فهرس الكتاب

الصفحة 781 من 2431

التواضع

أولًا: المعنى اللغوي:

وضع: الواو والضّاد والعين: أصلٌ واحدٌ -كما يقول ابن فارس- يدلّ على الخفض للشّيء وحطّه.

ووضعته بالأرض وضعًا، ووضعت المرأة ولدها، ووضع في تجارته يوضع: خسر، والوضائع: قومٌ ينقلون من أرضٍ إلى أرضٍ يسكنون بها 1.

والتواضع: التذلل 2. و (تواضع) فلان تذلل وتخاشع، والقوم على الأمر: اتّفقوا عليه، والأرض: انخفضت عمّا يليها 3.

والمقصود: أن معنى الجذر (وضع) يدور حول الخفض للشيء وحطّه، كما ذكر ابن فارس، وجاء منه التواضع بمعنى التذلل، والتواضع بمعنى الانخفاض، كقول العرب: تواضعت الأرض: انخفضت عما يليها، ثم توسع المتأخرون في معنى الكلمة، فقالوا: أجرٌ متواضعٌ، وأصلٌ متواضعٌ، وهديةٌ متواضعةٌ ... الخ، على سبيل المجاز.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

وأما في الاصطلاح فقد عرّف التواضع بعدة تعريفات، نذكر منها:

التّواضع: استعظام ذوي الفضائل من دونه في المال والجاه، وقيل: الرّضا بمنزلة دون ما يستحقّه فضله ومنزلته 4.

وقيل: التّواضع: الاستسلام للحق، وترك الاعتراض على الحكم، وقيل: التواضع: قبول الحق، وقيل: افتخار بالقلة، واعتناق المذلة، وتحمل أثقال أهل الملّة 5.

وعرّفه المناوي بقوله: «التواضع: تحقير النفس وإهانتها بالنسبة إلى عظمة الله، وقبول الحق بحسن الخلق. وقيل: ترك الصول، والتبرؤ من القوة والحول، قال التونسي: التواضع: تذلل القلوب لعلام الغيوب، بالتسليم لمجاري أحكام الحق» 6.

وقيل: «التواضع: ضد التكبر، وهو أن يرى المرء نفسه دون غيره في صفة الكمال» 7.

وقيل: «التواضع: ألا ترى لنفسك قيمة، فمن رأى لنفسه قيمة فليس له في التواضع نصيب» 8.

وسئل الفضيل بن عياض عن التواضع، فقال: يخضع للحق، وينقاد له، ويقبله ممن قاله 9.

وقال الجنيد: «التواضع خفض الجناح، وكسر الجانب» 10. أي: لين الجانب.

وقال رويم: «التّواضع: تذلل القلوب لعلام الغيوب» 11.

وعرّفه من المعاصرين سليمان بن عبد الرحمن الحقيل بقوله: «التواضع: معرفة المرء قدر نفسه، وتجنّب الكبر، ويتطلب أن يتجنب الإنسان المباهاة بما فيه من الفضائل، والمفاخرة بالجاه والمال» 12.

ومما سبق ندرك أنه وإن اختلفت عبارات العلماء في تعريفهم للتواضع إلا أن كل هذه التعريفات مجتمعة تدل على أن التواضع هو: خفض النفس، وهضمها في ذات الله، ومعرفة المرء قدر نفسه، واجتناب الكبر والبطر والخيلاء، وقبول الحق، والانقياد له.

فالمعنى الاصطلاحي لا يخرج عن أصله اللغوي.

لم يرد لفظ (التواضع) في القرآن، ولكن ورد جذره (وضع) في القرآن (12) مرة.

والمعاني التي استعمل القرآن فيها الجذر (وضع) لا تخرج عن المعنى اللغوي العام، الذي يدل على الخفض للشيء وحطه 13.

وقد تحدث القرآن عن التواضع باستخدام ألفاظٍ قريبة، مثل: الذل، واللين.

العجب:

العجب لغةً:

العجب بالضم: الزّهو والكبر، ورجلٌ معجبٌ: مزهوٌّ بما يكون منه حسنًا أو قبيحًا 14.

العجب اصطلاحًا:

مسرة بحصول أمر، يصحبها تطاول به على من لم يحصل له مثله، بقول أو ما في حكمه، من فعل، أو ترك، أو اعتقاد 15.

الصلة بين التواضع والعجب:

أن العجب بالشيء شدة السرور به حتى لا يعادله شيء عند صاحبه، تقول هو معجب بفلانة إذا كان شديد السرور بها، وهو معجب بنفسه إذا كان مسرورًا بخصالها، ولهذا يقال: أعجبه، كما يقال: سر به، فليس العجب من الكبر في شيء 16، بل هو أحد أسبابه الداعية إليه 17.

الكبر:

الكبر لغة:

تدل على خلاف الصّغر، والكبر: معظم الأمر، والكبر: العظمة، وكذلك الكبرياء 18، والكبر والتّكبّر والاستكبار تتقارب، وأصل ذلك أن يستعمل في الأعيان ثم استعير للمعاني.

الكبر اصطلاحًا:

قال الراغب الأصفهاني: «الكبر: الحالة التي يتخصص بها الإنسان من إعجابه بنفسه وذلك أن يرى الإنسان نفسه أكبر من غيره.» 19.

الصلة بين التواضع والكبر:

التواضع ضد الكبر، فالأول محمود، والثاني مذموم.

التواضع خلقٌ حميد، وجوهر لطيف، يستهوي القلوب، ويستثير الإعجاب والتقدير، وهو من أخصّ خصال المؤمنين المتقين، ومن كريم سجايا العاملين الصادقين، ومن شيم الصالحين المخبتين.

والتواضع هدوء وسكينة ووقار واتزان، والتواضع ابتسامة ثغر، وبشاشة وجه، ولطافة خلق، وحسن معاملة، بتمامه وصفائه يتميّز الخبيث من الطيب، والصادق من الكاذب.

وهو على ثلاث درجات: تواضع للدين، وتواضع للحق، وتواضع للخلق.

أولًا: التواضع للدين:

من أعظم درجات التواضع الانقياد لما جاء به الرسول، والاستسلام له والإذعان، وهذا هو معنى {وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} في قوله: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65] .

فقوله: {وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} أي: ويخضعوا لأمرك في القضاء خضوعًا، وقال الزجاج: تسليمًا مصدر مؤكد، فإذا قلت ضربه ضربًا فكأنك قلت: لا شك فيه، كذلك {وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} أي: ويسلّمون لحكمك تسليمًا، لا يدخلون على أنفسهم شكًّا 20.

ونلحظ أنه جمع بين الجملتين {ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا} {وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} وكأن الأولى- المراد بها الانقياد في الباطن، والثانية- المراد منها: الانقياد في الظاهر 21.

نفى الله عنهم الإيمان أو كماله، إذا تحاكموا إلى غير الرسول، أو لم يرضوا بحكمه، والحرج هو الشك.

وليس المراد الحرج الذي يجده المحكوم عليه من كراهية ما يلزم به إذا لم يخامره شك في عدل الرسول، وفي إصابته وجه الحق، وقد بيّن الله تعالى في سورة النور كيف يكون الإعراض عن حكم الرسول كفرًا، سواء كان من منافق أم من مؤمن، إذ قال في شأن المنافقين: {وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (48) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (49) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ} [النور: 48 - 50] .

ثم قال: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا} [النور: 51] .

لأن حكم الرسول بما شرع الله من الأحكام لا يحتمل الحيف؛ إذ لا يشرع الله إلا الحق، ولا يخالف الرسول في حكمه شرع الله تعالى؛ ولهذا كانت هذه الآية خاصة بحكم الرسول صلى الله عليه وسلم، فأما الإعراض عن حكم غير الرسول فليس بكفر إذا جوّز المعرض على الحاكم عدم إصابته حكم الله تعالى، أو عدم العدل في الحكم 22.

ونظير هذه الآية قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36] .

والخيرة: الاختيار، أي: يريد غير ما أراد الله، ويمتنع مما أمر الله ورسوله.

ولفظ (ما كان) و (ما ينبغي) ونحوهما معناهما المنع، والحظر من الشيء، والإخبار بأنه لا يحل أن يكون شرعًا، وقد يكون لما يمتنع عقلًا، كقوله: {مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا} [النمل: 60] 23.

وإنما الواجب عليهم أن يخضعوا لما جاء من عند الله ورسوله، ويقبلوه ويتواضعوا له، ويتركوا التكبر عنه، فليس لهم الخيرة في قبوله أو عدم قبوله، وليس لهم الخيرة أن يختاروا من أمرهم ما شاءوا، بل يجب عليهم أن يجعلوا رأيهم تبعًا لرأيه صلى الله عليه وسلم، واختيارهم تلو اختياره.

فقطع سبحانه وتعالى التخيير بعد أمره وأمر رسوله، فليس لمؤمن أن يختار شيئًا بعد أمره صلى الله عليه وسلم، بل إذا أمر فأمره حتم، وإنما الخيرة في قول غيره إذا خفي أمره، وكان ذلك الغير من أهل العلم به وبسنته، فبهذه الشروط يكون قول غيره سائغ الاتّباع لا واجب الاتّباع، فلا يجب على أحد اتباع قول أحد سواه، بل غايته أنه يسوغ له اتباعه، ولو ترك الأخذ بقول غيره لم يكن عاصيًا لله ورسوله 24.

ونظير ذلك قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً} [البقرة: 208] . أي: في الإسلام.

قال مجاهد: في أحكام أهل الإسلام وأعمالهم، {كَافَّةً} أي: جميعًا.

وقيل: ادخلوا في الإسلام إلى منتهى شرائعه كافين عن المجاوزة إلى غيره، وأصل السلم من الاستسلام والانقياد 25.

وقد ذكر الهروي هذه الدرجة من درجات التواضع، وهي التواضع للدين، وأنها تكون بثلاثة أشياء:

الأول: أن لا يعارض شيئًا مما جاء به بشيء من المعارضات الأربعة السارية في العالم المسماة: بالمعقول والقياس والذوق والسياسة.

الثاني: أن لا يتهم دليلًا من أدلة الدين بحيث يظنه فاسد الدلالة أو ناقص الدلالة أو قاصرها، أو أن غيره كان أولى منه، ومتى عرض له شيء من ذلك فليتّهم فهمه، وليعلم أن الآفة منه، والبلية فيه.

الثالث: أن لا يجد إلى خلاف النص سبيلًا ألبتة لا بباطنه ولا بلسانه ولا بفعله ولا بحاله، بل إذا أحسّ بشيء من الخلاف فهو كخلاف المقدم على الزنا وشرب الخمر وقتل النفس، بل هذا الخلاف أعظم عند الله من ذلك، وهو داعٍ إلى النفاق، وهو الذي خافه الكبار والأئمة على نفوسهم 26.

وفي كلام الهروي -السابق- شرحٌ وافٍ لدرجة عظيمة من درجات التواضع، بل هي أعظم درجات التواضع وأعلاها، وهي التواضع للدين، بمعنى الاستسلام له، والانقياد لما جاء في الشرع دون معارضة، وألا يحكّم العقل في النقل، فمن يحكّم العقل في النقل فهو متكبّر، فالعقل لا يكون حاكمًا في النقل، وإنما العقل له ثلاث وظائف، هي: أن يتحقق من صحة النقل، وأن يفهم مضمون النقل، وأن يتفكر في خلق السماوات والأرض؛ لكي يعرف الله عز وجل، أما غير هذه الأمور فلا يمكن أن يدركها العقل الضعيف المحدود العلم.

فمن التواضع للدين ألا تعارض المنقول بالمعقول، وألا تتهم للدين دليلًا، والكبر أن تأبى حكمًا شرعيًا، أو آيةً أو حديثًا، أو أن تأخذ من الدين ما تحب وتدع ما لا تحب، فكل هذا كبرٌ وبطرٌ للحق، وردٌّ له.

ومن التواضع للدّين ألا تعارضه برأيٍ أو هوى، ولا تعرض عن تعلّمه والعمل به، وإذا أسدي إليك نصحًا فاقبله واشكر قائله، ومن أمرك بمعروفٍ أو نهاك عن منكرٍ فامتثل لرشده، فالحظوة في التواضع للطاعة، قال رجل لمالك بن مغول: «اتّق الله» فوضع خدّه على الأرض؛ تواضعًا لله 27.

وروي أنه قيل لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: اتق الله، فوضع خده على الأرض تواضعًا لله 28.

ينسى بعض الناس هذا كله فيتعاظمون في أنفسهم، ويأخذهم العجب بأجسادهم وألوانهم، وامتداد قاماتهم، وجمال ثيابهم، فإذا هم يمشون في الأرض مشية الخيلاء المتكبرين، وينظرون إلى الناس نظرة احتقار وازدراء، ويظن أحدهم أنه خير الناس وهو أرذلهم.

وقد قسم ابن القيم التواضع بقوله: «والتواضع المحمود على نوعين:

النوع الأول: تواضع العبد عند أمر الله امتثالًا، وعند نهيه اجتنابًا، فإن النفس لطلب الراحة تتلكأ في أمره، فيبدو منها نوع إباء وشراد هربًا من العبودية، وتثبّت عند نهيه طلبًا للظفر بما منع منه، فإذا وضع العبد نفسه لأمر الله ونهيه فقد تواضع للعبودية.

والنوع الثاني: تواضعه لعظمة الرب وجلاله، وخضوعه لعزته وكبريائه، فكلما شمخت نفسه ذكر عظمة الرب تعالى وتفرده بذلك، وغضبه الشديد على من نازعه ذلك، فتواضعت إليه نفسه، وانكسر لعظمة الله قلبه، واطمأن لهيبته، وأخبت لسلطانه، فهذا غاية التواضع، وهو يستلزم الأول من غير عكس، والمتواضع حقيقة من رزق الأمرين، والله المستعان» 29.

والمقصود أن التواضع يكون للشرع بالخضوع التام لأوامر الله، والاستسلام له، فلا يعارض بمعقول ولا رأي ولا هوى، والانقياد التام لما جاء به خاتم الرسل صلى الله عليه وسلم، وأن يعبد الله وفق ما أمر، وأن لا يكون الباعث على ذلك داعي العادة.

ثانيًا: التواضع للحق:

ومن درجات التواضع وأنواعه: التواضع للحق، والعمل به، وقبوله، والفرح به، وقد أخبر الله عن قوم من أهل الكتاب أنهم قبلوا الحق لما جاءهم، وفرحوا به، وتواضعوا له، فقال: {وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} [المائدة: 83] .

وهذا وصف برقة القلوب، والتأثر بسماع القرآن، والظاهر أن الضمير يعود على قسيسين ورهبانًا فيكون عامًا، ويكون قد أخبر عنهم بما يقع من بعضهم، كما جرى للنجاشي، حيث تلا عليه جعفر سورة مريم إلى قوله: {ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ} [مريم: 34] .

وسورة طه إلى قوله: {وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى} [طه: 9] .

فبكى، وكذلك قومه الذين وفدوا على الرسول، حين قرأ عليهم يس فبكوا.

قال ابن عطية: «الضمير في {سَمِعُوا} ظاهره العموم، ومعناه الخصوص فيمن آمن من هؤلاء القادمين من أرض الحبشة، إذ هم عرفوا الحق وقالوا: آمنا، وليس كل النصارى يفعل ذلك، وصدر الآية في قرب المودة عامٌّ فيها، ولا يتوجه أن يكون صدر الآية خاصًّا فيمن آمن؛ لأن من آمن فهو من الذين آمنوا، وليس يقال فيه: {قَالُوا إِنَّا نَصَارَى} ، ولا يقال في مؤمنين: {ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ} ولا يقال: إنهم أقرب مودة، بل من آمن فهو أهل مودة محضة ... فالقوم الذين وصفوا بأنهم عرفوا الحق هم الذين بعثهم النجاشي ليروا النبي صلى الله عليه وسلم ويسمعوا ما عنده، فلما رأوه قرأ عليهم القرآن، وهو المراد بقوله تعالى: {مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ} فاضت أعينهم بالدمع من خشية الله، ورقت القلوب» 30.

وقال ابن كثير في قوله تعالى قبل الآية السابقة: {ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ} [المائدة: 82] : «تضمن وصفهم بأن فيهم العلم والعبادة والتواضع، ثم وصفهم بالانقياد للحق واتباعه والإنصاف، فقال: {وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ} [المائدة: 83] . أي: مما عندهم من البشارة ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم.

{يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} [المائدة: 83] . أي: مع من يشهد بصحة هذا، ويؤمن به» 31.

قال الألوسي: «وفي الآية: دليل على أن صفات التواضع والإقبال على العلم والعمل، والإعراض عن الشهوات؛ محمودة أينما كان» 32.

وفي قوله: {وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ} إشارة إلى أنهم يقبلون الحق إذا فهموه، ويتواضعون ولا يتكبرون كاليهود.

وأخبر الله تعالى عنهم بعد ذلك أنهم قالوا: {وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ} [المائدة: 84] .

فكأنهم ليموا على إيمانهم ومسارعتهم فيه، فقالوا: {وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ} أي: وما الذي يمنعنا من الإيمان بالله والحال أنه قد جاءنا الحق من ربنا الذي لا يقبل الشك والريب، ونحن إذا آمنا واتبعنا الحق طمعنا أن يدخلنا الله الجنة مع القوم الصالحين، فأي مانع يمنعنا؟ أليس ذلك موجبًا للمسارعة والانقياد للإيمان، وعدم التخلف عنه.

قال الله تعالى: {فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا} [المائدة: 85] .

أي: بما تفوهوا به من الإيمان، ونطقوا به من التصديق بالحق {جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ} [المائدة: 85] .

قال السعدي: «وهذه الآيات نزلت في النصارى الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، كالنجاشي وغيره ممن آمن منهم، وكذلك لا يزال يوجد فيهم من يختار دين الإسلام، ويتبين له بطلان ما كانوا عليه، وهم أقرب من اليهود والمشركين إلى دين الإسلام» 33.

وقد فسّر النبي صلى الله عليه وسلم الكبر بأنه بطر الحق، وغمط الناس 34، يعني: وضده التواضع للحق، وهو قبوله حيث كان، ومع من كان.

وبطر الحق: جحده ودفعه ورده، والتعالي والتعاظم عن القيام به، والأنفة من اتّباعه، وتضييع الحق في أوامر الله ونواهيه، والمعنى: أن المتكبر يرفض الحق، ويأبى أن يدخل فيه، وأن يتبعه؛ ومن بطر الحق أيضًا الحيرة فيه، بمعنى: أن يتحير عند سماع الحق فلا يقبله، ولا يجعله حقًا، ومن بطر الحق أيضًا التكبر، يعني: أنه يتكبر عند سماع الحق فلا يقبله.

وغمط الناس: احتقارهم وازدراؤهم واستصغارهم. وهذا مما نهى الله عنه، فإنه قد يكون المحتقر أعظم قدرًا عند الله، وأحب إليه من الساخر منه المحتقر له؛ ولهذا قال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ} [الحجرات: 11] .

فنص على نهي الرجال، وعطف بنهي النساء 35.

والحاصل: أن اتباع الحق والانقياد له لهو من أهم علامات التواضع في العبد، بل لا يصح له خلق التواضع حتى يقبل الحق ممن يحب، وممن يبغض، فيقبله من عدوه كما يقبله من وليه.

ثالثًا: التواضع مع الخلق:

ومن درجات التواضع: التواضع مع الخلق، وهو: خفض جناح الذل والرحمة للخلق، حتى لا يرى له على أحد فضلًا، ولا يرى له عند أحد حقًّا.

قال تعالى في وصف المؤمنين: {أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ} [المائدة: 54] .

قال ابن كثير: «هذه صفات المؤمنين الكُمَّل: أن يكون أحدهم متواضعًا لأخيه ووليه، متعززًا على خصمه وعدوه، كما قال تعالى: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} [الفتح: 29] » 36.

فقوله: {أَذِلَّةٍ} يعني: أرقاء عليهم، رحماء بهم، من قول القائل: ذل فلان لفلان: إذا خضع له واستكان 37.

قال السمعاني: « {أَذِلَّةٍ} ليس من الذل وإنّما هو من الذلة، وهي: اللين» 38.

وقال البغوي: «ولم يرد به الهوان، بل أراد به أن جانبهم ليّن على المؤمنين، وقيل: هو من الذل، من قولهم: دابة ذلول، يعني أنهم متواضعون، كما قال الله تعالى: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا} [الفرقان: 63] » 39.

{عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} عدي {أَذِلَّةٍ} بـ {عَلَى} وإن كان الأصل باللام؛ لأنه ضمّنه معنى: الحنو والعطف، كأنه قال: عاطفين على المؤمنين على وجه التذلل والتواضع، أو لأنه على حذف مضاف، والتقدير: على فضلهم على المؤمنين، والمعنى: أنهم يذلون ويخضعون لمن فضلوا عليه مع شرفهم وعلو مكانهم 40.

وآثر الأسلوب الحكيم {أَذِلَّةٍ} على أحنّة وأحدبة لإغراء المؤمنين بالاتصاف بها دون سواها؛ لما فيها من نسيان الذات، وغياب الأنا، مع اللين واليسر والسماحة والود، إنها أخوة ترفع الحواجز، وتزيل الكلف، وتصفّي النفوس، ذلة ليس فيها مهانة، ذلة ليس معها حساسية بالذات تجعله عصيًّا على أخيه 41.

وهي صفة مأخوذة من الطواعية واليسر واللين، فالمؤمن ذلول للمؤمن، غير عصي عليه ولا صعب، هيّنٌ ليّنٌ، ميسّر مستجيب، سمحٌ ودود، وهذه هي الذلة للمؤمنين، وما في الذلة للمؤمنين من مذلة ولا مهانة، إنما هي الأخوة، ترفع الحواجز، وتزيل التكلف، وتخلط النفس بالنفس، فلا يبقى فيها ما يستعصي، وما يحتجز دون الآخرين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت