فهرس الكتاب

الصفحة 2228 من 2431

النصيحة

أولًا: المعنى اللغوي:

(نصح) النون والصاد والحاء أصلٌ يدل على ملاءمةٍ بين شيئين وإصلاحٍ لهما، ونصح الشيء: خلص، والنصيحة: خلاف الغش، وهي كلمة جامعة مشتقة من مادة «ن ص ح» الموضوعة لمعنيين: أحدهما الخلوص والبقاء، والثاني: الالتئام والرفاء، وقومٌ نصح ونصاحٌ، والتنصح: كثرة النصيحة، نصحت له نصيحتي نصوحًا أي: أخلصت وصدقت، والاسم النصيحة، والنصيح: الناصح، وانتصحت فلانًا وهو ضد اغتششته، وانتصح فلانٌ أي: قبل النصيحة، والتوبة النصوح: أن لا يعود إلى ما تاب عنه 1.

ومن خلال ما سبق تبين أن النصيحة هي نقيض الغش، وهي تقديم النصح بإخلاص وإرادة الخير للمنصوحين، فهي تعني الخلوص والالتئام والرفاء.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

«النصيحة كلمة يعبر بها عن جملة هي إرادة الخير للمنصوح له، فليس يمكن أن يعبر عن هذا المعنى بكلمة واحدة تجمع معناها غيرها» 2.

حقيقة النصح: إرادة الخير لغيرك مما تريده لنفسك، أو النهاية في صدق العناية 3.

قال الجرجاني: «النصيحة: هي الدعاء إلى ما فيه الصلاح، والنهي عما فيه الفساد» 4.

عرفها ابن الصلاح بقوله: «النصيحة كلمة جامعة تتضمن قيام الناصح للمنصوح له بوجوه الخير إرادة وفعلًا» 5.

وردت مادة (نصح) في القرآن الكريم (13) مرة 6.

والصيغ التي وردت، هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الماضي ... 3 ... {وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ} [التوبة:91]

الفعل المضارع ... 2 ... {أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ} [الأعراف:62]

المصدر ... 1 ... {وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ} [هود:34]

اسم الفاعل ... 6 ... {فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (20) } [القصص:20]

الصفة المشبهة ... 1 ... {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا} [التحريم:8]

وجاءت النصيحة في القرآن بمعناها اللغوي، وهو: من الخلوص والبقاء؛ وذلك لأن الناصح يخلص للمنصوح له عن الغش، ومن الالتئام والرفاء؛ لأن الناصح يرفأ ويصلح حال المنصوح له كما يفعل الخياط بالثوب 7.

الوعظ:

الوعظ لغةً:

الواو والعين والظاء: كلمة واحدة، فالوعظ: التخويف، والعظة الاسم منه، والعظة والموعظة: النصح والتذكير بالعواقب 8.

الوعظ اصطلاحًا:

قال ابن سيده: «هو تذكيرك للإنسان بما يلين قلبه من ثوابٍ وعقاب» 9.

قال الجرجاني: «هو التذكير بالخير فيما يرق له القلب» 10.

الوعظ: «إهزاز النفس بموعود الجزاء ووعيده، وزجر مقترن بتخويف» 11.

الصلة بين النصيحة والوعظ:

الوعظ هو تذكير الشخص بشيء قد يكون علمه ونسيه، أما النصيحة أعم قد تكون ابتداء لم يسبقه معرفة من المنصوح، وقد يكون تذكير كالوعظ، وكلاهما إرادة الخير للآخرين.

الإرشاد:

الإرشاد لغةً:

(رشد) الراء والشين والدال أصل واحد يدل على استقامة الطريق، (الرشاد) ضد الغي، والمراشد: مقاصد الطرق، وهو نقيض الضلال، وأرشده الله: هداه، واسترشده: طلب منه الرشد، والإرشاد: الهداية والدلالة 12.

الإرشاد اصطلاحًا:

هو الهداية إلى وجوه الصلاح في الدين والدنيا، والتنبيه إلى الرشد والفضيلة 13.

الصلة بين النصيحة والإرشاد:

النصيحة هي إرادة الخير وتقديم النصح بإخلاص دون غش، والإرشاد هو تقديم النصح وتوجيه المنصوح إلى الوصول للهداية والصلاح.

البلاغ:

البلاغ لغةً:

بلغ المكان بلوغًا: وصل إليه، أو شارف عليه، والاسم من الإبلاغ والتبليغ، وهما: الإيصال، والبلاغ: الإبلاغ وما يتبلغ به ويتوصل إلى الشيء المطلوب 14

البلاغ اصطلاحًا:

«الانتهاء إلى أقصى المقصد والمنتهى، زمانًا أو مكانًا أو أمرًا من الأمور المقدرة» 15.

وذلك يعني أن البلاغ هو إيصال الشيء على الوجه الصحيح ببلاغة وفصاحة لسان.

الصلة بين النصيحة والبلاغ:

البلاغ يعني بيان أمر ما وإيصاله للآخرين بطريقة تقوم به الحجة وتتضح به المحجة، ويشارك النصيحة في كون الغرض منه إرادة الخير.

التعيير:

التعيير لغةً:

عير يعير، تعييرًا، فهو معير، والمفعول معير، عار الشخص: عابه، ذكر من صفاته أو أعماله ما يدعو إلى الخجل، عيره بذنبه: نسبه إلى العار، قبح عليه صفاته وفعله ومن ذلك عيره بجهله أو بهزيمته 16.

التعيير اصطلاحًا:

إظهار السوء وإشاعته في قالب النصح، وزعم أنه إنما يحمله على ذلك العيوب إما عامًا أو خاصًا، وكان غرضه في الباطن التعيير والأذى 17.

الصلة بين النصيحة والتعيير:

النصح يقترن به الستر، والتعيير يقترن به الإعلان، قال الفضيل: (المؤمن يستر وينصح، والفاجر يهتك ويعير) ، فالناصح غرضه بذلك إزالة عيب أخيه المؤمن واجتنابه له، والفاجر مقصودة تنقص أخيه المؤمن في إظهار عيوبه ومساويه للناس 18.

تنقسم النصيحة بطبيعة مقصودها والغرض منها إلى نوعين، النوع الأول النصيحة المحمودة، وهي التي دعانا لها الدين الإسلامي حيث تحمل في طياتها إرادة الخير للآخرين والحرص على مصالحهم وهدايتهم وإرشادهم إلى ما فيه صلاحهم، وتكون بأسلوب لين رقيق، والنوع الآخر هو النصيحة المذمومة التي تحمل اسم النصيحة قالبًا وشكلًا دون المضمون، فهي لا تخلو من الغش والخداع والمصالح الشخصية للناصح، وتعريض الأخرين للأذى والايقاع بهم في ما يضر بهم، وهذا النوع من النصيحة ليس من الدين بل هو مذموم ومنهي عنه، وبيان ذلك في النقاط الآتية:

أولًا: النصيحة المحمودة:

النصيحة المحمودة هي التي يراد بها الخير للآخرين، بحيث تكون سرًا لا علانية؛ لأن الغرض منها الإصلاح وليس الفضيحة أو التوبيخ، وتكون بلين ورفق وإخلاص نية من الناصح، والنصيحة المحمودة تحمل خيرًا بحيث تحمي الآخرين من العقاب والوقوع في الفساد وتسير بهم نحو الهداية والصلاح، فالنصيحة تحتاج إلى أمانة وصدق وإخلاص وصبر من الناصح، والأنبياء جميعهم كانت نصيحتهم محمودة صادقة تحمل الخير والشفقة فمضمونها الدعوة إلى توحيد الله وتصديق رسله وكتبه.

قال تعالى: {لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 91] .

برغم اسقاط الجهاد في حق أصحاب الأعذار من الضعفاء والمرضى الذين لا يقوون على الجهاد والذين لا يجدون ما ينفقون ولا قدرة لهم على تكاليف الجهاد، إلا أن هذه الآية بينت أنه لا حرج عليهم في تقديم النصح لله وللرسول، قال القرطبي في تفسيره: النصيحة لله إخلاص الاعتقاد في الوحدانية، ووصفه بصفات الألوهية، وتنزيهه عن النقائص والنصيحة لرسوله: التصديق بنبوته، والتزام طاعته في أمره ونهيه، وموالاة من والاه ومعاداة من عاداه، وتعظيمه وتعظيم سنته، وإحياؤها بعد موته بالبحث عنها، والتخلق بأخلاقه الكريمة صلى الله عليه وسلم والنصح لأئمة المسلمين: ترك الخروج عليهم، إرشادهم إلى الحق وتنبيههم فيما أغفلوه من أمور المسلمين، ولزوم طاعتهم والقيام بواجب حقهم والنصح للعامة: ترك معاداتهم، وإرشادهم، والدعاء لجميعهم وإرادة الخير لكافتهم 19، فهذه الآية الكريم بينت أن النصيحة المحمودة ينبغي أن تحمل الخير للآخرين بإرشادهم لما فيه صلاحهم وهدايتهم وذلك بدعوتهم إلى توحيد الله وطاعته، وتصديق الرسول صلى الله عليه وسلم واتباع كل ما جاء به من أوامر واجتناب نواهيه، وحث الآخرين على الجهاد وعدم تثبيطهم في حال عدم قدرتهم على الجهاد.

وقال تعالى: {وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ} [الأعراف: 79] .

ومن نماذج النصيحة المحمودة ما كان يقوم به الأنبياء من تبليغ رسالات ربهم لأقوامهم ونصحهم والاشفاق عليهم حرصًا على مصالح أقوامهم وخوفًا عليهم من التعرض لعقاب الله وعذابه، وهذه الآية تتحدث عن نبي الله صالح عليه السلام كيف أنه أبلغ قومه رسالات ربه ونصحهم ولم يتوقف عن نصحهم، بل حذرهم من عذاب الله واستمر في نصحهم دون جدوى، فقد كانوا قومًا لا يحبون النصيحة ولا يتقبلونها، وكان ما قاله صالح عليه السلام «على سبيل التفجع والتحسر عليهم: لقد بلغتكم الرسالة، وحذرتكم عذاب الله، وبذلت وسعي في نصيحتكم، ولكن شأنكم الاستمرار على بغض الناصحين وعداوتهم» 20.

فكانت نصيحته لقومه نصيحة محمودة تدعوهم لما فيه صلاح لهم وارشادهم إلى توحيد الله وعبادته خوفًا عليهم وحرصًا على مصلحتهم، ولكن قومه لم يستجيبوا له ولم ينتصحوا.

وقال تعالى: {فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ} [الأعراف: 93] .

هذه الآية تبين ما قام به شعيب عليه السلام من إبلاغ قومه رسالات ربه ونصحه لهم ولم يتوقف عن نصحهم خوفًا عليهم وحرصًا على هدايتهم، حيث قال لهم يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي التي أرسلني بها إليكم ونصحت لكم ببيان ما فيه سلامة دينكم ودنياكم فكيف أحزن على قوم كافرين بالله مصرين على كفرهم متمردين عن الإجابة، وقد قال شعيب هذه المقالة تحسرًا على عدم إيمان قومه، ثم سلا نفسه بأنه كيف يقع منه الأسى على قوم ليسوا بأهل للحزن عليهم لكفرهم بالله وعدم قبولهم لما جاء به رسوله 21.

فهذا هو حال الأنبياء مع أقوامهم يحرصون على إبلاغ أقوامهم رسالات ربهم ويخلصون في نصحهم ويخافون عليهم من عذاب الله، بل يتحسرون ويحزنون إن لم ينتصحوا، فهذه النصائح التي تصف حال الأنبياء عليهم السلام كلها نماذج للنصيحة المحمودة التي أمر الله بها والتي من شأنها إصلاح أحوال الآخرين والأخذ بأيديهم على طريق الهداية والنجاة.

ثانيًا: النصيحة المذمومة:

النصيحة المذمومة هي تلك النصيحة التي تكون في قالب النصح ولكن لا يكون مقصودها إرادة الخير للآخرين، وإنما غشهم وخداعهم والوصول إلى أغراض شخصية بعيدًا عن مصلحة المنصوح، وهذه النصيحة ليست من الدين، لما فيها من أذى للآخرين، ومن الآيات التي اشتملت على النصيحة المذمومة ما يأتي:

قوله تعالى: {وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ} [الأعراف: 21] .

هذه الآية تبين موقف الشيطان من آدم عليه السلام وحواء وذريته من بعده، وكيف أنه لبس ثوب الورع والنصح لهم والحرص على مصالحهم، فأخذ يوسوس لهم ويكيد لهم في صورة الناصح لهم، فقد كانت نصيحته مذمومة، فعندما نصحهم أراد الإيقاع بهم، والنيل منهم، حيث أغر بهم وقد بين حرصه على نصحهم ومصلحتهم بأن «أقسم لهما بالله {إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ} أي: من جملة الناصحين حيث قلت لكما ما قلت، فاغترا بذلك، وغلبت الشهوة في تلك الحال على العقل» 22.

فكانت نصيحته مذمومة تحمل الشر والحقد لآدم عليه السلام بعد أن فضله الله عليه وأمره بالسجود له، فكيف يعقل أن يريد بهم خيرًا، وهو نفسه الذي رفض السجود لآدم عليه السلام، وتوعد بالنيل من ذريته وإضلالهم عن الحق والقعود لهم في كل مرصد لإغوائهم.

وقوله تعالى: {قَالُوا يَاأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ} [يوسف: 11] .

هذه الآية تبين كيف أظهر إخوان يوسف عليهم السلام حرصهم على أخيهم يوسف، وخوفهم عليه، ونصحهم له وتعهدهم لأبيهم برعايته، ومع ما يحمله كلامهم من طابع النصح إلا أنه كان نصحًا غير محمود بل مذموم فقد أرادوا الخير في ظاهر كلامهم ولكن في باطنه أرادوا إيقاع السوء بيوسف عليه السلام فقد أضمروا بداخلهم التخلص منه، فقد جاؤوا أباهم يعقوب عليه السلام، فقالوا: ما بالك لا تأتمنا على يوسف، وتخافنا عليه، ونحن له ناصحون، أي: نحبه، ونشفق عليه، ونريد الخير له، ونخلص له النصح؟ وهم يريدون خلاف ذلك، لحسدهم له، بعد ما علموا من رؤيا يوسف، وأدركوا حب أبيه له، لما يتوسم فيه من الخير العظيم وشمائل النبوة.

ويمكن الاستفادة من الآيات بأن النصيحة المحمودة: هي التي حث عليها الشرع وتحمل بداخلها الخير للأخرين، وتكون بأسلوب لين ورقيق، ويؤديها الناصح بأمانة وإخلاص، ومن النماذج عليها ما كان يقوم به الأنبياء من نصح لأقوامهم خوفًا عليهم وحرصًا على هدايتهم.

ونستفيد كذلك بأن النصيحة المذمومة: هي تلك النصيحة التي نهى الشرع عنها، فغرضها خداع الآخرين وغشهم والنيل منهم وإلحاق الأذى بهم، ومن ذلك ما قام به الشيطان الرجيم مع آدم عليه السلام، وما قام به إخوان يوسف عليه السلام.

تعتبر النصيحة من الأمور الهامة التي دعا لها الدين الاسلامي، وقد أطلق عليها الدين كما ورد في قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (الدين النصيحة) 23.

وذلك لأن النصيحة من أهم الدعائم التي تنشر الدين وتحث عليه، وتغير المعتقدات الخاطئة عند الناس، وتقوم من سلوكهم، وتزيل العادات السيئة والمخالفة للدين، وتحسن الطباع والأخلاق عند المسلمين، فهي أقرب الوسائل القادرة على استمالة القلوب وتهذيب النفوس، وتقويم العقيدة، فالإنسان بحاجة ماسة إلى وجود من ينصحه باستمرار ومن يستنصحه، فهو لا يعيش وحيدًا، بل في مجتمع يحمل الكثير من المعتقدات منها ما يوافق الشرع الإسلامي، ومنها ما يخالفه.

والحياة مليئة بالملهيات والمغريات المادية التي قد تجعل نفسه يتناسى ما عليه من واجبات ويتذكر ماله من حقوق، لذلك يحتاج الإنسان إلى من يقوم سلوكه ويصحح معتقداته، ويذكره بواجباته ويوقظه من غفلته وانشغاله بملذات الدنيا وتحذيره من زلاته وعواقبها، وترشده إلى طريق الهداية المستقيم، ومن المجالات التي تتناولها النصيحة الأمور التي تتعلق بالجانب الديني، والأمور التي تتعلق بالجانب الدنيوي.

أولًا: أمور الدين:

كان النصح مهمة الأنبياء التي شرفهم الله بها، فقد حملوا هم الدعوة إلى الله عز وجل والنصح إلى توحيده وعبادته، فكانوا ينصحون الناس بالخير ويأمرونهم بالقيام به، وينهونهم عن كل ما هو منكر ومخالف لشرع الله، وأصبحت هذه مهمة الصالحين من بعدهم وأولي الأمر، ونجد القرآن الكريم قد اعتنى عناية فائقة لأهمية ذلك وعظم شأنه في الدين، فبه تتحقق غايات الشرع ومقاصده وبهم يصلح حال الفرد والمجتمع، وبالنظر في الآيات التي تحدثت عن نصح الأنبياء لأقوامهم والأحاديث النبوية التي كانت تحمل النصح للمسلمين، نجد أغلبها تتناول أمور الدين، لأن من صلحت أمور دينه صلحت أمور دنياه.

ومن أهم الأمور الدينية التي يجب النصح والتذكير بها كل ما يتعلق بالعقيدة السليمة من تذكير بالله وتوحيده لله وعدم الشرك به، واثبات أسمائه وصفاته، وتصديق أنبيائه وما جاؤوا به من كتب وشرع، وأوامر ونواهٍ، وكل ما يتعلق بالأمور التعبدية سواء كانت شعائر كالصلاة والصيام والزكاة والحج، وكل ما فيها من أحكام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو عبادات تعاملية وذلك بالتحلي بالأخلاق الإسلامية وترك الأخلاق الذميمة التي نهى عنها الإسلام كالصدق، والأمانة، والإخلاص، وعدم الكذب، وعدم الغيبة، وعدم النميمة، وغض البصر، وعدم سماع الغناء، لذلك ينبغي على المسلم أن يسعى دوما لنصح إخوانه وأهل زمانه، وقد مدح الله تعالى في كتابه العزيز الأمة الإسلامية لأنها تحرص

وعلى تقديم النصيحة، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، في قوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: 110] .

وكان الأنبياء عليهم السلام شديدي الحرص في تقديم النصيحة لأقوامهم في أمور دينهم، ومن الآيات التي توضح ذلك: ما جاء على لسان صالح عليه السلام لقومه: {وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ} [الأعراف: 79] .

وما جاء على لسان شعيب عليه السلام: {وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ} [الأعراف: 93] .

وما جاء على لسان هود عليه السلام: {وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ} [الأعراف: 68] .

وما جاء على لسان نوح عليه السلام: {وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 62] .

كما جاءت الآيات تبين أن النصح الواجب على المؤمنين وإن لم يستطيعوا الجهاد {إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ} [التوبة: 91] .

فسماهم محسنين لنصيحتهم لله بقلوبهم لما منعوا من الجهاد بأنفسهم، وقد ترفع الأعمال كلها عن العبد في بعض الحالات، ولا يرفع عنه النصح لله، فلو كان مريضًا ولا يمكنه عملٌ بشيء من جوارحه بلسانٍ ولا غيره، غير أن عقله ثابتٌ، لم يسقط عنه النصح لله بقلبه وذلك بأن يندم على ذنوبه، وينوي إن صح أن يقوم بما افترض الله عليه، ويجتنب ما نهاه عنه، وإلا كان غير ناصح لله بقلبه 24.

ومن الآيات التي فيها نصح للمؤمنين ما ورد على لسان لقمان من نصائح ومواعظ لابنه في قوله تعالى: {يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ} [لقمان: 13 - 19] .

ومن النصائح قوله تعالى: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا} [طه: 132] .

فالمتمعن في كتاب الله يجد الكثير من الآيات التي تحمل الأمر والنهي والتي يمكن استخدامها في نصح الآخرين والأخذ بأيديهم نحو طريق الهداية والجنة والنجاة من النار.

ثانيًا: أمور الدنيا:

لا تتوقف النصيحة على أمور الدين، بل تتعداها إلى النصح في جميع الأمور الدنيوية، كأن يستنصحك أحدهم حول وظيفة، أو سيارة يريد شراءها، فعلى المسلم أن يشير عليه وينصحه بما فيه الخير والنفع له، فلا يغشه في النصيحة ولا يخدعه، وكذلك إذا أحس أن أخاه المسلم في خطر فعليه أن ينبهه وذلك كما ورد في قصة موسى في قوله تعالى: {وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَامُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ} [القصص:20] .

أي: جاء من آخرها وأبعدها، يسعى على رجليه، ليخبر موسى عليه السلام أن أشراف قوم فرعون يؤامر بعضهم بعضًا بقتلك، فاخرج من القرية، إني لك من الناصحين في أمري إياك بالخروج 25.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت