فهرس الكتاب

الصفحة 620 من 2431

وقوله تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ} ، أي: قد عرفتم الذين جاوزوا ما حدلهم في السبت من التجرد للعبادة فيه وتعظيمه واشتغلوا بالصيد، وذلك أن الله تعالى نهاهم أن يصيدوا في السبت، ثم ابتلاهم فما كان يبقى حوت في البحر إلا أخرج خرطومه يوم السبت فإذا مضى تفرقت، فحفروا حياضًا عند البحر، وشرعوا إليها الجداول فكانت الحيتان تدخلها يوم السبت لأمنها من الصيد، فكانوا يسدون مشارعها من البحر فيصطادونها يوم الأحد، فذلك الحبس في الحياض هو اعتداؤهم، وهذه القصة غير مسطورة في الأسفار القديمة وكانت معروفة لعلمائهم وأحبارهم فأطلع الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم عليها وتلك معجزة غيبية وأوحى إليه في لفظها ما يؤذن بأن العلم بها أخفى من العلم بالقصص الأخرى فأسند الأمر فيها لعلمهم إذ قال: ولقد علمتم 121.

وقوله تعالى: {فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} ، أي: مبعدين من رحمة الله صاغرين ذليلين، وأصله في اللغة من البعد، يقال: خسأ الكلب إذا بعد، فجازاهم الله بأشد أنواع الجزاء، فخرج بهم من محيط النوع الإنساني وأنزلهم أسفل الدركات، فجعلهم يرتعون في مراتع البهائم، وليتهم كانوا في خيارها، بل جعلهم في أخس أنواعها، فهم كالقردة في نزواتها، والخنازير في شهواتها، مبعدين من الفضائل الإنسانية، يأتون المنكرات جهارا عيانا بلا خجل ولا حياء، حتى احتقرهم كرام الناس، ولم يروهم أهلا لمعاشرة ولا معاملة 122.

قال ابن عاشور: «وفي ذلك دليل على أن الله تعالى لا يرضى بالحيل على تجاوز أوامره ونواهيه، فإن شرائع الله تعالى مشروعة لمصالح وحكم، فالتحيل على خرق تلك الحكم بإجراء الأفعال على صور مشروعة مع تحقق تعطيل الحكمة منها جراءة على الله تعالى، ولا حجة لمن ينتحل جواز الحيل، بقوله تعالى في قصة أيوب: {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (44) } [ص:44] .

لأن تلك فتوى من الله تعالى لنبي لتجنب الحنث الذي قد يتفادى عنه بالكفارة، ولكن الله لم يرض أصل الحنث لنبيه؛ لأنه خلاف الأولى فأفتاه بما قاله، وذلك مما يعين على حكمة اجتناب الحنث؛ لأن فيه محافظة على تعظيم اسم الله تعالى، فلا فوات للحكمة في ذلك» 123.

رابعًا: سخط الله عليهم ولعنهم:

ذكر القرآن الكريم أن الله تعالى لعن بني إسرائيل وغضب عليهم.

قال تعالى: {قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (60) } [المائدة:60] .

يخبر تعالى في هذه الآية عن غضبه على بني إسرائيل وأن جزاءهم على أعمالهم القبيحة هو اللعن والغضب، والمسخ.

وقوله: {قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ} ، أي: قل يا محمد لهؤلاء اليهود الذين عابوا على المؤمنين إيمانهم بالله وبما أنزله من كتب سماوية، والذين قالوا لكم: ما نعلم أهل دين أقل حظا في الدنيا والآخرة منكم، ولا دينا شرا من دينكم، قل لهم على سبيل التبكيت والتنبيه على ضلالهم: هل أخبركم بشر من أهل ذلك الدين عقوبة عند الله يوم القيامة؟ هو: {مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ} ، أي: أبعده من رحمته، {وَغَضِبَ عَلَيْهِ} ، أي: غضبا لا يرضى بعده أبدا، {وجعل منهم القردة والخنازير} ، فالقردة: أصحاب السبت، والخنازير: كفار مائدة عيسى عليه السلام، {وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ} ، أي: جعل منهم عبد الطاغوت، أي: أطاع الشيطان فيما سول له، {أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ} ، أي: أولئك المتصفون بما ذكر من الفسوق واللعن والطرد من رحمة الله أولئك المتصفون بذلك شرٌ مكانًا من غيرهم وأكثر ضلالا عن طريق الحق المستقيم من سواهم، فهم في الدنيا يشركون بالله،

وينتهكون محارمه وفي الآخرة مأواهم النار وبئس القرار 124.

خامسًا: ضرب الذلة والمسكنة عليهم:

ذكر القرآن الكريم أن الله تعالى ضرب الذلة والمسكنة على بني إسرائيل.

قال تعالى: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (61) } [البقرة:61] .

بينت الآية قبائح اليهود ودناءة نفوسهم، وأن الله تعالى ضرب عليهم الذلة والمسكنة وهي محيطة بهم كما تظلل الخيمة من فيها، وكانوا نتانى أهل كراث وأبصال وأعداس فنزعوا إلى عكرهم عكر السوء واشتاقت طباعهم إلى ما جرت عليه عادتهم فقالوا: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ} ، وذلك أنهم سئموا من المن والسلوى وملوه، فاشتهوا عليه غيره لأن المواظبة على الطعام الواحد تكون سببا لنقصان الشهوة، وإنما قالوا على طعام واحد وهما طعامان؛ لأنهم أرادوا بالواحد ما لا يتبدل ولو كان على مائدة الرجل ألوان عدة يداوم عليها كل يوم لا يبدلها، يقال لا يأكل فلان إلا طعامًا واحدًا ويراد بالوحدة نفي التبدل والاختلاف أو أرادوا أنهما ضرب واحد لأنهما معا من طعام أهل التلذد والتترف وكانوا من أهل الزراعات فأرادوا ما ألفوا من البقول والحبوب وغير ذلك.

{فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا} ، الفوم: الخبز، وقيل: هو الحنطة، وقيل: هو الثوم، {وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا} ، إنما طلبوا هذه الأنواع لأنها تعين على تقوية الشهوة أو لأنهم ملوا من البقاء في التيه، فسألوا هذه الأطعمة التي لا توجد إلا في البلاد وكان غرضهم الوصول إلى البلاد لا تلك الأطعمة 125.

وقوله تعالى: {أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى} ، أي: الذي هو أخس وأردأ وهو الذي طلبوه، {بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ} ، يعني بالذي هو أشرف وأفضل وهو ما هم فيه، {اهْبِطُوا مِصْرًا} ، يعني إن أبيتم إلا ذلك، فأتوا مصرا من الأمصار، وقيل: بل هو مصر البلد الذي كانوا فيه، {فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ} ، يعني من نبات الأرض 126.

وقوله تعالى: {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ} ، أي: جعلت الذلة محيطة بهم مشتملة عليهم وألزموا الذل والهوان، {وَالْمَسْكَنَةُ} ، أي: الفقر والفاقة، وسمي الفقير مسكينًا؛ لأن الفقر أسكنه وأقعده عن الحركة، فترى اليهود وإن كانوا أغنياء مياسير كأنهم فقراء، فلا ترى أحدا من أهل الملل أذل ولا أحرص على المال من اليهود.

{وَبَاءُوا} ، أي: رجعوا ولا يقال باء إلا بشر، {بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ} ، وغضب الله إرادة الانتقام ممن عصاه {ذَلِكَ} ، أي: الغضب، {بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ} ، أي بصفة محمد صلى الله عليه وسلم وآية الرجم التي في التوراة ويكفرون بالإنجيل والقرآن.

{وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ} ، النبي: معناه المخبر من أنبأ ينبئ، وقيل: هو بمعنى الرفيع مأخوذ من النبوة، وهو المكان المرتفع، {بِغَيْرِ الْحَقِّ} ، أي، بغير جرم 127.

سادسًا: تفريقهم في الأرض:

ذكر القرآن الكريم أن الله تعالى فرق بني إسرائيل في الأرض، قال تعالى: {وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (168) } [الأعراف:168] .

بينت الآية أن الله تعالى فرق بني إسرائيل في الأرض جماعات متفرقة، فقل أرض لا يكون منهم فيها شرذمة وهذا حالهم في كل مكان تحت الصغار والذلة، سواء كان أهل تلك الأرض مسلمين أم كفارا، وقوله: {وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا} ، وفرقناهم فيها، {مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ} ، أي: من هؤلاء الذين وصفهم الله من بني إسرائيل صالحون، وهم من آمن بالله ورسوله وثبت منهم على دينه، {وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ} ، ومنهم ناس دون ذلك الوصف منحطون عنه، وهم الكفرة والفسقة، {وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ} ، بالنعم والنقم، {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} ، لكي يرجعوا إلى طاعة ربهم ويتوبوا إليه 128.

-إن قصة بني إسرائيل في القرآن الكريم فيها الدروس والعظات والعبر الكثير ومنها:

أولًا: إن قصة بني إسرائيل في القرآن الكريم تدور في جملتها حول قضية العقيدة وغرسها في نفوس بني إسرائيل، وإعدادهم للنهوض في حملها وقيادة البشرية، وفي ذلك إشارة لأمة محمد صلى الله عليه وسلم ودعوة لهم لحمل العقيدة بقوة ولا يكونوا كبني إسرائيل.

ثانيًا: إن قصة بني إسرائيل في القرآن الكريم تدور حول محور الأخلاق، فبينت أخلاق بني إسرائيل القبيحة والمهينة، أخلاقهم مع الله جل جلاله، وأخلاقهم مع أنبيائهم، أخلاقهم مع العلماء والدعاة، وفي هذا إشارة لأمة محمد صلى الله عليه وسلم أن يتجنبوا هذه الأخلاق القبيحة ويحذروا منها.

ثالثًا: إن قصة بني إسرائيل في القرآن الكريم ناقشت البعد الاجتماعي الطائفي الذي يدمر المجتمعات الإنسانية ويستعبدها.

قال تعالى: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4) وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) } [القصص:4 - 5] .

وفي هذا تحذير للمؤمنين من أسباب الفرقة، ومحاربة الطائفية والحزبية التي تدمر المجتمعات.

رابعًا: إن الفساد والظلم والطغيان والتكبر ونسيان النعم من أسباب الزوال، ولقد ذكر القرآن الكريم نهاية بني إسرائيل، وأن سبب ذلك هو الفساد والعلو والتكبر والظلم والطغيان.

قال تعالى: {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (4) فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (5) ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (6) إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (7) عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا (8) } [الإسراء:4 - 8] .

وهذا يكشف عن العلاقة المباشرة بين مصارع الأمم وفشو الفساد فيها، وفاقا لسنة الله في هلاك الأمم، وذلك أنه إذا قدر الله الهلاك لقرية جعل إفساد المترفين فيها سببا لهلاكها وتدميرها، وفيه تحذير وعبرة لهذه الأمة 129.

خامسًا: إن قصة بني إسرائيل في القرآن الكريم تدور حول بعث موسى عليه السلام إلى فرعون وملأه، وكيف نصره الله على عدوه، ونصر قومه بني إسرائيل، وأهلك عدوهم كشأن سنة الله في نصر الحق على الباطل، وفي ذلك طمأنينة نفوس المؤمنين الصالحين والمستضعفين أن الله تعالى سوف ينصرهم، وتحذيرهم مما يرمي بهم إلى غضب الله فيما يحقرون من المخالفات، لما في ذلك كله من التشابه في تدبير الله تعالى أمور عبيده، وسنته في تأييد رسله وأتباعهم، وإيقاظ نفوس الأمة إلى مراقبة خواطرهم ومحاسبة نفوسهم في شكر النعمة ودحض الكفران 130.

سادسًا: والعبرة الاجتماعية في قصة بني إسرائيل أن الخطاب في كثير من الآيات كان موجها إلى الذين كانوا في عصر التنزيل، وأن الكلام عن الأبناء والآباء واحد لم تختلف فيه الضمائر حتى كأن الذين قتلوا أنفسهم بالتوبة والذين صعقوا بعد ذلك هم المطالبون بالاعتبار وبالشكر، وما جاء الخطاب بهذا الأسلوب إلا لبيان معنى وحدة الأمة، واعتبار أن كل ما يبلوها الله به من الحسنات والسيئات، وما يجازيها به من النعم والنقم، إنما يكون لمعنى موجود فيها يصح أن يخاطب اللاحق منها بما كان للسابق، كأنه وقع به؛ ليعلم الناس أن سنة الله تعالى في الاجتماع الإنساني أن تكون الأمم متكافلة، يعتبر كل فرد منها سعادته بسعادة سائر الأفراد وشقاءه بشقائهم، ويتوقع نزول العقوبة إذا فشت الذنوب في الأمة وإن لم يواقعها هو، {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (25) } [الأنفال:25] .

وهذا التكافل في الأمم هو المعراج الأعظم لرقيها؛ لأنه يحمل الأمة التي تعرفه على التعاون على الخير والمقاومة للشر فتكون من المفلحين 131.

سابعًا: إن قصة بني إسرائيل في القرآن الكريم بينت عقاب الله تعالى لهم بسبب ما ارتكبوه من انحرافات دينية وأخلاقية واجتماعية، واقترفوه من آثام ونقضوه من مبادئ ووصايا، واستغرقوا فيه من أعراض الحياة الدنيا وبيعهم دينهم وكتابهم بالدنيا، وإن في هذا العقاب الإلهي لعبرة لأولي الألباب، ففي ذلك عظة وذكرى وإنذار للمسلمين ودعوة للاعتبار والازدجار.

كما يستفاد منها أن الشعوب التي تنشأ في مهد الاستعباد تذهب أخلاقها، ويذهب بأسها، وتضرب عليها الذلة والمسكنة وتأنس بالمهانة، وإذا طال عليها الأمد أصبحت تلك الصفات غرائز وطباعا خلقية لها، فإذا خرجوا من بيئتهم ورفع عنهم نير الظلم والاستعباد حنوا إلى ما كانوا فيه، وتاقت نفوسهم إلى الرجوع إليه، وهذا شأن البشر في جميع ما يألفون، ويجرون عليه من خير وشر 132.

ثامنًا: إن قصة بني إسرائيل في القرآن الكريم بينت حال بني إسرائيل في مواجهة الرسل وكشفت مكرهم وكيدهم في إثارة النعرات، وعرت وسائلهم القبيحة وأظهرت نفاقهم والشكوك والتحريفات حول العقيدة، وفي ذلك كله كشف للمجتمع المسلم ليعرف من هم أعداءه، وما طبيعتهم؟ وما تاريخهم؟ وما وسائلهم؟ وما حقيقة المعركة التي تخوضها معهم؟

ولقد علم الله أنهم هم سيكونون أعداء هذه الأمة في تاريخها كله كما كانوا أعداء هدى الله في ماضيهم كله، فعرض لهذه الأمة أمرهم كله مكشوفًا ووسائلهم كلها مكشوفة. فاقتضى هذا أن تلم الأمة المسلمة- وهي وارثة الرسالات كلها وحاضنة العقيدة الربانية بجملتها -بتاريخ القوم، وتقلبات هذا التاريخ وتعرف مزالق الطريق، وعواقبها ممثلة في حياة بني إسرائيل وأخلاقهم، لتضم هذه التجربة في حقل العقيدة والحياة - إلى حصيلة تجاربها وتنتفع بهذا الرصيد وتنفع على مدار القرون. ولتتقي -بصفة خاصة- مزالق الطريق، ومداخل الشيطان، وبوادر الانحراف، على هدى التجارب الأولى 133.

تاسعًا: ومن الدروس المستفادة في، قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (84) } [البقرة:84] .

أي: وإذ أخذنا عليكم العهد: لا يريق بعضكم دم بعض، ولا يخرج بعضكم بعضا من ديارهم وأوطانهم، وقد جعل غير الرجل كأنه نفسه، ودمه كأنه دمه إذا اتصل به دينا أو نسبا، إشارة إلى وحدة الأمة وتضامنها، وأن ما يصيب واحدا منها فكأنما يصيب الأمة جمعاء، فيجب أن يشعر كل فرد منها بأن نفسه نفس الآخرين ودمه دمهم، فالروح الذي يحيا به والدم الذي ينبض في عرقه هو كدم الآخرين وأرواحهم، لا فرق بينهم في الشريعة التي وحدت بينهما في المصالح العامة.

وهذا ما يومئ إليه الحديث: (إنما المؤمنون في تراحمهم وتعاطفهم بمنزلة الجسد الواحد إذا اشتكى بعضه تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر) 134 135.

موضوعات ذات صلة:

الإسراف، الاقتصاد، الزكاة، المال، المن

1 انظر: معجم الحضارات السامية، عبودي هنري ص: 582، بنو اسرائيل في الكتاب والسنة، محمد سيد طنطاوي ص: 9، بنو اسرائيل، مهران محمد بيومي 1/ 29.

2 انظر: معجم الحضارات السامية، عبودي هنري ص: 582، بنو اسرائيل في الكتاب والسنة، محمد سيد طنطاوي ص: 11، بنو اسرائيل، مهران محمد بيومي 1/ 35.

3 انظر: معجم الحضارات السامية، عبودي هنري ص: 582، بنو اسرائيل في الكتاب والسنة، محمد سيد طنطاوي ص: 12، بنو اسرائيل، مهران محمد بيومي 1/ 35.

4 انظر: أطلس الأنبياء والرسل لسامي بن عبد الله المغلوث ص: 121.

5 انظر: أطلس تأريخ الأنبياء والرسل، سامي بن عبد الله المغلوث ص: 147، معجم الحضارات السامية، عبودي هنري ص: 582.

6 انظر: معجم الحضارات السامية، عبودي هنري ص: 586.

7 انظر: معجم الحضارات السامية، عبودي هنري ص: 586.

8 انظر: بنو اسرائيل في الكتاب والسنة، محمد سيد طنطاوي ص: 48.

9 انظر: التفسير القرآني للقرآن 8/ 448.

10 انظر: العبرانيون وبني إسرائيل في العصور القديمة، إبراهام مالمات ص: 121.

11 انظر: رحلة بني إسرائيل إلى مصر، غطاس بن عبد الملك ص: 152.

12 انظر: بنو اسرائيل في الكتاب والسنة، محمد سيد طنطاوي ص: 23.

13 انظر: المصدر السابق.

14 انظر: المصدر السابق ص: 26، أرض الميعاد، حسين فوزي النجار ص: 44.

15 انظر: بنو اسرائيل في الكتاب والسنة، محمد سيد طنطاوي ص: 48.

16 انظر: بنو اسرائيل في الكتاب والسنة، محمد سيد طنطاوي ص: 49.

17 انظر: تفسير المنار، محمد رشيد رضا 1/ 252، تفسير المراغي 1/ 108، التحرير والتنوير، ابن عاشور 1/ 482.

18 انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور 1/ 484.

19 في ظلال القرآن 1/ 69.

20 تفسير المنار 1/ 251.

21 انظر: تفسير الراغب الأصفهاني 1/ 191، التحرير والتنوير، ابن عاشور 1/ 501.

22 انظر: تفسير المنار، محمد رشيد 1/ 264، التحرير والتنوير، ابن عاشور 1/ 502.

23 انظر: جامع البيان، الطبري 13/ 76، مفاتيح الغيب، الرازي 14/ 348، تفسير المراغي 9/ 48، روح المعاني، الألوسي 5/ 36.

24 انظر: النكت والعيون، الماوردي 2/ 254، الكشاف، الزمخشري 2/ 149، بيان المعاني، عبد القادر ملا 1/ 410.

25 انظر: مدارك التنزيل، النسفي 1/ 599، تفسير المنار، محمد رشيد 9/ 88، التحرير والتنوير، ابن عاشور 9/ 76.

26 انظر: البحر المحيط، أبو حيان 5/ 156، التحرير والتنوير، ابن عاشور 9/ 76.

27 انظر: تفسير المراغي 20/ 34.

28 انظر: التفسير الوسيط، محمد طنطاوي 1/ 135، التفسير الحديث، دروزة محمد عزت 6/ 170.

29 انظر: التفسير الوسيط، الواحدي 1/ 143، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 1/ 273، التحرير والتنوير، ابن عاشور 1/ 514.

30 انظر: جامع البيان، الطبري 2/ 103، روح البيان، إسماعيل حقي 1/ 143، تفسير المنار، محمد رشيد رضا 1/ 269، التحرير والتنوير، ابن عاشور 1/ 515.

31 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث الأنبياء، باب حديث الخضر مع موسى عليهما السلام، رقم 3403، 4/ 156، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، رقم 3015، 4/ 2312.

32 انظر: تفسير السمرقندي 1/ 56، مدارك التنزيل، النسفي 1/ 92، التحرير والتنوير، ابن عاشور 1/ 516، التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب 1/ 88.

33 انظر: تفسير السمرقندي 1/ 56، مدارك التنزيل، النسفي 1/ 92، التحرير والتنوير، ابن عاشور 1/ 516.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت