فهرس الكتاب

الصفحة 223 من 2431

قال القرطبي: «وهذا قول فرق النصارى من الملكية والنسطورية واليعقوبية؛ لأنهم يقولون: أبٌ وابنٌ وروح القدس إلهٌ واحدٌ، ولا يقولون: ثلاثة آلهةٍ، وهو معنى مذهبهم، وإنما يمتنعون من العبارة وهي لازمةٌ لهم. وما كان هكذا صح أن يحكى بالعبارة اللازمة، وذلك أنهم يقولون: إن الابن إلهٌ، والأب إلهٌ، وروح القدس إلهٌ .. فأكفرهم الله بقولهم هذا» 140.

كما فند القرآن دعواهم ألوهية المسيح وأمه بما يثبت بشريتهما ويتعارض مع دعواهم ألوهيتهما من أحوالهما.

قال تعالى: {مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} [المائدة:75] .

قال الفخر الرازي: «واعلم أن المقصود من ذلك: الاستدلال على فساد قول النصارى، وبيانه من وجوهٍ:

الأول: أن كل من كان له أمٌ فقد حدث بعد أن لم يكن، وكل من كان كذلك كان مخلوقًا لا إلهًا.

والثاني: أنهما كانا محتاجين؛ لأنهما كانا محتاجين إلى الطعام أشد الحاجة، والإله هو الذي يكون غنيًا عن جميع الأشياء، فكيف يعقل أن يكون إلهًا.

الثالث: قال بعضهم: إن قوله كانا يأكلان الطعام كنايةٌ عن الحدث؛ لأن من أكل الطعام فإنه لا بد وأن يحدث. .

وبالجملة ففساد قول النصارى أظهر من أن يحتاج فيه إلى دليلٍ» 141.

كما بين القرآن فساد زعمهم أن المسيح قد صلب، وقبر ومات وقام من بين الأموات في اليوم الثالث من دفنه، إلى آخر هذه العقائد الفاسدة والتحريفات التي بين القرآن زيفها وتحريفها.

قال تعالى: {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (157) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} [النساء: 157 - 158] .

قال الشوكاني: «وما ادعوه من أنهم قتلوه قد اشتمل على بيان صفته وإيضاح حقيقته الإنجيل، وما فيه هو من تحريف النصارى، أبعدهم الله، فقد كذبوا، وصدق الله القائل في كتابه العزيز: {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ} أي: ألقي شبهه على غيره وقيل: لم يكونوا يعرفون شخصه وقتلوا الذي قتلوه وهم شاكون فيه وإن الذين اختلفوا فيه أي: في شأن عيسى، فقال بعضهم: قتلناه، وقال من عاين رفعه إلى السماء: ما قتلناه، وقيل: إن الاختلاف بينهم هو: أن النسطورية من النصارى قالوا: صلب عيسى من جهة ناسوته لا من جهة لاهوته، وقالت الملكانية: وقع القتل والصلب على المسيح بكماله ناسوته ولا هوته، ولهم من جنس هذا الاختلاف كلامٌ طويلٌ لا أصل له، ولهذا قال الله: وإن الذين اختلفوا فيه لفي شكٍ منه، أي: في ترددٍ لا يخرج إلى حيز الصحة، ولا إلى حيز البطلان في اعتقادهم، بل هم مترددون مرتابون في شكهم يعمهون، وفي جهلهم يتحيرون» 142.

وقال تعالى: {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} [آل عمران: 55] .

قال ابن عاشور: «هذا حكايةٌ لأمر رفع المسيح وإخفائه عن أنظار أعدائه. وقدم الله في خطابه إعلامه بذلك استئناسًا له، إذ لم يتم ما يرغبه من هداية قومه، مع العلم بأنه يحب لقاء الله، وتبشيرًا له بأن الله مظهرٌ دينه؛ لأن غاية هم الرسول هو الهدى، وإبلاغ الشريعة» 143.

أولًا: تبشير الإنجيل بالرسول عليه السلام:

نص القرآن الكريم على أن الكتب السابقة ومن بينها الإنجيل قد بشرت بمبعث النبي الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم، وأن المسيح عليه السلام قد بشر أمته صراحة به ودلهم على اسمه وصفته، ذلك؛ لأن المسيح هو آخر رسول قبل رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم وليس بينهما نبي.

قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ} [الصف: 6] .

«يقول تعالى مخبرًا عن عناد بني إسرائيل المتقدمين، الذين دعاهم عيسى ابن مريم، وقال لهم: {يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ} أي: أرسلني الله لأدعوكم إلى الخير وأنهاكم عن الشر، وأيدني بالبراهين الظاهرة، ومما يدل على صدقي كوني {مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ} أي: جئت بما جاء به موسى من التوراة والشرائع السماوية، ولو كنت مدعيًا للنبوة، لجئت بغير ما جاءت به المرسلون، ومصدقًا لما بين يدي من التوارة أيضًا، أنها أخبرت بي وبشرت، فجئت وبعثت مصداقًا لها {وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ} وهو: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب النبي الهاشمي، فعيسى عليه الصلاة والسلام، كالأنبياء يصدق بالنبي السابق، ويبشر بالنبي اللاحق، بخلاف الكذابين، فإنهم يناقضون الأنبياء أشد مناقضة، ويخالفونهم في الأوصاف والأخلاق، والأمر والنهي {فَلَمَّا جَاءَهُمْ} محمد صلى الله عليه وسلم الذي بشر به عيسى {بِالْبَيِّنَاتِ} أي: الأدلة الواضحة، الدالة على أنه هو، وأنه رسول الله حقًا» 144.

«فعيسى، عليه السلام، وهو خاتم أنبياء بني إسرائيل، وقد أقام في ملأ بني إسرائيل مبشرًا بمحمدٍ، وهو أحمد، خاتم الأنبياء والمرسلين، الذي لا رسالة بعده ولا نبوة، وما أحسن ما أورد البخاري الحديث الذي قال فيه: حدثنا أبو اليمان، حدثنا شعيبٌ، عن الزهري قال: أخبرني محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن لي أسماء: أنا محمدٌ، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله به الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب) 145.

ورواه مسلمٌ، من حديث الزهري، به نحوه، وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا المسعودي، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة، عن أبي موسى قال: سمى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه أسماءً، منها ما حفظنا فقال: (أنا محمدٌ، وأنا أحمد، والحاشر، والمقفي، ونبي الرحمة، والتوبة، والملحمة) 146» 147.

وعن عرباض بن سارية، قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إني عند الله مكتوبٌ لخاتم النبيين، وإن آدم لمنجدلٌ في طينته، وسأخبركم بأول ذلك: دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى بي، والرؤيا التي رأت أمي، وكذلك أمهات النبيين يرين، إنها رأت حين وضعتني أنه خرج منها نورٌ أضاءت منه قصور الشام) 148.

وقد «بشر كل نبي قومه بنبينا صلى الله عليه وسلم، وأفرد الله سبحانه عيسى بالذكر في هذا الموضع؛ لأنه آخر نبي قبل نبينا صلى الله عليه وسلم، فبين بذلك أن البشارة به عمت جميع الأنبياء واحدًا بعد واحد، حتى انتهت بعيسى عليه السلام» 149.

قال ابن عاشور: «وإنما أخبرهم بمجيء رسولٍ من بعده؛ لأن بني إسرائيل لم يزالوا ينتظرون مجيء رسولٍ من الله يخلصهم من براثن المتسلطين عليهم، وهذا الانتظار ديدنهم، وهم موعودون لهذا المخلص لهم على لسان أنبيائهم بعد موسى، فكان وعد عيسى به كوعد من سبقه من أنبيائهم، وفاتحهم به في أول الدعوة اعتناءً بهذه الوصية، وفي الابتداء بها تنبيهٌ على أن ليس عيسى هو المخلص المنتظر، وأن المنتظر رسولٌ يأتي من بعده، وهو محمد صلى الله عليه وسلم، ولعظم شأن هذا الرسول الموعود به أراد الله أن يقيم للأمم التي يظهر فيها علامات ودلائل ليتبينوا بها شخصه، فيكون انطباقها فاتحةً لإقبالهم على تلقي دعوته، وإنما يعرفها حق معرفتها الراسخون في الدين من أهل الكتاب؛ لأنهم الذين يرجع إليهم الدهماء من أهل ملتهم.

قال تعالى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [البقرة: 146] .

وقال: {قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ} [الرعد: 43] » 150.

«أما اسم أحمد فقد قال بعض المفسرين: إنه علمٌ منقولٌ من المضارع للمتكلم، أو من أحمد أفعل التفضيل» 151

وقال بعضهم: «هو علمٌ منقولٌ من الصفة، وهي تحتمل أن تكون مبالغةً من الفاعل، فيكون معناها: أنه أكثر حمدًا لله من غيره، أو من المفعول، فيكون معناها: أنه يحمد بما فيه من خصال الخير أكثر مما يحمد غيره» 152.

وقد مال القرطبي إلى القول الثاني ورجحه بقوله: «وأحمد: اسم نبينا صلى الله عليه وسلم، وهو اسم علمٍ منقولٍ من صفةٍ لا من فعلٍ، فتلك الصفة أفعل التي يراد بها التفضيل. فمعنى أحمد أي: أحمد الحامدين لربه. والأنبياء -صلوات الله عليهم- كلهم حامدون الله، ونبينا أحمد أكثرهم حمدًا.

وأما محمدٌ فمنقولٌ من صفةٍ أيضًا، وهي في معنى محمودٍ، ولكن فيه معنى المبالغة والتكرار، فالمحمد هو الذي حمد مرةً بعد مرةٍ. كما أن المكرم من الكرم مرةً بعد مرةٍ، وكذلك الممدح ونحو ذلك، فاسم محمدٍ مطابقٌ لمعناه.

والله سبحانه سماه قبل أن يسمي به نفسه، فهذا علمٌ من أعلام نبوته، إذ كان اسمه صادقًا عليه، فهو محمودٌ في الدنيا لما هدي إليه ونفع به من العلم والحكمة، وهو محمودٌ في الآخرة بالشفاعة، فقد تكرر معنى الحمد كما يقتضي اللفظ، ثم إنه لم يكن محمدًا حتى كان أحمد، حمد ربه فنبأه وشرفه، فلذلك تقدم اسم أحمد على الاسم الذي هو محمدٌ، فذكره عيسى عليه السلام فقال: اسمه أحمد. وذكره موسى عليه السلام حين قال له ربه: تلك أمة أحمد، فقال: اللهم اجعلني من أمة أحمد. فبأحمد ذكره قبل أن يذكره بمحمدٍ؛ لأن حمده لربه كان قبل حمد الناس له، فلما وجد وبعث كان محمدًا بالفعل، وكذلك في الشفاعة يحمد ربه بالمحامد التي يفتحها عليه، فيكون أحمد الناس لربه ثم يشفع فيحمد على شفاعته» 153.

وفي الصحيح: (لي خمسة أسماء: أنا محمدٌ، وأحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي تحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب) 154.

ومما يدل على ذكره صلى الله عليه وسلم والتبشير به في الإنجيل ووجوب اتباعه على من أدرك زمنه واستحقاقه للمدح.

ثانيًا: صفات الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم:

قوله تعالى: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الأعراف: 157] .

وقد نصت هذه الآية على أن التوراة والإنجيل قد ورد فيهما ذكر النبي الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم، ووصفه بصفات يعرفها بها كل من رآه ونظر في شرعه، كما نصت على الأمر باتباعه، ومدح من اتبعوه.

وقد فصل الفخر الرازي هذه الصفات تفصيلًا فقال: إنه تعالى وصف محمدًا صلى الله عليه وسلم في هذه الآية بصفاتٍ تسعٍ:

الصفة الأولى: كونه رسولًا، وقد اختص هذا اللفظ بحسب العرف بمن أرسله الله إلى الخلق لتبليغ التكاليف.

الصفة الثانية: كونه نبيًا، وهو يدل على كونه رفيع القدر عند الله تعالى.

الصفة الثالثة: كونه أميًا.

قال الزجاج: معنى الأمي الذي هو على صفة أمة العرب، قال عليه الصلاة والسلام: (إنا أمةٌ أميةٌ لا نكتب ولا نحسب) 155.

فالعرب أكثرهم ما كانوا يكتبون ولا يقرءون، والنبي عليه الصلاة والسلام كان كذلك، فلهذا السبب وصفه بكونه أميًا، قال أهل التحقيق وكونه أميًا بهذا التفسير كان من جملة معجزاته.

الصفة الرابعة: قوله تعالى: {الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ} وهذا يدل على أن نعته وصحة نبوته مكتوبٌ في التوراة والإنجيل؛ لأن ذلك لو لم يكن مكتوبًا لكان ذكر هذا الكلام من أعظم المنفرات لليهود النصارى عن قبول قوله؛ لأن الإصرار على الكذب والبهتان من أعظم المنفرات، والعاقل لا يسعى فيما يوجب نقصان حاله، وينفر الناس عن قبول قوله، فلما قال ذلك دل هذا على أن ذلك النعت كان مذكورًا في التوراة والإنجيل وذلك من أعظم الدلائل على صحة نبوته.

الصفة الخامسة: قوله: {يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ} استئنافًا، ويجوز أن يكون المعنى: يجدونه مكتوبًا عندهم أنه يأمرهم بالمعروف.

الصفة السادسة: قوله: {وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ} والمراد منه: عبادة الأوثان، والقول في صفات الله بغير علمٍ، والكفر بما أنزل الله على النبيين، وقطع الرحم، وعقوق الوالدين.

الصفة السابعة: قوله تعالى: {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ} من الناس من قال: المراد بالطيبات الأشياء التي حكم الله بحلها، وهذا بعيدٌ لوجهين، الأول: أن على هذا التقدير تصير الآية ويحل لهم المحللات وهذ محض التكرير. الثاني: أن على هذا التقدير تخرج الآية عن الفائدة؛ لأنا لا ندري أن الأشياء التي أحلها الله ما هي وكم هي؟ بل الواجب أن يكون المراد من الطيبات الأشياء المستطابة بحسب الطبع؛ وذلك لأن تناولها يفيد اللذة، والأصل في المنافع الحل فكانت هذه الآية دالةً على أن الأصل في كل ما تستطيبه النفس ويستلذه الطبع الحل إلا لدليلٍ منفصلٍ.

الصفة الثامنة: قوله تعالى: {وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} قال عطاءٌ عن ابن عباسٍ: يريد الميتة والدم وما ذكر في سورة المائدة إلى قوله: ذلكم فسقٌ، وأقول: كل ما يستخبثه الطبع وتستقذره النفس كان تناوله سببًا للألم، والأصل في المضار الحرمة، فكان مقتضاه أن كل ما يستخبثه الطبع فالأصل فيه الحرمة إلا لدليلٍ منفصلٍ.

الصفة التاسعة: قوله تعالى: {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} .

الإصر: الثقل الذي يأصر صاحبه، أي: يحبسه من الحراك لثقله، والمراد منه: أن شريعة موسى عليه السلام كانت شديدةً.

وقوله: {وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} المراد منه: الشدائد التي كانت في عباداتهم كقطع أثر البول، وقتل النفس في التوبة، وقطع الأعضاء الخاطئة، وتتبع العروق من اللحم وجعلها الله أغلالًا؛ لأن التحريم يمنع من الفعل، كما أن الغل يمنع عن الفعل، وقيل: كانت بنو إسرائيل إذا قامت إلى الصلاة لبسوا المسوح، وغلوا أيديهم إلى أعناقهم تواضعًا لله تعالى 156.

وهذه الصفات غاية في إظهار صفة الرسول صلى الله عليه وسلم لكل من رآه وأدركه من أهل الكتاب، حتى كان أحدهم إذا رآه عرفه بصفاته المذكورة في كتبهم كما يعرف ابنه الذي من صلبه.

قال تعالى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [البقرة: 146] .

فقد دلت هذه الآية على «أنهم يعرفون النبي صلى الله عليه وسلم بما في كتبهم من البشارة به، ومن نعوته وصفاته التي لا تنطبق على غيره، وبما يظهر من آياته وآثار هدايته، كما يعرفون أبناءهم الذين يتولون تربيتهم وحياطتهم حتى لا يفوتهم من أمرهم شيءٌ. قال عبد الله بن سلامٍ رضي الله عنه - وكان من علماء اليهود وأحبارهم: - أنا أعلم به مني بابني، فقال له عمر رضي الله عنه: لم؟ قال: لأني لست أشك في محمدٍ أنه نبيٌ، فأما ولدي فلعل والدته خانت. فقد اعترف من هداه الله من أحبارهم كهذا العالم الجليل، وتميمٍ الداري من علماء النصارى أنهم عرفوه - صلى الله عليه وسلم- معرفةً لا يتطرق إليها الشك» 157.

ثالثًا: صفات أتباعه:

وقد وصف الله أتباع الرسول صلى الله عليه وسلم في الإنجيل بصفات عظيمة، فقال تعالى: {وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ} [الفتح: 29] .

«والمثل يطلق على الحالة العجيبة، ويطلق على النظير، أي المشابه» 158.

«وقوله: {وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ} يقول: وصفتهم في إنجيل عيسى صفة زرع أخرج شطأه، وهو فراخه، يقال منه: قد أشطأ الزرع: إذا فرخ، فهو يشطي إشطاء، وإنما مثلهم بالزرع المشطئ؛ لأنهم ابتدأوا في الدخول في الإسلام، وهم عدد قليلون، ثم جعلوا يتزايدون، ويدخل فيه الجماعة بعدهم، ثم الجماعة بعد الجماعة، حتى كثر عددهم، كما يحدث في أصل الزرع الفرخ منه، ثم الفرخ بعده حتى يكثر وينمي» 159.

وهذا مثلٌ ضربه الله عز وجل للنبي صلى الله عليه وسلم؛ إذ خرج وحده، فأيده بأصحابه، كما قوى الطاقة من الزرع بما نبت منها، حتى كبرت وغلظت واستحكمت، وقال قتادة: في الإنجيل: سيخرج قومٌ ينبتون نبات الزرع.

«وقوله تعالى: {كَزَرْعٍ} ، هو على كل الأقوال وفي أي كتاب منزل: فرض مثل للنبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، في أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث وحده، فكان كالزرع حبة واحدة، ثم كثر المسلمون فهم كالشطء، وهو فراخ السنبلة التي تنبت حول الأصل، يقال: أشطأت الشجرة إذا خرجت غصونها، وأشطأ الزرع: إذا خرج شطأه» 160.

وقوله تعالى: {وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ} ، أي: وصفوا في الكتابين به ومثلوا بذلك؛ وإنما جعلوا كالزرع لأنه أول ما يخرج يكون ضعيفًا وله نموٌ إلى حد الكمال، فكذلك المؤمنون، والشطء الفرخ، و {فَآزَرَهُ} يحتمل أن يكون المراد أخرج الشطء وآزر الشطء، وهو أقوى وأظهر، والكلام يتم عند قوله يعجب الزراع 161.

«والضمير المنصوب في آزره عائدٌ على الزرع؛ لأن الزرع أول ما يطلع رقيق الأصل، فإذا خرجت فراخه غلظ أصله وتقوى، وكذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا أقلةً ضعفاء، فلما كثروا وتقووا قاتلوا المشركين. وقال الحسن: آزره: قواه وشد أزره. وقال السدي: صار مثل الأصل في الطول. فاستغلظ: صار من الرقة إلى الغلظ. فاستوى: أي: تم نباته. على سوقه: جمع ساقٍ، كنايةٌ عن أصوله» 162.

«أي: فكذلك أصحاب محمدٍ صلى الله عليه وسلم آزروه وأيدوه ونصروه، فهم معه كالشطء مع الزرع» 163.

«وقال قتادة: مثل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في الإنجيل مكتوبٌ أنه سيخرج من أمة محمدٍ صلى الله عليه وسلم قومٌ ينبتون نباتًا كالزرع، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر» 164.

« {يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ} : جملةٌ في موضع الحال، وإذا أعجب الزراع فهو أحرى أن يعجب غيرهم؛ لأنه لا عيب فيه، إذ قد أعجب العارفين بعيوب الزرع، ولو كان معيبًا لم يعجبهم، وهنا تم المثل. وليغيظ: متعلقٌ بمحذوفٍ يدل عليه الكلام قبله تقديره: جعلهم الله بهذه الصفة؛ ليغيظ بهم الكفار» 165.

«قوله تعالى: {لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ} أي: إنما كثرهم وقواهم ليغيظ بهم الكفار، وقال مالك بن أنس: من أصبح وفي قلبه غيظ على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد أصابته هذه الآية. وقال ابن إدريس: لا آمن أن يكونوا قد ضارعوا الكفار، يعني الرافضة؛ لأن الله تعالى يقول: {لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ} » 166.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت