فهرس الكتاب

الصفحة 1159 من 2431

والنوع الثاني: الرضا بالقضاء الكوني القدري، الموافق لمحبة العبد وإرادته ورضاه -من الصحة، والغنى، والعافية، واللذة- أمر لازم بمقتضى الطبيعة؛ لأنه ملائم للعبد، محبوب له، فليس في الرضا به عبودية، بل العبودية في مقابلته بالشكر، والاعتراف بالمنة، ووضع النعمة مواضعها التي يحب الله أن توضع فيها، وأن لا يعصي المنعم بها، وأن يرى التقصير في جميع ذلك، والرضا بالقضاء الكوني القدري، الجاري على خلاف مراد العبد ومحبته -مما لا يلائمه، ولا يدخل تحت اختياره- مستحب، وهو من مقامات أهل الإيمان، وفي وجوبه قولان، وهذا كالمرض والفقر، وأذى الخلق له، والحر والبرد، والآلام ونحو ذلك، والرضا بالقدر الجاري عليه باختياره -مما يكرهه الله ويسخطه، وينهى عنه- كأنواع الظلم والفسوق والعصيان: حرام يعاقب عليه، وهو مخالفة لربه تعالى، فإن الله لا يرضى بذلك ولا يحبه، فكيف تتفق المحبة ورضا ما يسخطه الحبيب ويبغضه؟ 64.

ودلت هذه الآية، أعني قوله تعالى: {الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} [البقرة: 156] ، على أن من لم يصبر، فله ضد ما لهم، فحصل له الذم من الله، والعقوبة والضلال والخسران، فما أعظم الفرق بين الفريقين! وما أقل تعب الصابرين، وأعظم عناء الجازعين! فقد اشتملت هاتان الآيتان على توطين النفوس على المصائب قبل وقوعها؛ لتخف وتسهل إذا وقعت، وبيان ما تقابل به إذا وقعت، وهو الصبر، وبيان ما يعين على الصبر، وما للصابر من الأجر، ويعلم حال غير الصابر، بضد حال الصابر، وأن هذا الابتلاء والامتحان، سنة الله التي قد خلت، ولن تجد لسنة الله تبديلًا، كما اشتملت على بيان أنواع المصائب 65.

إن الرضا بحكم الله تعالى واجب شرعًا، قال تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65] .

أقسم تعالى في هذه الآية الكريمة بنفسه الكريمة المقدسة، أنه لا يؤمن أحد حتى يحكم رسوله صلى الله عليه وسلم في جميع الأمور، ثم ينقاد لما حكم به ظاهرًا وباطنًا ويسلمه تسليمًا كليًّا من غير ممانعة ولا مدافعة ولا منازعة، وهذه حقيقة الرضا بحكمه، فالتحكيم: في مقام الإسلام، وانتفاء الحرج: في مقام الإيمان، والتسليم: في مقام الإحسان، وبين في آية أخرى أن قول المؤمنين محصور في هذا التسليم الكلي، والانقياد التام ظاهرًا وباطنًا لما حكم به صلى الله عليه وسلم، وهي قوله تعالى: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [النور: 51] .

فيجب على العبد أن يكون راضيًا به بلا حرج، ولا منازعة ولا معارضة، ولا اعتراض 66.

ثانيًا: الرضا المذموم:

ذم الله تعالى قومًا رضوا بالأقوال الباطلة، فقال عز وجل: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ} [الأنعام: 112 - 113] .

أخبر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أنه جعل له أعداء يخالفونه ويكذبونه ويعادونه، كما جعل ذلك لكل نبي تقدم قبله، فلا يهولنه ذلك، وأخبر سبحانه أن هؤلاء الأعداء هم شياطين من الإنس وشياطين من الجن، والشيطان كل عاتٍ متمرد من الجن والإنس، قالوا: وشياطين الإنس أشد تمردًا من شياطين الجن؛ لأن شيطان الجن إذا عجز عن إغواء المؤمن الصالح وأعياه ذلك استعان على إغوائه بشيطان الإنس؛ ليفتنه، ومن صفات هؤلاء الشياطين أنهم يدعون الناس إلى ضلالهم وكفرهم، وأنهم يزينون الأعمال القبيحة لبني آدم ويغرونهم بها على المعاصي، وأن هذا بمشيئة الله، وأن الله تعالى لو شاء لمنع الشياطين من إلقاء الوسوسة إلى الإنس والجن، ولكن الله يمتحن من يشاء من عباده بما يعلم أنه الأجزل له في الثواب إذا صبر على المحنة، {فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} [الأنعام: 112] .

يعني: فخلّهم يا محمد وما زين لهم إبليس وغرهم به من الكفر والمعاصي فإني من ورائهم، ثم أخبر سبحانه أن هؤلاء الشياطين إنما يخدعون ويغرون من هم على شاكلتهم من الكفار والضلال الذين لا يؤمنون بالله، وتميل نفوسهم إلى هذه الزخارف الباطلة ويرضون بها؛ لأنها توافق أهواءهم وشهوتهم، وأما المؤمنون بالله فلا يقبلون هذه الزخارف ولا يرضونها؛ لعلمهم ببطلانها ووخامة عاقبتها، وليرضوه لأنفسهم بعد ما مالت اليه أفئدتهم 67.

وفيه تحذير من الكفر وترغيب في الإيمان وتسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتنبيه له على ما أعد للكفرة من العقاب، وله من الثواب بسبب صبره على سفاهتهم وتلطفه بهم.

ذم الله تعالى قومًا رضوا بالتخلف عن الجهاد، وذلك في قوله تعالى: {وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ (86) رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ} [التوبة: 86 - 87] .

وقد بين تعالى أن الأغنياء من هؤلاء المنافقين، إذا أنزل الله سورة فيها الأمر بالجهاد، استأذنوا النبي صلى الله عليه وسلم في التخلف عن الجهاد والخروج معه لقتال أعداء الله من المشركين، ورضوا أن يكونوا في منازلهم كالنساء اللواتي ليس عليهن فرض الجهاد، فهن قعود في وبيوتهن، وقد كانت الرجولة تفترض فيهم أن يهبوا للقتال، لكنهم ارتضوا لأنفسهم ضعف النساء والأطفال. وقوله سبحانه: {رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ} [التوبة: 87] ، استئناف قصد منه التعجيب من دناءة نفوسهم وقلة رجولتهم بأنهم رضوا لأنفسهم بأن يكونوا تبعًا للنساء، وفي اختيار فعل (رضوا) إشعار بأن ما تلبسوا به من الحال من شأنه أن يتردد العاقل في قبوله، كما في قوله تعالى: {أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ} [التوبة: 38] .

وقوله جل جلاله: {إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ} [التوبة: 83] .

والطبع تمثيل لحال قلوبهم في عدم قبول الهدى بالإناء أو الكتاب المختوم، والطبع مرادف الختم، وهو التغطية على الشيء والاستيثاق منه، فلا يدخله شيء، وأسند الطبع إلى المجهول إما للعلم بفاعله وهو الله، وإما للإشارة إلى أنهم خلقوا كذلك وجبلوا عليه، وفرع على الطبع انعدام علمهم بالأمور التي يختص بعلمها أهل الأفهام، وهو العلم المعبر عنه بالفقه، أي: إدراك الأشياء الخفية، أي: فآثروا نعمة الدعة على سمعة الشجاعة وعلى ثواب الجهاد؛ إذ لم يدركوا إلا المحسوسات؛ فلذلك لم يكونوا فاقهين، وذلك أصل جميع المضار في الدارين، وجيء في إسناد نفي الفقاهة عنهم بالمسند الفعلي؛ للدلالة على تقوي الخبر وتحقيق نسبته إلى المخبر عنهم وتمكنه منهم 68.

قال سيد قطب: «إن للذلّ ضريبة كما أن للكرامة ضريبة، وإن ضريبة الذلّ لأفدح في كثير من الأحايين، وإن بعض النفوس الضعيفة ليخيل إليها أن للكرامة ضريبة باهظة لا تطاق، فتختار الذل والمهانة؛ هربًا من هذه التكاليف الثقال، فتعيش عيشة تافهة رخيصة، مفزعة قلقة، تخاف من ظلها، وتفرق من صداها، يحسبون كل صيحة عليهم، ولتجدنهم أحرص الناس على حياة، هؤلاء الأذلاء يؤدون ضريبة أفدح من تكاليف الكرامة، إنهم يؤدون ضريبة الذل كاملة، يؤدونها من نفوسهم، ويؤدونها من أقدارهم، ويؤدونها من سمعتهم، ويؤدونها من اطمئنانهم، وكثيرًا ما يؤدونها من دمائهم وأموالهم وهم لا يشعرون» 69.

ذم الله تعالى قومًا رضوا بالدنيا، فقال سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (7) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [يونس: 7 - 8] .

وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ} [التوبة: 38] .

يخبر تعالى عن حال الأشقياء الذين كفروا بلقاء الله يوم القيامة ولا يرجون في لقاء الله شيئًا، الذي هو أكبر ما طمع فيه الطامعون، وأعلى ما أمله المؤملون، بل أعرضوا عن ذلك، وربما كذبوا به {وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا} بدلا عن الآخرة، {وَاطْمَأَنُّوا بِهَا} ، أي: ركنوا إليها، وجعلوها غاية مرامهم ونهاية قصدهم، فسعوا لها وأكبوا على لذاتها وشهواتها، بأي طريق حصلت حصلوها، ومن أي وجه لاحت ابتدروها، قد صرفوا إرادتهم ونياتهم وأفكارهم وأعمالهم إليها، فكأنهم خلقوا للبقاء فيها، وكأنها ليست دار ممرّ، يتزود منها المسافرون إلى الدار الباقية التي إليها يرحل الأولون والآخرون، وإلى نعيمها ولذاتها شمر الموفقون، ومن صفاتهم، {وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ} ، فلا ينتفعون بالآيات القرآنية، ولا بالآيات الكونية والنفسية، والإعراض عن الدليل مستلزم للإعراض والغفلة عن المدلول المقصود، ثم أخبر الله تعالى بما يستحقونه من الجزاء وهو نار جهنم، فبين سبحانه أن رضوانهم بالحياة الدنيا واطمئنانهم بها ناتج عن مرض الكفر بالله وبلقائه سبحانه، وأن ذلك كله مترتب على مرض الجهل الحاصل من حب الدنيا 70.

أخبر الله تعالى عن أخلاق المنافقين القبيحة وتخلفهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأيمانهم الكاذبة وخوفهم من المؤمنين ومحاولة استرضائهم، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين أن يعرضوا عنهم، فلا يأخذونهم باللّوم، ولا يضعونهم موضع الاتهام، فقال تبارك وتعالى: {سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (95) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} [التوبة: 95 - 96] .

وقد أخبر الله تعالى عن المنافقين الذين تخلفوا بقوله: إنهم سيحلفون معتذرين؛ لتعرضوا عنهم ولا تؤنبوهم، فأعرضوا عنهم إنهم رجس، والرجس: الخبث، والمراد: تشبيههم بالرجس في الدناءة ودنس النفوس، رجس معنوي، أي: خبثاء نجس بواطنهم واعتقاداتهم، ثم توعدهم أشد الوعيد، في قوله سبحانه: {وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} .

ثم أخبر عنهم بأنهم: {يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} ، أي: الخارجين عن طاعة الله وطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والفسق هو الخروج ومنه سميت الفأرة: فويسقة؛ لخروجها من جحرها، ويقال: فسقت الرطبة إذا خرجت من أكمامها، وهذا أشد ما ذم الله به أحدًا من خلقه، حيث أمر عز وجل بالإعراض عنهم وعدم معاتبتهم؛ احتقارًا لهم، ثم أمر باجتنابهم، والابتعاد عنهم، ثم بيّن أن محاولتهم التخلص من التوبيخ والتأنيب، وإرضاء الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالأيمان الكاذبة لا تنفعهم في الدنيا ولا في الآخرة؛ لأن الله سيفضح أمرهم، ويهتك سترهم في هذه السورة التي سميت الفاضحة.

قال أهل المعاني: هؤلاء طلبوا إعراض الصفح، فأعطوا إعراض المقت.

ثم ذكر العلة في وجوب الإعراض عنهم، فقال: إنهم رجس، والمعنى: أن خبث باطنهم رجس روحاني، فكما يجب الاحتراز عن الأرجاس الجسمانية، فوجوب الاحتراز عن الأرجاس الروحانية أولى؛ خوفًا من سريانها إلى الإنسان، وحذرًا من أن يميل طبع الإنسان إلى تلك الأعمال 71.

وفي الآيات السابقة: أن من أرضى الناس بسخط الله أسخطهم عليه وسخط عليه، ومن أسخط الناس في رضي الله أرضاهم عليه، ورضي عنه، فمن أقر منكرًا حياء أو خوفًا من الناس، فقد أسخط مولاه، ومن أنكر منكرًا، ولم يراقب أحدًا، فقد أرضى مولاه، ومن راقب الناس لم يراقب الله، ومن راقب الله لم يراقب الناس، {وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ} [التوبة: 62] 72.

أخبر الله تعالى عن حال المنافقين، وأن رضاهم وسخطهم لأنفسهم لا للدين وما فيه صلاح أهله، بقوله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ (58) وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ} [التوبة: 58 - 59] .

أخبر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم عن سوء نية بعض المنافقين وخبث نفوسهم، وقبائحهم وفضائحهم، وجشعهم في الدنيا، وطعنهم في الرسول صلى الله عليه وسلم بسبب أخذ الصدقات من الأغنياء، ويقولون: إنه يؤثر بها من يشاء من أقاربه وأهل مودته، وينسبونه إلى أنه لا يراعى العدل وأنه يحابي فيها، وسبب سخطهم أنهم يودون أن توزع الصدقات عليهم، فإذا رأوها توزع على غيرهم طعنوا في إعطائها بمطاعن يلقونها في أحاديثهم، ويظهرون أنهم يغارون على مستحقيها، ويشمئزون من صرفها في غير أهلها، وإنما يرومون بذلك أن تقصر عليهم، وقد عبر عن رضاهم بصيغة الماضي؛ للدلالة على أنه كان يكون لأجل العطاء في وقته وينقضي، فلا يعدونه نعمة يتمنون دوام الإسلام لدوامها، وعبر عن سخطهم بـ (إذا) الفجائية، وبالفعل المضارع؛ للدلالة على سرعته واستمراره، وهذا دأب المنافقين وخلقهم في كل زمان ومكان، {وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ} ، أي: ولو أنهم رضوا ما أعطاهم الله من فضله بما أنعم عليهم من الغنائم وغيرها، وأعطاهم رسوله بقسمه للغنائم والصدقات كما أمره الله تعالى: {وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ} ، أي: هو حسبنا وكافينا في كل حال: {سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ} ، أي: سيعطينا الله من فضله في المستقبل من الغنائم والكسب؛ لأن فضله دائم لا ينقطع، ويعطينا رسوله مما يرد عليه من الغنائم والصدقات زيادة مما أعطانا من قبل، لا يبخس أحدًا منا حقا يستحقه في شرع الله تعالى {إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ} ، لا نرغب إلى غيره في شيء، وفي الآية إشارة للعبد أن لا يكون رضاه وغضبه، تابعًا لهوى نفسه الدنيوي وغرضه الفاسد، بل الذي ينبغي أن يكون هواه تبعًا لمرضاة ربه 73.

إن الرضا في الشريعة الإسلامية مبدأ من المبادئ الأساسية في المعاملات، وسنذكر بعض المعاملات القائمة على التراضي، وهي ما يأتي:

أولًا: الرضا بالمهر:

إذا وجب المهر بين الزوجين وعلم فلا بأس أن يقع فيه التراضي بعد ذلك بين الرجال والنساء في تركه كله أو بعضه أو الزيادة عليه.

قال تعالى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} [النساء: 24] .

لما بين الله تعالى ما يحل من النساء وما يحرم، وأخبر أن المهر فريضة واجبة للنساء على الرجال، وأنه في مقابلة الاستمتاع، وأخبر سبحانه أن هذه الفريضة قائمة على التراضي بين الزوجين.

وقوله تعالى: {وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ} ، أي: لا حرج ولا تضييق عليكم منه تعالى إذا تراضيتم بعد الفريضة على الزيادة فيها أو النقص منها أو حطها كلها، فإن الغرض من الزوجية أن تكونوا في عيشة راضية ومودة ورحمة تصلح بها شئونكم، وترتقي بها أمتكم، والشرع يضع لكم قواعد العدل، ويهديكم مع ذلك إلى الإحسان والفضل، وهو كقوله تعالى: {فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا} [النساء: 4] .

وقوله جل وعلا: {إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} [البقرة: 237] .

وقوله سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} [النساء: 24] .

فيضع لعباده من الشرائع بحكمته ما يعلم أن فيه صلاح حالهم ما تمسكوا به، ومن ذلك أن أوجب على الرجل أن يفرض لمن يريد الاستمتاع بها أجرًا يكافئها به على قبول قيامه ورياسته عليها، ثم أذن له ولها في التراضي على ما يريان الخير فيه لهما والائتلاف والمودة بينهما 74.

وذهبت الشيعة إلى أن المراد بالآية: (نكاح المتعة) ، ونكاح المتعة: هو نكاح المرأة إلى أجل معين كيوم أو أسبوع أو شهر، ولا خلاف أنه كان مرخصًا فيه في بدء الإسلام، وأباحه النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه في بعض الغزوات؛ لبعدهم عن نسائهم، فرخص فيه مرة أو مرتين؛ خوفًا من الزنا، فهو من قبيل ارتكاب أخف الضررين، ثم نهى عنه نهيًا مؤبدًا؛ لأن المتمتع به غالبًا لا يكون مقصده الإحصان، وإنما يكون مقصده الاستمتاع فقط.

وقد نهى سيدنا عمر رضي الله عنه في خلافته عن نكاح المتعة، وأعلن بتحريمه على المنبر، وأقر الصحابة له على ذلك، ومنع نكاح المتعة يقتضى منع النكاح بنية الطلاق، ولكن بعض الفقهاء أجازوه إذا نواه الرجل ولم يشترطه في العقد، وإن كان كتمانه يعد خداعًا وغشًّا وعبثًا بهذه الرابطة العظيمة التي هي أعظم الروابط البشرية، وإيثارًا للتنقل في مراتع الشهوات، إلى ما يترتب على ذلك من العداوة والبغضاء، وذهاب الثقة بين الزوجين حتى بالصادقين الذين يريدون بالزواج الإحصان، والتعاون على تأسيس البيت الصالح والعيشة السعيدة، ولا شك أن الإسلام بقيمه السامية وأخلاقه الرفيعة لا يقبل بأي حال من الأحوال بهذا النوع من النكاح ولا يرتضيه، وليس من خلق المسلم هذا العمل القبيح، بل إن هذا العمل منكر 75.

قال البقاعي: «ولما ذكر في هذه الآيات أنواعًا من التكاليف هي في غاية الحكمة، والتعبير عنها في الذروة العليا من العظمة، وختمها بإسقاط الجناح عند الرضى، وكان الرضى أمرًا باطنًا لا يطلع عليه حقيقة إلا الله تعالى، حثّ على الورع في شأنه بنوط الحكم بغلبة الظن، فقال: مرغبًا في امتثال أوامره ونواهيه: {إِنَّ اللَّهَ} ، أي: الذي له الإحاطة التامة علمًا وقدرة {كَانَ عَلِيمًا} ، أي: بمن يقدم متحرّيًا لرضى صاحبه أو غير متحرٍّ لذلك {حَكِيمًا} ، أي: يضع الأشياء في أمكن مواضعها من الجزاء على الذنوب وغيره» 76.

ثانيًا: الرضا بالنفقة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت