وهذا الأمر أقل أحواله الندب، وإن كان الأولى به ها هنا الوجوب؛ وبخاصة أنه اقترن بأمر أعظم، وهو عبادة الله تعالى، فقد أمر شعيب عليه السلام قومه بأمرين، هما: {اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ} [العنكبوت: 36] ونهي واحد وهو: {وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} [العنكبوت: 36] .
ومعناه كما قال السمعاني: «أي: واخشوا اليوم الآخر، وقيل: الرجاء ها هنا على حقيقته، وهو الأمل» 79.
وقال مقاتل: «يعني: واخشوا البعث الذي فيه جزاء الأعمال» 80.
وقال أبو حيان: «والأمر بالرجاء أمر بفعل ما يترتب الرجاء عليه، أقام المسبب مقام السبب.
والمعنى: وافعلوا ما ترجون به الثواب من الله، أو يكون أمرًا بالرجاء على تقدير تحصيل شرطه، وهو الإيمان بالله، وقال أبو عبيدة: {وَارْجُوا} ، أي: خافوا جزاء اليوم الآخر من انتقام الله منكم إن لم تعبدوه، وتضمن الأمر بالعبادة والرجاء أنه إن لم يفعلوا ذلك وقع بهم العذاب؛ كذلك جاء: {فَكَذَّبُوهُ} وجاءت ثمرة التكذيب، وهي: {فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ} » 81.
أو أنهم: أمروا بالرجاء، والمراد اشتراط ما يسوّغه من الإيمان؛ كما يؤمر الكافر بالشرعيات على إرادة الشرط 82.
وقال أبو السعود: «أي: توقّعوه وما سيقع فيه من فنون الأهوال، وافعلوا اليوم من الأعمال ما تأمنون غائلته» 83.
وإنما قال شعيب بلفظ الرجاء؛ لأن عبادة الله يرجى منها الخير في الدارين 84.
وهذا موافق لما جاء في الحديث الشريف في قوله صلى الله عليه وسلم: (أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملإ، ذكرته في ملإ خير منهم، وإن تقرب إلي بشبر تقربت إليه ذراعًا، وإن تقرب إلي ذراعًا تقربت إليه باعًا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولةً) 85.
فالظن الحسن بالله يعني: الرجاء.
قال ابن الجوزي في التعليق على هذا الحديث: «اعلم أن صدق رجاء المؤمن لفضل الله عز وجل وجوده يوجب حسن الظن به، وليس حسن الظن به ما يعتقده الجهال من الرجاء مع الإصرار على المعاصي» 86.
وقال النووي: «قال العلماء: معنى حسن الظن بالله تعالى أن يظن أنه يرحمه ويعفو عنه، قالوا: وفي حالة الصحة يكون خائفًا راجيًا، ويكونان سواءً، وقيل: يكون الخوف أرجح، فإذا دنت أمارات الموت غلب الرجاء أو محضه؛ لأن مقصود الخوف الانكفاف عن المعاصي والقبائح، والحرص على الإكثار من الطاعات والأعمال، وقد تعذر ذلك أو معظمه في هذا الحال، فاستحب إحسان الظن المتضمن للافتقار إلى الله تعالى، والإذعان له» 87.
والمقصود: أن من أساليب القرآن في الحث على الرجاء الأمر به، كما في قوله: {وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ} ، وهذا الأسلوب من أقوى أساليب الحث على الشيء، إذ هو أمر صريح به.
ثانيًا: الثناء على فاعله:
ومن وسائل القرآن الكريم في الحث على الشيء الثناء على فاعله، والقائم به، وقد حث الله تعالى في القرآن الكريم على أهل الرجاء، الراجين للقاء الله، وحسن ثوابه.
قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (218) } [البقرة: 218] .
فعن قتادة قال: «أثنى الله على أصحاب نبيه محمد صلى الله عليه وسلم أحسن الثناء، فقال: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (218) } [البقرة: 218] .
هؤلاء خيار هذه الأمة، ثم جعلهم الله أهل رجاء كما تسمعون، وأنه من رجا طلب، ومن خاف هرب» 88.
وقال ابن عثيمين: «والرجاء: الطمع في حصول ما هو قريب، ومعلوم أن الطمع بما هو قريب لا يكون قريبًا إلا بفعل ما يكون قريبًا به، وهؤلاء فعلوا ما تكون الرحمة قريبة منهم، والذي فعلوه: الإيمان والهجرة والجهاد، فإذا لم يرج هؤلاء رحمة الله فمن الذي يرجوها؟ فهؤلاء هم أهل الرجاء، فالرجاء لا بد له من أسباب، وحسن الظن لا بد له من أسباب» 89.
والمقصود: أنه مدح أهل الرجاء، مما يدل على فضل الرجاء، والحث عليه، فقال: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا} ، وكرر الموصول لتعظيم الهجرة والجهاد، كأنهما مستقلان في تحقيق الرجاء، {أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ} أثبت لهم الرجاء إشعارًا بأن العمل غير موجب، ولا قاطع في الدلالة، سيما والعبرة بالخواتيم، {وَاللَّهُ غَفُورٌ} لما فعلوا خطأً، وقلة احتياط {رَحِيمٌ} بإجزال الأجر والثواب 90.
ومما يدل على مدح أهل الرجاء قوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ} [الإسراء: 57] .
فهؤلاء جمعوا بين رجاء رحمته، ومخافة عذابه، وهذا هو الرجاء المحمود الذي يكون مع العمل، وبذل الأسباب.
ثالثًا: ذم تاركه:
ومن وسائل القرآن الكريم في الحث على الشيء ذم تاركه؛ فقد ذم القرآن الكريم الذين لا يرجون الحساب، قال الله تعالى: {إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا (27) } [النبأ: 27] .
وهذا خبر عن أصحاب النار بأن من صفاتهم أنهم كانوا في الدنيا لا يرجون الحساب.
ونظير الآية السابقة قوله تعالى: {بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا} [الفرقان: 40] .
قال في الكشاف: « {بَلْ كَانُوا} قومًا كفرةً بالبعث، لا يتوقعون {نُشُورًا} وعاقبةً، فوضع الرجاء موضع التوقع؛ لأنه إنما يتوقع العاقبة من يؤمن، فمن ثم لم ينظروا ولم يذكروا، ومرّوا بها كما مرّت ركابهم، أو لا يأملون نشورًا كما يأمله المؤمنون لطمعهم في الوصول إلى ثواب أعمالهم، أو لا يخافون، على اللغة التهامية» 91.
رابعًا: النهي عن ضده:
ومن وسائل القرآن الكريم في الحث على الشيء النهي عن ضده، فقد نهى الله تعالى في القرآن الكريم عن اليأس والقنوط، الذين هما نقيض الرجاء والأمل، قال الله تعالى: {وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف: 87] .
وقال الله تعالى: {قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ} [الزمر: 53] .
والقاعدة: أن النهي عن الشيء أمر بضده 92.
و {رَوْحِ اللَّهِ} المراد به: رحمته وفرجه، وتيسيره ولطفه في جمع الشتات، وتيسير المراد، ثم علل هذا النهي بقوله: {إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ} ، أي: لا يقنط {مِنْ رَوْحِ اللَّهِ} ، أي: الذي له جميع صفات الجلال والإكرام {إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} ، عياذًا بالله من سلوك سبيلهم، ومشابهة أحوالهم.
والمقصود: أن في قوله: {وَلَا تَيْأَسُوا} ، وقوله: {لَا تَقْنَطُوا} ، نهيين عن القنوط واليأس، يقتضيان الأمر بضدهما، وهو الرجاء والأمل.
خامسًا: اقتران الرجاء بالخوف:
ومن وسائل القرآن الكريم في الحث على الشيء، والترغيب فيه، والدعوة إليه، قرنه بشيء مأمور به، ومرغب فيه، وعطفه عليه.
ومن هذا قرن الرجاء بالخوف الذي هو مطلوب، ومأمور به، قال الله تعالى: {وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ} [الإسراء: 57] .
وهذا في سياق مدح عباد الله الصالحين أنهم جمعوا بين رجاء ما عند الله من الثواب، والخوف من العذاب، فلما قرن بين هاتين الصفتين دل على الحث عليهما، والدعوة إليهما، بحيث يكون حال العبد بين الخوف والرجاء، الخوف من عقاب الله وانتقامه، ورجاء عفوه ورحمته وفضله.
ونظير هذا قوله تعالى: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ} [الزمر: 9] .
فالحذر هو الخوف.
ونظيره أيضًا قوله تعالى: {وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا} [الأنبياء: 90] .
فالرغبة في الدعاء والرهبة كلاهما مطلوب، بدلالة الجمع بينهما في سياق المدح.
سادسًا: الاستفهام:
ومن وسائل القرآن الكريم في الحث على الشيء المحبوب إلى الله، والترغيب فيه، والدعوة إليه، الإنكار على عدم فعله، والاستفهام والتعجب من تركه.
كما قال الله تعالى: {مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (13) } [نوح: 13] .
فقوله: {مَا لَكُمْ} استفهام وتعجب، والمعنى: كيف لا ترجون لله وقارًا وهو خالقكم ورازقكم، ومحييكم ومميتكم، وإليه معادكم؟
فلماذا لا ترجونه وتعظمونه وتوقرونه، وقد دل العقل والشرع على استحقاقه التوقير والتعظيم، لما له من عظمة وكبرياء، ولما له من فضل وإنعام.
فهذا الاستفهام والإنكار عليهم تركهم للرجاء، يدل على الحث عليه، والأمر به؛ إذ لا ينكر الله عليهم إلا ترك ما ينبغي عليهم فعله، والقيام به.
ونظير ذلك قوله تعالى: {فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (20) } [الانشقاق: 20] .
وقوله: {فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا} [النساء: 78] .
قال السعدي: «أي: لا يفهمون حديثًا بالكلية، ولا يقربون من فهمه، أو لا يفهمون منه إلا فهمًا ضعيفًا، وعلى كل فهو ذم لهم وتوبيخ على عدم فهمهم وفقههم عن الله وعن رسوله، وذلك بسبب كفرهم وإعراضهم.
وفي ضمن ذلك مدح من يفهم عن الله وعن رسوله، والحث على ذلك، وعلى الأسباب المعينة على ذلك، من الإقبال على كلامهما وتدبره، وسلوك الطرق الموصلة إليه، فلو فقهوا عن الله لعلموا أن الخير والشر، والحسنات والسيئات، كلها بقضاء الله وقدره، لا يخرج منها شيء عن ذلك، وأن الرسل عليهم الصلاة والسلام لا يكونون سببًا لشر يحدث، هم ولا ما جاءوا به، لأنهم بعثوا بصلاح الدنيا والآخرة والدين» 93.
ذكر الله تعالى في القرآن الكريم بعض الوسائل لتحقيق المرجو، منها:
أولًا: العمل الصالح:
من وسائل تحقيق المرجو العمل الصالح، قال الله تعالى: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110] .
فمن كان يرجو لقاء الله وثوابه ورضوانه وجنته فليعمل، ولا يكتفي بالرجاء المجرد عن العمل، فإن الرجاء الخالي عن العمل عجز وضعف، وأمانٍ باطلة، ولهذا جاء في حديث شداد بن أوس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله) 94.
ولهذا قال الله تعالى: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110] .
وهذا شرط، ولا يتحقق الشرط إلا بوجود المشروط.
وشرط العمل أن يكون صالحًا، لا أي عمل، والعمل الصالح هو العمل الموافق لشرع الله، من واجب ومستحب، وقد وضع العلماء له شرطين:
1.أن يكون خالصًا لوجه الله تعالى.
2.أن يكون متبعًا به سنة رسول الله، وهو ما عبر عنه بقوله تعالى: (? ? ? ?) [الملك: 2] ، وهو أخلصه أصوبه 95.
فالعمل الصالح شامل لأفعال الخير كلها الظاهرة والباطنة، المتعلقة بحقوق الله، وحقوق عباده الواجبة والمستحبة.
والمقصود: أن من أعظم الوسائل التي يتوصل بها إلى تحقيق المرجو والمطلوب العمل الدؤوب للوصول للهدف المطلوب، وهذه قاعدة ثابتة ليست في أمور الآخرة فقط، بل هي حتى في أمور الدنيا، فمن رجا شيئًا سعى إليه، وجد في طلبه، وإلا فقد فرط في الطريق الصحيح للوصول إليه، فمن رجا ولدًا سعى في الزواج، ومن رجا زرعًا زرع وسقى وتعب وجد واجتهد، ومن رجا مالًا سعى في طلبه في العمل، وبذل الجهد.
وأعظم مرجو على الإطلاق هو الحصول على رضوان الله وجنته، ولهذا لا بد أن يكون السعي إليه وطلبه عظيم، لا تواني فيه، ولا تكاسل ولا تردد.
ثانيًا: ترك المناهي:
ومن وسائل الحصول على المرجو ترك المناهي، وأعظمها الشرك بالله تعالى، قال الله تعالى: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110] .
وما يرجوه المؤمن هو دخول الجنة، ومعلوم أنها محرمةٌ على أهل الشرك، لهذا كان ترك الشرك من أعظم الوسائل لتحقيق المرجو الأخروي، وهو رضوان الله، ودخول جنته.
والشرك يشتمل الأكبر والأصغر، ويشمل قوله تعالى: {وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} أيضًا ترك الرياء.
فيكون معنى: {وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} ، أي: لا يرائي بعمله، بل يعمله خالصًا لوجه الله تعالى، فهذا الذي جمع بين الإخلاص والمتابعة، هو الذي ينال ما يرجو ويطلب، وأما من عدا ذلك فإنه خاسر في دنياه وأخراه، وقد فاته القرب من مولاه، ونيل رضاه 96.
وهكذا من يرجو النجاة من عقاب الله عليه أن يترك عموم المعاصي والسيئات، وإلا كان رجاؤه خائبًا، إذ كيف ينجو من العقاب وهو قد فعل كل الأعمال التي يستحق بها العبد عقاب الله وعذابه، قال الله تعالى: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (41) } [النازعات: 40 - 41] .
المقصود: أن من وسائل تحقيق المرجو -وأعظمه الفوز في الآخرة- اجتناب المعاصي، وأعظمها الشرك بالله الذي لا رجاء لمن أتى ربه مشركًا به غيره، قال الله تعالى: {إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (74) } [طه: 74] .
ثالثًا: الدعاء:
ومن وسائل تحقيق المرجو الدعاء، فالدعاء من أعظم الأسباب في حصول ما يرجوه الإنسان ويتمناه من الفوز في الدنيا والآخرة، وانظر إلى دعاء يعقوب عليه السلام لما كان قلبه معلقًا بابنه، وكان يرجو عودته إليه مرة أخرى، لم يفقد الأمل في ذلك، بل كان راجيًا من الله عودة ابنه إليه، ولهذا استعان على ذلك بالدعاء.
قال الله تعالى: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} [يوسف: 83] .
الذي يعلم حاجته، وهذا دعاء، ورغبة إلى الله، ولجوء إليه، فبالدعاء تتحقق جميع المطلوبات والرغبات والرجاءات.
فحقق الله ما رجاءه من عودة ابنه إليه بعد طول السنين والأعوام، قال السعدي في قوله: {وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ} [يوسف: 87] : فإن الرجاء يوجب للعبد السعي والاجتهاد فيما رجاه، والإياس: يوجب له التثاقل والتباطؤ، وأولى ما رجا العباد فضل الله وإحسانه ورحمته وروحه {إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف: 87] .
فإنهم لكفرهم يستبعدون رحمته، ورحمته بعيدة منهم، فلا تتشبهوا بالكافرين، ودل هذا على أنه بحسب إيمان العبد يكون رجاؤه لرحمة الله وروحه 97.
والمقصود: أن من أعظم وسائل الحصول على ما يرجوه العبد من خيرات الدنيا والآخرة الدعاء، ومما يبين ذلك قول أصحاب الجنة: {عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا} هذا رجاء {إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ (32) } [القلم: 32] .
قال مقاتل بن سليمان: «في الدعاء إليه» 98.
رابعًا: الاقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم:
ومن أعظم الوسائل التي يحقق المسلم بها ما يرجوه في الآخرة الاقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم، وإلا فأنى له تحقيق ما يرجو من الفوز والنجاة، وهو بعيدٌ عن سنة الرسول صلى الله عليه وسلم وهديه.
قال الله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (21) } [الأحزاب: 21] .
ونظيرها قوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (6) } [الممتحنة: 6] .
إذ أنه لا طريق موصل إلى الله إلا عن طريقه صلى الله عليه وسلم فهو المبلغ عن الله بأقواله وأفعاله وهديه وخلقه، وكثيرٌ من الناس يظنون أنهم على خير، وأنهم سالكون الطريق المستقيم، الموصل إلى الله، والدار الآخرة، وهم بعيدون عن سنة رسول الله، بل محاربون لها، مبغضون لأهلها، مبتدعون طرقًا غيرها، ثم يرجون ويتمنون الأماني، فأنى لهم الرجاء؟ وكيف لهم النجاة؟ وهم ما عرفوا هديه ولا استقاموا على شريعته، وما استضاءوا بنوره!
ولهذا قال الله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ} [الأحزاب: 21] .
فمن كان يرجو لقاء الله والدار الآخرة فليقتد بالرسول صلى الله عليه وسلم في أفعاله وأقواله، هذا هو الطريق الصحيح الموصل إلى ما يرجوه المسلم.
الرجاء عبادة قلبية عظيمة؛ لها آثار جليلة، وفوائد كبيرة، وثمار عديدة، تعود على العبد في حياته، وبعد مماته، ومن هذه الثمار والآثار:
أولًا: زيادة الإيمان:
من آثار الرجاء زيادة الإيمان، قال الله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ} [الإسراء: 57] .
{يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ} ، أي: يتنافسون في القرب من ربهم، ويبذلون ما يقدرون عليه من الأعمال الصالحة، المقربة إلى الله تعالى، وإلى رحمته، ويخافون عذابه، فيجتنبون كل ما يوصل إلى العذاب، {إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا} ، أي: هو الذي ينبغي شدة الحذر منه، والتوقي من أسبابه.
وهذه الأمور الثلاثة الخوف والرجاء والمحبة التي وصف الله بها هؤلاء المقربين عنده، هي الأصل والمادة في كل خير، فمن تمت له تمت له أموره، وإذا خلا القلب منها ترحلت عنه الخيرات، وأحاطت به الشرور.
وعلامة المحبة ما ذكره الله: أن يجتهد العبد في كل عمل يقربه إلى الله، وينافس في قربه بإخلاص الأعمال كلها لله، والنصح فيها، وإيقاعها على أكمل الوجوه المقدور عليها، فمن زعم أنه يحب الله بغير ذلك فهو كاذب 99.
والمقصود: أن الرجاء عمل قلبي، وعبادة عظيمة، وقد مدح الله صاحبه بقوله: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (9) } [الزمر: 9] .
فاثبت للراجي العلم، والعلم سبب في زيادة الإيمان، والعلماء هم أكثر الناس خشيةً لربهم سبحانه وتعالى، وإيمانًا به، قال الله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28] .
وقال السعدي: «هذه مقابلة بين العامل بطاعة الله وغيره، وبين العالم والجاهل، فليس المعرض عن طاعة ربه، المتبع لهواه، كمن هو قانت، أي: مطيع لله بأفضل العبادات، وهي الصلاة، وأفضل الأوقات وهو أوقات الليل، فوصفه بكثرة العمل وأفضله، ثم وصفه بالخوف والرجاء، وذكر أن متعلق الخوف عذاب الآخرة، على ما سلف من الذنوب، وأن متعلق الرجاء رحمة الله، فوصفه بالعمل الظاهر والباطن» 100.
ثانيًا: الحث على العمل:
ومن آثار الرجاء الحث على العمل، قال الله تعالى: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا} [الكهف: 110] .
فمن ثمار الرجاء أنه يحث على العمل والبذل من أجل تحقيق المرجو، سواءً كان مما يتعلق بأمور الدنيا، أو بأمور الآخرة، فمن رجا شيئًا سعى إليه، وبذل كل ما في وسعه للوصول إليه.