فهرس الكتاب

الصفحة 671 من 2431

وأهم شيء في تدبر القرآن، هو تذكّر آيات القرآن الكريم، وكونها حاضرة في القلب في كل آن، وخاصة في المواقف الصعبة في الحياة، مواقف الشدة والذهول، المواقف التي يفتتن فيها المرء ويمتحن ويختبر، فمن كان يقوم به آناء النهار فتجد إجابته حاضرة وسريعة وقوية، تجده وقّافًا عند كتاب الله تعالى، تجده آمنًا مطمئنًّا في جميع المواقف، تجده قويًّا متماسكًا حتى في أصعب الظروف.

وإن مما يعين على تدبر القرآن: التفكر في معاني الآيات والتفاعل معها، والقرآن يحثنا علي التأمل والتفكر، وإعمال العقل، والنظر في هدايات الآيات؛ لننتفع بها في الدنيا والآخرة، حيث يقول الله عز وجل: وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ?44? [النحل: 44] .

وفي عطف لعلهم يتفكرون حكمة أخرى من حكم إنزال القرآن، وهي تهيئة تفكّر الناس في معانيه وفهم فوائده، وتأملهم فيما يقرّبهم إلى رضا الله تعالى 72.

وأن يستحضر أنّه مخاطب بما يقرأ، فيتأمّل ذكر التّوحيد والإيمان، والأمر والنّهي، والوعد والوعيد، والقصص والأمثال، ويلاحظ ما يلزمه من ذلك من التّصديق والامتثال والاعتبار، ويراعي الجواب في موضع السّؤال، ولا يفوّت ما تقتضيه الآية من تسبيح أو تحميد أو تكبير أو استغفار أو دعاء، ويغتنم ذكر الجنّة بالرّغبة إلى ربّه وسؤاله الفوز بدخولها، وذكر النّار بالرّهبة وسؤاله ربّه النّجاة منها.

وفي السنة المطهرة ما يدلنا علي هذا الأمر كذلك، فعن حذيفة رضي الله عنه قال: (صلّيت مع النّبيّ صلى الله عليه وسلم ذات ليلةٍ، فافتتح البقرة، فقلت: يركع عند المائة، ثمّ مضى، فقلت: يصلّي بها في ركعةٍ، فمضى، فقلت: يركع بها، ثمّ افتتح النّساء، فقرأها، ثمّ افتتح آل عمران، فقرأها، يقرأ مترسّلًا، إذا مرّ بآيةٍ فيها تسبيحٌ سبّح، وإذا مرّ بسؤالٍ سأل، وإذا مرّ بتعوّذٍ تعوّذ) 73.

وعن ابن عبّاسٍ رضي الله عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: كان إذا قرأ: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى [الأعلى: 1] قال: (سبحان ربّي الأعلى) 74.

وقد أثنى الله ورسوله على من يقرأ القرآن، ويفقه معانيه، ويعمل بما جاء فيه، قال الله تعالى: وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى? ? فَبَشِّرْ عِبَادِ ?17? الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ? أُولَ?ئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ ? وَأُولَ?ئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ ?18? [الزمر: 17 - 18] .

وفي قول الله تعالى: يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ ? وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا [البقرة: 269] .

قال الإمام الطبري: «يعني: الفهم في القرآن» 75.

إن الترتيل والتدبر مع قلة القراءة أفضل من السرعة مع كثرتها؛ لأن المقصود من القرآن فهمه والتفقّه فيه والعمل به، وتلاوته وحفظه وسيلة إلى التدبر فيه. وقال بعض العلماء: «إن ثواب قراءة الترتيل والتدبر أجلّ وأرفع قدرًا، وإن ثواب كثرة القراءة أكثر عددًا» 76.

ولا يجب أن تكون صيغة الجواب توقيفيّة، بل لك أن تجتهد فيه؛ فإنّ عموم الهدي النّبويّ في ذلك يجعل للمتدبّر السّعة في أن يستعمل من الصّيغ ما بدا له ممّا يتحقّق به المقصود، كذلك فهمه السّلف، وذلك في الصلاة وفي غيرها 77.

وأخيرًا يجب علينا المداومة على استخدام هذه الوسيلة، والتي سنجد لها أثرًا عظيمًا بمشيئة الله في دوام يقظة العقل، وسرعة تجاوب القلب.

إنّ من العوامل المساعدة على التدبر في القرآن أيضًا: قراءته وسماعه في موضع سكون، وتجتنب القراءة في مواضع اللّغط وارتفاع الأصوات؛ لما يقع بها من التّشويش عليه، فلا يتحقّق له المقصود من التّلاوة على وجهه 78.

إن أفضل القراءة ما كان في الصلاة، أما القراءة في غير الصلاة، فأفضلها قراءة الليل، والنصف الأخير من الليل أفضل من النصف الأول، والقراءة بين المغرب والعشاء محبوبة، وأما القراءة في النهار فأفضلها بعد صلاة الصبح، ولا كراهية في القراءة في أي وقت من الأوقات 79.

ويحثنا الله عز وجل على إطالة القراءة في الصلاة، وخاصة صلاة الفجر فقال سبحانه: أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى? غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ ? إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا ?78?ژ [الإسراء: 78] .

وَقُرْآنَ الْفَجْرِ ? إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ حثًّا على تطويل القراءة في صلاة الفجر؛ لأن هذا الوقت يكون مشهودًا تشهده ملائكة الليل، وملائكة النهار 80.

ولهذين الوقتين خاصّيتهما، وهما إدبار النهار وإقبال الليل، وإدبار الليل وإقبال النهار. ولهما وقعهما العميق في النفس، فإن قدوم الليل وزحف الظلام، كمطلع النور وانكشاف الظلمة، وكلاهما يخشع فيه القلب، وكلاهما مجال للتأمل والتفكر في نواميس الكون التي لا تفتر لحظة، ولا تختل مرة. وللقرآن -كما للصلاة- إيقاعه في الحس في مطلع الفجر ونداوته، ونسماته الرخية، وهدوئه السارب، وتفتّحه بالنور، ونبضه بالحركة، وتنفّسه بالحياة 81.

وقد أمر الله تعالى من حضر التّلاوة بالإنصات؛ لئلّا يشغل عن القرآن بغيره وهو يسمعه، ولئلّا يرد عليه من التّشويش ما يفوّت عليه التّدبّر، كما قال تعالى: وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ?204? [الأعراف: 204] .

وإن الناس يخسرون خسارة كبيرة عندما ينصرفون عن القرآن، وإن الآية الواحدة لتصنع أحيانًا في النفس -حين تستمع لها وتنصت- أعاجيب من الانفعال والتأثر والاستجابة والإدراك، والطمأنينة والراحة، وإنّ العكوف على هذا القرآن في وعي وتدبر لا مجرد التلاوة والترنم لينشيء في القلب والعقل من الرؤية الواضحة البعيدة المدى، ومن المعرفة المطمئنة المستيقنة، ومن الحرارة والحيوية والانطلاق، ومن الإيجابية والعزم والتصميم ما لا تدانيه رياضة أخرى أو معرفة أو تجريب، وإن رؤية حقائق الوجود، ورؤية الحياة البشرية وطبيعتها وحاجاتها من خلال التصوير القرآني، لهي رؤية واضحة عميقة. وهذا كله أرجى إلى الرحمة، ويكون ذلك في الصلاة وفي غيرها. وليس هناك ما يخصص هذا التوجيه القرآني العام بالصلاة فقط 82.

وقال الإمام السعدي: «والفرق بين الاستماع والإنصات: أن الإنصات في الظاهر بترك التحدث أو الاشتغال بما يشغل عن استماعه. وأما الاستماع له: فهو أن يلقي سمعه، ويحضر قلبه ويتدبّر ما يستمع، فإن من لازم على هذين الأمرين حين يتلى كتاب الله، فإنه ينال خيرًا كثيرًا وعلمًا غزيرًا، وإيمانًا مستمرًّا متجددًا، وهدى متزايدًا، وبصيرة في دينه؛ ولهذا رتّب الله حصول الرحمة عليهما، فدل ذلك على أن من تلي عليه الكتاب، فلم يستمع له وينصت، أنه محروم الحظ من الرحمة، قد فاته خير كثير» 83.

وقال العلامة ابن قيم الجوزية في معنى السماع في قوله تعالى: وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا [الأعراف: 204] : «والمقصود: أن سماع خاصة الخاصة المقرّبين هو سماع القرآن بالاعتبارات الثلاثة: إدراكًا وفهمًا، وتدبرًا، وإجابة، وكل سماع في القرآن مدح الله أصحابه وأثنى عليهم، وأمر به أولياءه، فهو هذا السماع» 84.

ولتحقيق هذا المعنى منع المصلّي من رفع صوته بالقراءة إذا كان مع غيره، كما في حديث عبد الله بن عمر، رضي الله عنهما: أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم خرج على النّاس وهم يصلّون. وقد علت أصواتهم بالقراءة، فقال صلى الله عليه وسلم: (إنّ المصلّي يناجي ربّه، فلينظر بما يناجيه به، ولا يجهر بعضكم على بعضٍ بالقرآن) 85.

ومن الأسباب المعينة على التدبر أيضًا الاجتهاد في الخشوع عند سماع القرآن، ولا بأس بالبكاء، بل هو حسن لمن قدر عليه من غير تكلّف، وأنه تقشعرّ، وتضطرب جلود الذين يخافون ربهم من سماعه؛ تأثرًا بما فيه من ترهيب ووعيد، ثم تلين جلودهم وقلوبهم؛ استبشارًا بما فيه من وعد وترغيب، وذلك كله من تأثير الخشوع، قال تعالى: تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى? ذِكْرِ اللَّهِ ? [الزّمر: 23] .

وقال عز وجل: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ [الحديد: 16] .

وقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى? عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (107) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (108) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا ? (109) [الإسراء: 107 - 109] .

وكما قال عز وجل في وصف الذين أنعم عليهم: إِذَا تُتْلَى? عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَ?نِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا [مريم: 58] .

فهذه الآيات البيّنات واضحة الدّلالة على الأمر بالخشوع، وبيان ما يكون من حال الصّفوة من عباد الله من النّبيّين، وأولي العلم عند سماع الآيات تتلى عليهم من الخضوع والبكاء من خشية الله. وفي حديث ابن مسعود، رضي الله عنه، عندما قرأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم من سورة النساء، قال: (فإذا عيناه تذرفان) 86.

وهذا معنى يشترك فيه التّالي والمستمع. وعلى هذه الصّفة كان أصحاب النّبيّ صلى الله عليه وسلم، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: (إنّ أبا بكر رجل رقيق، إذا قرأ غلبه البكاء) 87. وذلك واقع في صلاة وفي غيرها، وهو أمر يجلبه الخشوع للقرآن، ولا يملك الخاشعون ردّه، وهم يتلون آيات الله، أو تتلى عليهم؛ ولذا سيق ذلك عنهم مساق المدح.

وكذلك حكت أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما من حال الصّحابة: فعن عبد اللّه بن عروة بن الزّبير، عن جدّته أسماء بنت أبي بكرٍ رضي الله عنها قال: قلت لها: كيف كان أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يفعلون إذا قرئ عليهم القرآن؟ قالت: «كانوا كما نعتهم اللّه، تدمع أعينهم، وتقشعرّ جلودهم» ، قال: فإنّ ناسًا إذا قرئ عليهم القرآن خرّ أحدهم مغشيًّا عليه، قالت: «أعوذ باللّه من الشّيطان» 88.

وفي هذا إنكار من أسماء رضي الله عنها أن يبلغ الخشوع بصاحبه إلى الغشيان، وإنّما ذلك بالقشعريرة ودمع العين، كذلك كان حال النّبيّ صلى الله عليه وسلم وحال أصحابه، ولا يعرف ذلك الغشيان فيهم، ولا يثبت عن أحد منهم، أنّه كان يصعق عند القرآن، إنّما ذكر ذلك عمّن بعدهم، وهدي النّبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه أحسن الهدي وأكمله 89.

إنّ ترديد الآية وتكرارها وإعادتها مع التأمل وزيادة التفهم لها، من الأسباب المعينة على التدبر، وقد استعمل القرآن هذا الأسلوب، فمثلًا في سورة الرحمن كرّر الله سبحانه وتعالى آيةفَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [الرحمن: 13] .

إحدى وثلاثين مرة؛ لتذكير الجن والإنس بهذه النعم؛ كي يشكروا الله تعالى عليها شكرًا جزيلًا 90. وفي سورة الشعراء كرّر الله سبحانه وتعالى فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ [الشعراء: 108] .

ثماني مرات، مما يجعلنا نتدبرها ونتفكر بها مرة بعد مرة؛ حتى نصل إلى أفضل النتائج من التدبر، والقرآن العظيم متشابهٌ في حسنه وإحكامه وعدم اختلافه، تكرّر فيه القصص والأحكام، والحجج والبينات، وتعاد تلاوته فلا يملّ على كثرة الترداداللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ [الزمر: 23] 91.

وقد ثبت من حديث أبي ذرّ رضي الله عنه قال: (قام النّبيّ صلى الله عليه وسلم حتّى إذا أصبح بآيةٍ) ، والآية: إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ? وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118) [المائدة: 118] 92.

وإن النبي صلى الله عليه وسلم قام بهذه الآية طول الليل، وهذا الترديد من أجل أن يعلّم النبي صلى الله عليه وسلم أمته تأمل وتفهم خطورة هذه الآية، وتظل هذه الأمة تسأل، وتتوقف عند دلالاتٍ كثيرةٍ في الآية.

يقول ابن القيم: «ولو علم الناس ما في قراءة القرآن بالتدبر لاشتغلوا بها عن كل ما سواها، فإذا قرأه بتفكر حتى مر بآية هو محتاج إليها في شفاء قلبه كرّرها ولو مائة مرة، فقراءة آية بتفكر وتفهم خير من قراءة ختمة بغير تدبر ولا تفهم، وأنفع للقلب وأدعى إلى حصول الإيمان وذوق حلاوة القرآن، وهذه كانت عادة السلف، يردد أحدهم الآية إلى الصباح» 93.

والهدف من التكرار، هو التوقف لاستحضار المعاني، وكلما كثر التكرار زادت المعاني التي تفهم من النص، والتكرار أيضًا قد يحصل لا إراديًّا تعظيمًا أو إعجابًا بما قرأ 94. ولنعمل على دخول أكبر قدر من النور إلى قلوبنا بترديد تلك الآية مرات ومرات، وعلينا ألا نمل من ذلك طالما وجد التجاوب، وشيئًا فشيئًا ستتبدد الظلمات من القلب ويطرد الهوى، ويصبح النور هو الغالب فيه، فيسهل عليه التأثر بالآيات ويزداد لينه وخشوعه بها 95.

ومن الأسباب المعينة على التدبر أيضًا الترسل والتمهل أثناء القراءة، قال الله تعالى: أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا ?4? [المزمل: 4] .

والترتيل يعني: الترسل والتمهل، ومن ذلك مراعاة المقاطع والمبادئ وتمام المعنى، بحيث يكون القارئ متفكرًا فيما يقرأ، فمن أسرع القراءة، فقد اقتصر على مقصد واحد من مقاصد قراءة القرآن، وهو: ثواب القراءة، ومن رتّل وتأمل، فقد حقّق المقاصد كلها وكمل انتفاعه بالقرآن، واتبع هدي النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضوان الله عليهم 96.

قال ابن كثير في تفسيره للآية: «أي: اقرأه على تمهّل؛ فإنه يكون عونًا على فهم القرآن وتدبره» 97، وعندما سئل أنسٌ كيف كانت قراءة النّبيّ صلى الله عليه وسلم؟ فقال: (كانت مدًّا، ثمّ قرأ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة: 1] . يمدّ ببسم اللّه، ويمدّ بالرّحمن، ويمدّ بالرّحيم) 98.

وقد أمر الله تعالى بالترتيل وأكّده بقوله: ترتيلا، وهو مفعول مطلق مؤكّد، وهذا ما يجعله للوجوب، لكن جمهور العلماء على أن الأمر للندب، ويقرأ القرآن على منازله: فإن كان يقرأ تهديدًا كان أداؤه كالمتهدّد، وإن كان يقرأ لفظ تعظيم كان أداؤه على التعظيم، وإن كان تساؤلًا كان أداؤه كالمتسائل، وهكذا 99.

وقال الإمام النووي: «واتفقوا على كراهة الإفراط في الإسراع ويسمى: الهذّ، قالوا: وقراءة جزء بترتيل أفضل من قراءة جزأين في قدر ذلك الزمن بلا ترتيل، قال العلماء: والترتيل مستحب للتدبر، ولأنه أقرب إلى الإجلال والتوقير، وأشد تأثيرًا في القلب؛ ولهذا يستحب الترتيل للأعجمي الذي لا يفهم معناه» 100.

ومن المعينات على التدبر كذلك: حلقات المدارسة الجماعية، حيث قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ ?29? [فاطر: 29] .

ومعنى هذه الآية: «أنّ الذين يستغرق جميع أوقاتهم قيامهم بذكر الله وبحقّه، وإتيانهم بأنواع العبادات وصنوف القرب فلهم القدر الأجلّ من التقريب، والنصيب الأوفر من الترحيب» 101، ولا شكّ أن من تمام التلاوة والذكر المدارسة الجماعية لهذا القرآن الكريم بتدبر الآيات، والعيش معها، فعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وما اجتمع قومٌ في بيتٍ من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلاّ نزلت عليهم السّكينة، وغشيتهم الرّحمة وحفّتهم الملائكة، وذكرهم اللّه فيمن عنده، ومن بطّأ به عمله، لم يسرع به نسبه) 102.

إن وجود حلقات المدارسة القرآنية من الأهمية بمكان لتعليم الناس، كيف يدخلون إلى عالم القرآن فيهتدون بهداه، ويستشفون بشفائه. قال الإمام النووي: «اعلم أن قراءة الجماعة مستحبة بالدلائل الظاهرة، وأفعال السلف والخلف المتظاهرة» 103.

وهذه الحلقات، وإن كانت منتشرة في المساجد هنا وهناك إلا أن مفهومها قد اختزل على تعلم أحكام التجويد، وتصحيح النطق فقط، وهذا الأمر مهم وضروري، ولكنه لا يكفي لتعلم القرآن كما يريد الله عز وجل، بل هو بداية لابد أن يتبعها تعلّم المعاني وجوانب الهدى والإيمان فيما يتلى من آيات، فيسهل على من يواظب عليها، التعامل مع القرآن بمفرده.

وأما القراءة بالدور: وعبّروا عنها بقولهم (الإدارة بالقرآن) ، وهو أن يجتمع جماعة يقرأ بعضهم عشرًا، أو أكثر أو أقل، ثم يسكت ويقرأ الآخر من حيث انتهى الذي قبله، فهذا جائز حسن أيضًا، ولا إشكال فيه، وثوابه عظيم -إن شاء الله-104.

أولًا: الطبع والختم على القلوب:

وقد ورد ذلك واضحًا في قوله تعالى: أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى? قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ?24? [محمد: 24] .

فقد بيّنت الآية السابقة أن الله تعالى طرد المنافقين أشدّ الطرد لما ذكر من إفسادهم وتقطيعهم الرحم، ثم بيّن سبب لعنهم، وهو أنهم صمّوا عن الانتفاع بما يسمعون، وعميت أبصارهم عن الارتفاق بما يبصرون، وتأتي هذه الآية الكريمة لتبين السبب الموجب للعن المسبب للصمم والعمى، وذلك من خلال قول الله تعالى المنكر الموبّخ المظهر 105، «لتاء التفعّل إشارة إلى أن المأمور به صرف جميع الهمة إلى التأمل: أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ، أي: كل من له أهلية التدبر بقلوب منفتحة منشرحة؛ ليهتدوا إلى كل خير أَمْ، بأن يجهدوا أنفسهم في أن يتفكروا في الكتاب الجامع لكل خير الفارق بين كل ملبس تفكر من ينظر في أدبار الأمور، وماذا يلزم من عواقبها؛ ليعلموا أنه لا عون على الإصلاح في الأرض، وصلة الأرحام، والإخلاص لله في لزوم كل طاعة والبراءة من كل معصية، مثل الأمر بالمعروف من الجهاد بالسيف وما دونه، وربما دل إظهار التاء على أن ذلك من أظهر ما في القرآن من المعاني، فلا يحتاج في العثور عليه إلى كبير تدبر» 106، ثم تأتي الفاصلة القرآنية لهذه الآية الكريمة فتبدأ بحرف الإضراب ژگژ الذي هو بمعنى: بل؛ للانتقال من توبيخ إلى توبيخ، فيكون المعنى: بل إن أولئك المنافقين بلغوا من هول حالهم وفظاعة شأنهم أنّ قلوبهم مطبوعٌ عليها؛ فهم لا يعقلون ولا يسمعون 107.

ثانيًا: اتباع الهوى:

قد ورد ذلك واضحًا في قوله تعالى: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَ?هَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى? عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى? سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى? بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ ? أَفَلَا تَذَكَّرُونَ [الجاثية: 23] .

وقد بيّنت الآيات السابقة أن المؤمن لا يساويه الكافر في درجات السعادة، واستدلّ على صحة هذا القول بأنه خلق السماوات والأرض بالحق، ولتجزى كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون، ويقرر الله تعالى في هذه الآية الكريمة أسباب ضلال المضلّين بقوله: أنظرت يا محمد صلى الله عليه وسلم فرأيت من ترك متابعة الهدى والمداومة عليها، إلى مطاوعة الهوى والعبودية لها من دون الله تعالى، وأضله الله تعالى؛ حيث إن الكافر عالم بأنه ضالٌّ، وأنه يبدّل فطرة الله تعالى التي فطر الناس عليها؛ حتى أصبح مختومًا على سمعه وقلبه؛ فلا يتأثر بالمواعظ، ولا يتفكّر في الآيات والنذر، ولم يكتف بذلك؛ بل جعل على بصره غشاوةً مانعةً من الاستبصار والاعتبار.

وإن الاستفهام استفهام تعجبي، فالله عز وجل في الآية يعجّب محمدًا صلى الله عليه وسلم وكل مخاطب، ولا يقتصر على تعجبه هو عز وجل، وتأتي الفاصلة القرآنية في سؤالٍ يفيد القدرة الإلهية، وأن الله تعالى وحده المتفرد بالهداية التوفيقية، وذلك بقوله: فمن يهدي ذلك الكافر المتبع للهوى من بعد إضلاله تعالى إياه بموجب تعاميه عن ذلك الهدى، وتماديه في الغيّ، وسؤالٌ آخر غرضه الحث والحضّ للكافرين على الانصراف عمّا هم عليه، بقوله: أفلا تلاحظون فتتذكرون واجباتكم والتزاماتكم؟ 108.

ثالثًا: الكبر:

قد ورد ذلك واضحًا في قوله تعالى: وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَ?هٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى? إِلَ?هِ مُوسَى? وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ ?38?وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ ?39? [القصص: 38 - 39] .

فقد بيّنت الآيات السابقة تكذيب فرعون وقومه لنبي الله موسى صلى الله عليه وسلم؛ فرغم مجيء المعجزات البيان على يد ذلك النبي المؤيّد من الله تعالى، إلا أنهم ردّوا على نبيهم صلى الله عليه وسلم بقولهم: «ما هذا الذي جئتنا به إلا سحرٌ افتريته من قبلك وتخرّصته كذبًا وباطلًامَا سَمِعْنَا بِهَ?ذَا فِي الذي تدعونا إليه من عبادة من تدعونا إلى عبادته في أسلافنا وآبائنا الأولين الذين مضوا قبلنا» 109.

وعندها قال موسى صلى الله عليه وسلم مجيبًا فرعون: ربي أعلم بمن هو على حقٍّ منا يا فرعون من المبطل، ومن الذي جاء بالرشاد إلى طريق الصواب والبيان، من خلال واضح الحجة من عنده، وربي أعلم من الذي له العقبى المحمودة في الدار الآخرة منّا 110، وتأتي هذه الآيات الكريمات لتستأنف الحوار بين موسى صلى الله عليه وسلم وفرعون، فقد بيّنت هذه الآيات مدى فظاعة العلو والاستكبار عند فرعون وقومه، حيث تعمّد الكذب؛ إذ إنه يعلم أن موسى صلى الله عليه وسلم رسول الله، ولكنه بيّن بلسانه أنه ما علم لقومه من إله غيره، فأمر هامان أن يطبخ له آجرّا، وأن يبني له قصرًا، ففعل ذلك، وبنى له صرحًا عاليًا 111.

ولم يكتف فرعون بذلك، بل استكبر استكبارًا عظيمًا هو وجنوده في شتى بقاع الأرض التي يحكمونها عن ظلمٍ كبيرٍ منهم، وإن هذا الكبر صرفهم عن التدبّر في عبادة الله تعالى؛ إذ إنهم ظنّوا أنهم لن يرجعوا إلى الله تعالى، فلم يتدبّروا هذه اللحظات التي سيورد إليها الكل ملكًا كان أو جنديًّا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت