبدان والعقول والأخلاق، وكل ما ينفع فهو طيب وكل ما يضر فهو خبيث.

وإن هذه الطيبات التي أحلها الله لهي من ضمن الأشياء التي سخرها سبحانه وتعالى لنا في قوله عز وجل: {وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (12) } [فاطر: 12] .

{وَمِنْ كُلٍّ} منهما {تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا} وهو ما يصاد منهما من حيواناتهما التي تؤكل 117.

يقول تعالى: {وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (14) } [النحل: 14] .

هو وحده لا شريك له {الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ} وهيأه لمنافعكم المتنوعة. {لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا} وهو السمك والحوت الذي يصطادونه منه، {وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا} فتزيدكم جمالا وحسنا إلى حسنكم 118.

ومن تسخير البحر: خلقه على هيئةٍ يمكن معها السبح والسير بالفلك، وتمكين السابحين والماخرين من صيد الحيتان المخلوقة فيه والمسخرة لحيل الصائدين. وزيد في الامتنان أن لحم صيده طريٌ 119.

{وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (12) } [فاطر: 12] .

إن من آيات الله عز وجل أن سخر لنا البحر لنأكل منه لحمًا طريًا، ومن نعم الله جل في علاه أن ذلل البحر لنا حتى استطعنا أن نصطاد منه الأسماك وغيرها مما يؤكل من هذه اللحوم الطرية، كذلك ذلَله لنا لنغوص فيه فنجمع اللؤلؤ والمرجان وما يتخذ زينة. سمي السمك لحمًا؛ لأنه حيوان من جملة الحيوانات، وكونه بحريًا لا ينفي كونه لحمًا، ووصف بالطري؛ لأن لحم السمك أطرى من لحم حيوانات البر.

يمتن الله على عباده بتذليل البحر لهم وتيسيرهم للركوب فيه، وجعله السمك والحيتان فيه، وإحلاله لعباده لحمها حيها وميتها، وما يخلقه فيه من اللآلئ والجواهر النفيسة، وتسهيله للعباد استخراجهم من قراره حليةً يلبسونها 120.

امتن الله سبحانه بتسخير البحر بإمكان الركوب عليه واستخراج ما فيه من صيدٍ وجواهر؛ لكونه من جملة النعم التي أنعم الله بها على عباده مع ما فيه من الدلالة على وحدانية الرب سبحانه وكمال قدرته، ... ثم ذكر العلة في تسخير البحر فقال: {لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا} المراد به: السمك، ووصفه بالطراوة للإشعار بلطافته، والإرشاد إلى المسارعة بأكله لكونه مما يفسد بسرعةٍ 121.

{وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا} أي: لؤلؤًا ومرجانًا كما في قوله سبحانه: {يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (22) } [الرحمن:22] 122.

وقد ذكر بعض المفسرين أن «وصفه بالطراوة؛ لأن الفساد يسارع إليه» ، ولكن هذا القول مما لا يناسب مقام الامتنان بنعم الله؛ لأن المعنى يكون حينئذ: وسخر لكم البحر لتأكلوا لحم السمك الذي يسارع إليه الفساد فتأكلونه طريًا لئلا يفسد، وهذا لا يناسب مقام الامتنان، وإنما الذي يناسب مقام الامتنان هو وصف لحم السمك بالطراوة الذي هو عنوان للذة لحوم السمك، جاء التعبير {وَتَسْتَخْرِجُوا} وليس «تخرجوا» ؛ لأن الاستخراج يدل على الطلب، فالذي يغوص في البحر يطلب اللؤلؤ والمرجان، فهو يستخرجهما، أي: يطلبهما 123.

ووجه الأكل إلى لحمه مباشرة وفيه إشارة إلى أنه لا يزكى، بل يؤكل ميتًا، ولذا روى في الأثر (أحل لنا ميتتان حلالان: السمك والجراد) 124.

وعبر سبحانه وتعالى أيضًا بقوله: {لَحْمًا طَرِيًّا} ، ولم يقل سمكًا؛ لأن في البحر ما ليس بسمك، حيوانات تشبه حيوانات البحر، والظاهر أنها حلال وفيها ضخم يكفي الألوف، كالحيوان البحري المسمى الترسة، وكالحوت وفرس البحر، وغير ذلك، وكلها لحم طري، وقد وصف القرآن اللحم الذي يؤخذ من البحر بأنه لحم طري؛ لأنه فعلًا طري، وعظمه قليل، ولا يتخلل أجزاء جسمه، بل هو في موضع معين والذي يتخلل جسمه شيء صغير يسميه العامة «سفا» .

ويقول الزمخشري في وصفه بأنه طري للإشارة إلى أنه سريع العفن، وأنه ضار إذا تعفن، وفي ذلك نظر، فإنه إذا وضع الملح عليه لم يكن ضارًا في تعفنه، وهو المتفسخ منه، وقد أنكره أطباء عصرنا وزماننا ثم أباحوه، بل استحسنوه، وقرروا أن فيه سرًا طبيًا، وإن لم يعرفوه، وحرم التفسخ الحنفية؛ لأنه ضار، وقد علمت ما فيه.

و (اللام) في قوله تعالى: {لِتَأْكُلُوا} هي لام الغاية، أي: ذلله وسخره لتأكلوا منه لحما بعد صيده، وإنضاجه، وفيه مواد غذائية كبيرة، مملوءة بالقشور، وغيرها.

وإذا كان ذلك الطعام فيه منفعة مرئية طيبة، فالبحر وعاء للجواهر المختلفة، ولذا قال: {وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا} وهي ما يسمونه بالأحجار الكريمة من لآلئ، وزمرد، وغيرهما مما يتحلى به النساء وبعض المرفهين من الرجال، وإن لم يتشبهوا بالنساء 125.

فالأنهار تقدم للإنسان أيضًا فوائد كثيرة، وخاصة مع سكان المناطق التي يعيشون على ضفافها، فهي تفيض لهم بالخير، وتخرج من جوفها الأسماك والأعشاب والخيرات، وقد أثبت العلم الغذائي ما في ثمار البحر عمومًا، والسمك خصوصًا، من فوائد جمة. وينصح الأطباء بتناول وجبة سمك ولو مرة واحدة أو مرتين في الأسبوع؛ لما فيها من غذاء ضروري للأجسام.

ومن نعم الله تعالى أيضًا تذليله البحر للناس، وتيسيره للركوب فيه، وإباحته الأسماك المختلفة المستخرجة منه، واستخراج الحلي واللآلئ منه للبس والزينة، والاستفادة من المرجان، وعبور الفلك (السفن) فيه جيئة وإيابًا، وطلب فضل الله ورزقه بالتجارة فيه، مما يوجب شكر نعمه وإحسانه على الناس بما يسره لهم في البحار 126.

جمع الله عز وجل الأنهار التي أعدها لعباده المتقين في الجنة في آية واحدة من آيات القرآن الكريم، ومن حكمته سبحانه أن جعل هذه الآية في سورة محمد صلى الله عليه وسلم.

{مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ (15) } [محمد: 15] .

لما بين سبحانه الفرق بين الفريقين في الاهتداء والضلال بين الفرق في مرجعهما ومآلهما، فقال: {مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ} 127.

و {مَثَلُ الْجَنَّةِ} : صفة الجنة العجيبة الشأن، وقوله: {فِيهَا أَنْهَارٌ} ، في حكم الصلة، كالتكرير لها. ألا ترى إلى سر قوله: التي فيها أنهارٌ؟ ويجوز أن تكون خبر مبتدإٍ محذوفٍ هي: فيها أنهارٌ 128.

{أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ} ذكر الله تعالى في هذه الآية نوعين من الجزاء لكل من الفريقين: جزاء مادي وجزاء معنوي، أما نوعا جزاء المؤمنين فهما المشروب والمطعوم، والمغفرة والرضوان، وأما نوعا جزاء الكافرين فهما المشروب الحار، والخلود في النار ... ومعنى الآية: إن نعت الجنة أو وصفها العجيب الشأن، التي وعد الله بها عباده المتقين، الذين اتقوا عقابه بامتثال أوامره واجتناب نواهيه؛ هو ما تسمعون. ثم ابتدأ بمشروب أهل الجنة فيها أنهار جارية، من ماء غير متغير الطعم والريح واللون لطول المكث، بل إنه ماء عذب فرات، متدفق نقي غير مصحوب برواسب أو طحالب، من شربه لا يظمأ أبدًا، وقد ابتدأ بالماء؛ لأنه أعم نفعًا للناس من بقية المشروبات 129.

ونقل ابن كثير قول قتادة والضحاك وعطاء الخراساني: غير منتنٍ، والعرب تقول: أسن الماء إذ تغير ريحه 130.

{وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ} وفيها أنهار من حليب لم يحمض كما تتغير ألبان الدنيا، وهو في غاية البياض والحلاوة والدسومة، وثنى باللبن، لأنه ضروري للناس كلهم، وهو غذاء كامل ومطعوم شهي 131.

{وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ} والخمر: عصير العنب الذي يترك حتى يصيبه التخمر وهو الحموضة مثل خمير العجين. ولذةٍ وصفٌ وليس باسمٍ، وهو تأنيث اللذ، أي: اللذيذ، واللذاذة: انفعالٌ نفسانيٌ فيه مسرةٌ، وهي ضد الألم وأكثر حصوله من الطعوم والأشربة والملامس البدنية، فوصف خمرٍ هنا بأنها لذةٍ، معناه: يجد شاربها لذاذةً في طعمها، أي: بخلاف خمر الدنيا فإنها حريقة الطعم فلولا ترقب ما تفعله في الشارب من نشوةٍ وطربٍ لما شربها لحموضة طعمها 132.

أي: ليست كريهة الطعم والرائحة كخمر، الدنيا، حسنة المنظر والطعم والرائحة والفعل لا فيها غولٌ ولا هم عنها ينزفون {لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ (47) } [الصافات: 47] 133.

{وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ} أي: تلذذ خالص ليس معه ذهاب عقل ولا سكر ولا صداع، بخلاف خمر الدنيا، فإنها كريهة عند الشرب، و {لَذَّةٍ} : تأنيث لذ، أي: لذيذ 134.

وفيها أنهار من خمر لذيذة الطعم، طيبة الشرب، ليست كريهة الطعم والرائحة أو مرة كخمر الدنيا، بل حسنة المنظر والطعم والرائحة: {لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ (47) } [الصافات: 47] .

{لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ (19) } [الواقعة: 19] .

أي: ليس فيها ضرر ولا مادة مسكرة تزيل العقل، ولا يصيب شاربها صداع، ولا يذهب عقله، وإنما هي لذيذة للشاربين: {بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (46) } [الصافات: 46] .

وذكرت في المرتبة الثالثة؛ لأنها ليست ضرورية، وإنما فيها متعة ذوقية، فهي لذيذة الطعم، طيبة الشرب، لا يكرهها الشاربون، وتناولها للذة بعد حصول الري والمطعوم 135.

{وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى} العسل المصفى: الذي خلص مما يخالط العسل من بقايا الشمع وبقايا أعضاء النحل التي قد تموت فيه 136.

أي: من عسل ليس فيه عكرٌ ولا كدرٌ كعسل أهل الدنيا 137.

وفيها أنهار من عسل في غاية الصفاء، وحسن اللون والطعم والريح، لم يخالطه شيء من الشمع والقذى والعكر والكدر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت