فهرس الكتاب

الصفحة 408 من 2431

الاجتماع

أولًا: المعنى اللغوي:

(جمع) الجيم والميم والعين أصل واحد، يدل على تضام الشيء، يقال: جمعت الشيء جمعًا، وجمع الشيء عن تفرقة يجمعه جمعًا، وجمعه وأجمعه فاجتمع.

واجتمع القوم واستجمعوا بمعنى: تجمعوا، وانضم بعضهم إلى بعض، واتحدوا واتفقوا.

و (الجماعة) العدد الكثير من الناس، والشجر والنبات، وطائفة من الناس يجمعها غرض واحد.

و (الاجتماع) علم الاجتماع، علم يبحث في نشوء الجماعات الإنسانية ونموها وطبيعتها وقوانينها ونظمها، ويقال: رجل اجتماعي مزاول للحياة الاجتماعية، كثير المخالطة للناس.

و (المجتمع) موضع الاجتماع.

و (المجمع) موضع الاجتماع والملتقى، ومنه: مجمع البحرين، ومؤسسة للنهوض باللغة أو العلوم أو الفنون ونحوها (محدثة) 1.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

عرف الجرجاني الاجتماع بأنه: تقارب أجسام بعضها من بعض 2.

وعرفه السيوطي بقوله: الاجتماع: وجود أشياء كثيرة يعمها معنىً واحد 3.

وقال المناوي: الاجتماع: مجاورة جوهرين في حيزين، ليس بينهما ثالث، وضده الافتراق، وهو وقوع جوهرين بينهما حيز 4. وكذا قال الكفوي 5.

ولا يختلف معنى الاجتماع في الاصطلاح عن المعنى الذي يفيده في أصل اللغة، وإن كان مقصود الشرع من الاجتماع هو ما يحمد شرعًا، وهو أن يلتقي المسلمون، وينضم بعضهم إلى بعض، ولا يتفرقوا.

لم يرد لفظ (الاجتماع) في القرآن، ولكن ورد جذره، وهو: (جمع) ، والذي يعني: تأليف المتفرق وانضمامه 6.

ولكن القرآن الكريم تحدث عن الاجتماع والتوحد وجمع الكلمة، من خلال الحديث عن الائتلاف، ونبذ الفرقة، والاعتصام بحبل الله.

اللقاء:

اللقاء لغةً:

الملاقاة، وتوافي الاثنين متقابلين، ولقيته لقوةً، أي: مرةً واحدةً، ولقاءةً، ولقيته لقيًا ولقيانًا، واللقية فعلةٌ من اللقاء، والجمع لقى 7.

اللقاء اصطلاحًا:

قال الرازي: وصول أحد الجسمين إلى الآخر؛ بحيث يماسه بشخصه 8.

وقال الراغب: مقابلة الشيء ومصادفته معًا، وقد يعبر به عن كل منهما 9.

الصلة بين الاجتماع واللقاء:

اللقاء حسي، أما الاجتماع فقد يكون حسيًا، وقد يكون معنويًا.

وأيضًا فاللقاء: هو الاجتماع على وجه المقاربة والاتصال، والاجتماع قد يكون على غير المقاربة والاتصال 10.

الاعتصام:

الاعتصام لغةً:

العصم: الإمساك، والاعتصام: الاستمساك، قال تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران:103] . أي: تمسكوا بعهد الله 11.

والاعتصام بحبل الله: هو ترك الفرقة، واتباع القرآن 12.

الاعتصام اصطلاحًا:

ولا يختلف معنى الاعتصام في الاصطلاح عن معناه في اللغة.

الصلة بين الاجتماع والاعتصام:

الاعتصام: الاستمساك بالشيء، والمقصود: الاستمساك بحبل الله، وهو بهذا الاعتبار وسيلة للاجتماع، وطريق إليه؛ ولهذا يقال: الاستمساك بحبل الله سبب للاجتماع.

الاختلاف:

الاختلاف لغةً:

ضد الاتفاق 13، وهو منازعة تجري بين المتعارضين؛ لتحقيق حقٍ أو لإبطال باطل 14.

الاختلاف اصطلاحًا:

عرفه الراغب بقوله: «والاختلاف والمخالفة: أن يأخذ كل واحد طريقًا غير طريق الآخر في حاله أو قوله» 15.

الصلة بين الاجتماع والاختلاف:

الخلاف والاختلاف هو المضادة والمعارضة، وعدم المماثلة، وهو بهذا المعنى ضد الاجتماع، الذي جاء الحث عليه في نصوص القرآن الكريم.

التفرق:

التفرق لغةً:

خلاف التجمع، تفرق القوم وتفارقوا، والاسم الفرقة 16.

والتفريق: خلاف التجميع، يقال: فرق الشيء تفريقًا وتفرقة: بدَده، وهو متعدٍ، أما التفرق فلازم. والتفريق أبلغ من الفرق؛ لما فيه من معنى التكثير 17.

التفرق اصطلاحًا:

لا يخرج معناه عن المعنى اللغوي.

الصلة بين الاجتماع والتفرق:

التفرق خلاف التجمع، وهو ضد الاجتماع، الذي جاء الحث عليه في القرآن الكريم.

أسباب الاجتماع التي يجتمع الناس عليها كثيرة، منها:

أولًا: الاجتماع لهدف واحد:

من أسباب الاجتماع أن يجتمع الناس على هدف واحد، ومن هذه الأهداف:

حث الله تعالى على صلاة الجماعة لما فيها من تظاهر النفوس عند مناجاة الله، وإيجاد الألفة بين المؤمنين؛ ولأنه عند اجتماعهم يتشاورون في دفع ما ينزل بهم من البأساء، أو يجلب لهم السراء 18.

قال تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (43) } [البقرة:43] .

ومما يدل على فضل الاجتماع على هذه العبادة، وهي الصلاة.

قال تعالى: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (102) } [النساء:102] .

قال ابن كثير: «فقوله تعالى: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ} أي: إذا صليت بهم إمامًا في صلاة الخوف، وهذه حالة غير الأولى، فإن تلك قصرها إلى ركعة، كما دل عليه الحديث، فرادى ورجالًا وركبانًا، مستقبلي القبلة، وغير مستقبليها، ثم ذكر حال الاجتماع والائتمام بإمام واحد، وما أحسن ما استدل به من ذهب إلى وجوب الجماعة من هذه الآية الكريمة، حيث اغتفرت أفعال كثيرة لأجل الجماعة، فلولا أنها واجبة لما ساغ ذلك» 19.

والحاصل أن الله تعالى جعل للمسلمين مناسبات دينية يومية وأسبوعية وسنوية يجتمعون فيها، ومن هذه الاجتماعات الأسبوعية يوم الجمعة، قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (9) } [الجمعة:9] .

فأمر تعالى عباده المؤمنين بالحضور لصلاة الجمعة، من حين ينادى لها، والسعي إليها، والمراد بالسعي هنا: المبادرة إليها، والاهتمام لها، وجعلها أهم الأشغال، وقوله: {وَذَرُوا الْبَيْعَ} أي: اتركوا البيع إذا نودي للصلاة، وامضوا إليها، فإن {ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ} من اشتغالكم بالبيع، وتفويتكم الصلاة الفريضة، التي هي من آكد الفروض {إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} أن ما عند الله خير وأبقى، وأن من آثر الدنيا على الدين فقد خسر الخسارة الحقيقية من حيث ظن أنه يربح، وهذا الأمر بترك البيع مؤقت مدة الصلاة 20.

وإنما سميت الجمعة جمعة لأنها مشتقة من الجمع، فإن أهل الإسلام يجتمعون فيه في كل أسبوع مرة بالمعابد الكبار، وفيه كمل جميع الخلائق 21. أو لأنه جمع في هذا اليوم خلق آدم 22. وقيل: لأن الله تعالى فرغ فيه من خلق الأشياء، فاجتمعت فيه المخلوقات، وقيل: لاجتماع الجماعات فيها 23. وهذه الأقوال كلها صحيحة.

فالحاصل: أن يوم الجمعة يوم يجتمع المسلمون، وما سميت جمعة إلا لما فيها من الاجتماع، وقد اشترط العلماء العدد في صلاة الجمعة، واختلفوا في أقل عدد تنعقد به الجمعة، على أقوال كثيرة، بلغت ثلاثة عشر قولًا، ومحل بسطها كتب الفقه.

فصلاة الجمعة هي الصلاة الجامعة التي لا تصح إلا جماعة، وهي صلاة أسبوعية يتحتم أن يتجمع فيها المسلمون، ويلتقوا، ويستمعوا إلى خطبة تذكرهم بالله، وهي عبادة تنظيمية على طريقة الإسلام في الإعداد للدنيا والآخرة في التنظيم الواحد، وفي العبادة الواحدة، وكلاهما عبادة، وهي ذات دلالة خاصة على طبيعة العقيدة الإسلامية الجماعية ... ، وقد وردت الأحاديث الكثيرة في فضل هذه الصلاة، والحث عليها، والاستعداد لها بالغسل والثياب والطيب 24.

وأمر الله المسلمين بالسعي إلى ذكر الله؛ لأن الغالب في الجُمع أن يكون فيها ذكر الله سبحانه وتعالى، وذكر جنته وناره، وفي قوله: {وَذَرُوا الْبَيْعَ} أي: من أجل الاجتماع والصلاة وذكر الله.

وفيه: تذكرة بأمر أعظم، وهو أنه سيأتي يوم عظيم يجتمع الناس فيه، وهو يوم المعاد، وهذا اليوم نعته الله جل وعلا بقوله: {لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ} [البقرة:254] فيترك الإنسان البيع في الدنيا، ويلجأ إلى الله في مثل هذا اليوم العظيم تذكرة لنفسه باليوم الذي يغدو الناس فيه بين يدي رب العالمين، والإنسان لا بد أن يكون له باعث من نفسه.

ومن صور الاجتماع: الاجتماع في الحج، ففي الحج يجتمع المسلمون من جميع أقطار العالم، في مكان واحد، وزمان واحد، وقد أمر الله قريشًا أن يفيضوا من حيث تفيض جماعة الناس حرصًا على الاجتماع، واقتداء بأبيهم إبراهيم عليه السلام، قال تعالى: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} [البقرة:199] .

فالحج هو مؤتمر المسلمين الجامع الذي يتلاقون فيه مجردين من كل آصرة سوى آصرة الإسلام، متجردين من كل سمة إلا سمة الإسلام، عرايا من كل شيء إلا من ثوب غير مخيط يستر العورة، ولا يميز فردًا عن فرد، ولا قبيلة عن قبيلة، ولا جنسًا عن جنس، إن عقدة الإسلام هي وحدها العقدة، ونسب الإسلام هو وحده النسب، وصبغة الإسلام هي وحدها الصبغة 25.

والمقصود: أن الاجتماع مقصد عظيم، يظهر فيه وحدة المسلمين، وجمع كلمتهم، ووحدة صفهم، وهذا المقصد العظيم يظهر جليًا في صلاة الجماعة التي تتكرر في اليوم خمس مرات في المساجد، فهي اجتماع مصغر، يلتقي فيه أصحاب الحي في اليوم خمس مرات في بيت من بيوت الله عز وجل، يؤدون فريضةً من فرائض الله، ثم يأتي اجتماع أكبر وهو يوم الجمعة، وهو اجتماع أسبوعي، ثم يأتي اجتماع في السنة مرتين وهو الاجتماع لصلاة العيدين (عيد الفطر وعيد الأضحى) ثم يأتي الحج، وهو الاجتماع السنوي للمسلمين، وهو واجب في العمر مرة، وفي هذا الاجتماع منافع كثيرة.

وقد ذكر العلماء رحمهم الله تعالى كثيرًا من المنافع التي تترتب على الاجتماع في الحج، فمنها: تعرف المسلمين على بلاد بعضهم، وعلى أحوالهم، ويتعرف التاجر على مواطن التجارة في البلدان المختلفة، ويتعرف على ما يحتاج إليه المسلمون في كل مكان من بقاع الأرض، بالإضافة إلى أن هذا الاجتماع مظهرٌ من مظاهر وحدة المسلمين؛ لأنهم يظهرون بلباس واحد، ويجتمعون في مكان واحد، يدعون ربًا واحدًا، ويقومون بأعمال واحدة، ولا فرق بين غنيهم وفقيرهم، فهذا مظهر أيضًا من مظاهر اجتماعهم، ووحدة كلمتهم.

ومن الاجتماعات الموسمية، والمناسبات العبادية العظيمة: صوم رمضان، فهو عبادة موسمية من مواسم الخير، تكون في شهر رمضان، تقترب فيه القلوب إلى بارئها، وتفتح فيه أبواب الجنة، وانظر كيف جاء الأمر به بشكل جماعي، حيث قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} [البقرة:183] أي: فُرِضَ {كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} من الأنبياء والأمم، وأولهم آدم عليه السلام 26.

وفي هذه الآية: إشعار بوحدة الدين أصوله ومقصده، وتأكيد لأمر هذه الفرضية، وترغيب فيها.

والمقصود: أن الله سبحانه يعلم أن التكليف أمر تحتاج النفس البشرية فيه إلى عون، ودفع واستجاشة لتنهض به، وتستجيب له، مهما يكن فيه من حكمة ونفع، حتى تقتنع به، وتتعود عليه؛ ولهذا فإن كثيرًا من العبادات اتخذت طابع الجماعية.

ففي هذه الفريضة -الصوم- نجد أن التكليف بدأ بذلك النداء الحبيب إلى المؤمنين {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} المذكر لهم بحقيقتهم الأصيلة، ثم يقرر لهم بعد ندائهم ذلك النداء أن الصوم فريضة قديمة على المؤمنين بالله في كل دين، وأن الغاية الأولى هي إعداد قلوبهم للتقوى، والشفافية والحساسية، والخشية من الله 27.

أمر الله تعالى بالاجتماع عند قتال الكفار.

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا (71) } [النساء:71] أي: مجتمعين جيشًا واحدًا.

ومعنى الآية: الأمر لهم بأن ينفروا على أحد الوصفين؛ ليكون ذلك أشد على عدوهم، وليأمنوا من أن يتخطفهم الأعداء إذا نفر كل واحد منهم وحده، أو نحو ذلك.

وثُباتٍ: جماعات متفرقة، سرية بعد سرية، وفرقة بعد فرقة، إظهارًا للجرأة {أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا} مجتمعين، كركبة واحدة ... ، والغرض النهي عن التخاذل، وإلقاء النفس إلى التهلكة 28.

قال القاسمي: « {أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا} إيقاعًا للمهابة بتكثير السواد، ومبالغة في التحرز عن الخطر، قال الحاكم: اتفق العلماء على أن ذلك موكول إلى اجتهاد الإمام» 29.

وقال الآلوسي: «قوله: {أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا} أي: مجتمعين جماعة واحدة» 30.

ومما جاء في الاجتماع في القتال قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا} [الصف:4] أي: صافين أنفسهم 31.

والصف: عدد من أشياء متجانبة منتظمة الأماكن، فيطلق على صف المصلين، وصف الملائكة، وصف الجيش في ميدان القتال، فالجيش إذا حضر القتال كان صفًا، من رجالة أو فرسان، ثم يقع تقدم بعضهم إلى بعض فرادى أو زرافات، فالصف هنا: كناية عن الانتظام والمقاتلة عن تدبر، وأما حركات القتال فتعرض بحسب مصالح الحرب في اجتماع وتفرق، وكر وفر، وانتصب (صفًا) على الحال، بتأويل: صافين، أو مصفوفين 32.

ثم قال: {كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ} لاصق بعضه ببعض، وقيل: أريد به استواء نياتهم في حرب عدوهم، حتى يكونوا في اجتماع الكلمة كالبنيان الذي رص بعضه إلى بعض، وهو حال أيضًا 33.

وقد اختلف علماء التفسير في المراد بالبنيان المرصوص، فنقل بعضهم عن الفراء: أنه المتلاحم بالرصاص لشدة قوته، والجمهور: أنه المتلاصق المتراص المتساوي.

والواقع أن المراد بالتشبيه هنا هو وجه الشبه، ولا يصح أن يكون هنا هو شكل البناء، لا في تلاحمه بالرصاص، وعدم انفكاكه، ولا تساويه وتراصه؛ لأن ذلك يتنافى وطبيعة الكر والفر في أرض المعركة، ولكل وقعة نظامها حسب موقعها.

قال الشنقيطي: «والذي يظهر -والله تعالى أعلم- أن وجه الشبه المراد هنا: هو عموم القوة والوحدة» 34.

والحاصل: أن في الآية الحث على الجهاد في سبيل الله صفًا متراصًا متساويًا، من غير خلل يقع في الصفوف، وتكون صفوفهم على نظام وترتيب، به تحصل المساواة بين المجاهدين، والتعاضد وإرهاب العدو، وتنشيط بعضهم بعضًا، والمرصوص: المتلاصق بعضه ببعض، والتشبيه في الثبات، وعدم الانفلات.

فليس هو مجرد القتال؛ ولكنه هو القتال في سبيله، والقتال في تضامن مع الجماعة المسلمة داخل الصف، والقتال في ثبات وصمود {صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ} .

لما جاء موسى عليه السلام إلى فرعون بالمعجزة، وكانت قلب العصا ثعبانًا، وإظهار اليد البيضاء، جمع فرعون السحرة، وحشروهم من المدائن، يعني من القرى، واختار الطاغية الكافر وجماعته تكذيب هذه المعجزة الخارقة، وادعى كون موسى ساحرًا، فتشاور مع كبار رجال دولته، فأشاروا بالمبارزة بين سحرة مصر المهرة وبين موسى.

قال تعالى: {قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (36) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (37) فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (38) وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (39) } [الشعراء:36 - 39] .

وتم جمع السحرة من أنحاء المملكة، قيل: كانوا سبعين رجلًا أو ثلاثة وسبعين، ودل قوله: {وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ} على أن السحرة كانوا كثيرين في ذلك الزمان.

فقرر أن يكون مكان الاجتماع -للمناظرة والمغالبة في زعمه- مكانًا سوى، وأصح الأقوال في قوله: {سُوًى} على قراءة الكسر والضم: أنه مكان وسط، تستوي أطراف البلد فيه لتوسطها بينها، فلم يكن أقرب للشرق من الغرب، ولا للجنوب من الشمال، وهذا هو معنى قول المفسرين مكانًا سوى، أي: نصفًا وعدلًا؛ ليتمكن جميع الناس أن يحضروا 35.

{فَجُمِعَ السَّحَرَةُ} أي: بأيسر أمر؛ لما له عندهم من العظمة {لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ} واليوم المعلوم: يوم الزينة، وميقاته: وقت الضحى؛ لأنه الوقت الذي وقته لهم موسى -صلوات الله عليه- من يوم الزينة في قوله: {قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (59) } [طه:59] 36.

{وَقِيلَ لِلنَّاسِ} أي: كافة؛ حثًا لهم على الإسراع إلى الاجتماع بأمر فرعون، وامتحانًا لهم هل رجعوا عن دينه {هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ} أي: اجتمعوا، وعبر بالاستفهام حثًا على الاجتماع.

كما يقول الرجل لغلامه: هل أنت منطلق؟ إذا أراد أن يحركه، ويحثه على الانطلاق، كأنما يخيل له أن الناس قد انطلقوا {لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ} أي: في دينهم، إن غلبوا موسى 37.

وهدف هذا الاجتماع ليشاهدوا ما يكون من موسى والسحرة، ولمن تكون الغلبة، وكان ذلك ثقة من فرعون بالظهور، وطلبًا أن يكون بمجمع من الناس، حتى لا يؤمن بموسى أحد منهم، فوقع ذلك من موسى الموقع الذي يريده؛ لأنه يعلم أن حجة الله هي الغالبة، وحجة الكافرين هي الداحضة، وفي ظهور حجة الله بمجمع من الناس زيادة في الاستظهار للمحقين، والانقهار للمبطلين 38.

ولعل معنى: {هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ} أي: اجتماعًا أنتم راسخون فيه؛ لكونه بالقلوب كما هو بالأبدان، كلكم ليكون أهيب لكم 39.

والحاشرون: هم الذين يتولون جمع السحرة وحشدهم وحشرهم إلى ساحة فرعون، والتعبير بالحشر هنا يشير إلى أن الأمر عظيم، وأنه لا بد له من حشر الناس إليه، وبعثهم سراعًا من كل أفق، ليلقوا موسى، ويقفوا في وجه هذا الخطر الذي دهمهم به.

وحُشر السحرة على عجل، وأقبلوا من كل أفق، وغصت بهم ساحة فرعون، وما كانوا قد رأوا رأى العين ما كان من فعل موسى بعصاه ويده مع فرعون، وإن كانوا قد سمعوا به، وتصوروه على ما روي لهم، ومن هنا وقع في أنفسهم أنه ساحر مثلهم، وأنه إذا كان على شيء من القوة بالنسبة لهم، فإن في جمعهم هذا ما يتغلب على كل قوة.

ومن هنا أيضًا وقع في أنفسهم أنهم أصحاب الموقف المنتظر بينهم وبين موسى، فكانت لهم بذلك دالة على فرعون، وقد أطمعهم فيه ما وجدوه عليه من ذلة وانكسار، فجاءوا إليه يسألونه الأجر مقدمًا، ويسألونه الجزاء الذي لهم عنده، بعد أن يكون لهم الغلب! ولا يملك فرعون في هذا الموقف إلا أن يستجيب لهم، ويترضى مشاعرهم، حتى يبذلوا كل ما يملكون من حول وحيلة، إنهم الآن لا يعملون إلا بأجر، وقد كانوا من قبل هذا الموقف عبيدًا مسخرين! فليس الأجر وحده، ولا المال وحده هو الذي سيبذله لهم، إن هم انتصروا على موسى، وأبطلوا كيده، وأفسدوا تدبيره، ولكن لهم إلى هذا المال الوفير الذي سيغدقه عليهم أن يقربهم إليه، ويدنيهم منه، ويجعلهم أعوانه، وأصحاب الكلمة والرأي عنده، ولا يذكر القرآن هنا اجتماع السحرة بموسى، والاتفاق معه على موقع المعركة وزمانها؛ فذلك متروك لتقدير من يتلو هذه القصة، وتصوره لملء هذا الفراغ الذي لا يغيب عن فطنته 40.

والحاصل: أن هذا من لطف الله أن يري العباد بطلان ما موَه به فرعون الجاهل الضال المضل أن ما جاء به موسى سحر، قيضهم أن جمعوا أهل المهارة بالسحر لينعقد المجلس عن حضرة الخلق العظيم، فيظهر الحق على الباطل، ويقر أهل العلم وأهل الصناعة بصحة ما جاء به موسى، وأنه ليس بسحر، فعمل فرعون برأيهم، فأرسل في المدائن، من يجمع السحرة، واجتهد في ذلك وجد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت