فهرس الكتاب

الصفحة 1737 من 2431

فنجد في هذا النص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، كلٌ آمن بالله -وهو غيب- وآمن بما أنزل الله على رسوله، وما أنزل الله على رسوله فيه جانب من اطلاعه صلى الله عليه وسلم على جانب من الغيب بالقدر الذي قدره الله سبحانه كما قال في الآية الأخرى: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (27) لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا} [الجن: 26 - 28] .

ويبقى من الغيب الذي لا يقوم الإيمان إلا بالتصديق به: قدر الله -وهو غيب لا يعلمه الإنسان حتى يقع- كما جاء في قوله تعالى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} [الحديد: 22 - 23] .

وهذا التلازم بين الإيمان بالغيب وسائر أركان الإيمان يدل عليه أيضًا ويؤكده: أن الله تعالى جعل الكفر بشيء من الأركان، وهو أيضًا غيب، جعله كفرًا بالله تعالى يستحق صاحبه العذاب المهين 31.

فقال سبحانه وتعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (150) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (151) } [النساء: 150 - 151] .

رابعًا: حسن عاقبة الذين يؤمنون بالغيب:

قال سبحانه وتعالى: {جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا (61) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (62) تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا} [مريم: 61 - 63] .

قال السمين الحلبي في (الدر المصون) : «قوله: {بِالْغَيْبِ} فيه وجهان: أحدهما: أن الباء حاليةٌ. وفي صاحب الحال احتمالان، أحدهما: ضمير الجنة وهو عائدٌ الموصول، أي: وعدها، وهي غائبةٌ عنهم لا يشاهدونها. والثاني: أن يكون من {عِبَادَهُ} ، أي: وهم غائبون عنها لا يرونها، إنما آمنوا بمجرد الإخبار منه. والوجه الثاني: أن الباء سببيةٌ، أي: بسبب تصديق الغيب، وبسبب الإيمان به» 32.

وهذا الوجه الثاني ألصق وأوضح في الدلالة علة ما نريد في هذه السطور، فإن إيمانهم بالغيب، وهو أول صفات المؤمنين المتقين المهتدين، هو سبب دخولهم تلك الجنة التي وعدها الله تعالى عباده المؤمنين.

و لابأس بمقتطفات من أقوال المفسرين في تفسير هذه الآية الكريمة. قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: «يقول تعالى: الجنات التي يدخلها التائبون من ذنوبهم، هي {جَنَّاتِ عَدْنٍ} أي: إقامة {الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ} بظهر الغيب، أي: هي من الغيب الذي يؤمنون به وما رأوه؛ وذلك لشدة إيقانهم وقوة إيمانهم. وقوله: {إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا} تأكيد لحصول ذلك وثبوته واستقراره؛ فإن الله لا يخلف الميعاد ولا يبدله، كقوله: {كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا} [المزمل: 18] .

أي: كائنًا لا محالة. وقوله هاهنا: {مَأْتِيًّا} أي: العباد صائرون إليه، وسيأتونه» 33.

ثم يأتي البيان بأن عاقبة الإيمان بالغيب هي دخول الجنة التي يورثها الله عباده الصالحين المتقين. ولا نزال نذكر أن مفتتح سورة البقرة جعلت الكتاب الكريم هدىً للمتقين الذين يأتي في أول صفاتهم صفة الإيمان بالغيب. وهنا يأتي قوله تعالى: {تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا} أي: هذه الجنة التي وصفنا بهذه الصفات العظيمة هي التي نورثها عبادنا المتقين، وهم المطيعون لله عز وجل في السراء والضراء، والكاظمون الغيظ والعافون عن الناس.

وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله: «قوله: {بِالْغَيْبِ} يحتمل أن تكون متعلقة بـ {وَعَدَ الرَّحْمَنُ} فيكون المعنى على هذا، أن الله وعدهم إياها وعدًا غائبًا، لم يشاهدوه ولم يروه فآمنوا بها، وصدقوا غيبها، وسعوا لها سعيها، مع أنهم لم يروها، فكيف لو رأوها، لكانوا أشد لها طلبًا، وأعظم فيها رغبة، وأكثر لها سعيًا! ويكون في هذا مدح لهم بإيمانهم بالغيب، الذي هو الإيمان النافع.

ويحتمل أن تكون متعلقة بـ {عِبَادَهُ} ، أي: الذين عبدوه في حال غيبهم وعدم رؤيتهم إياه، فهذه عبادتهم ولم يروه، فلو رأوه لكانوا أشد له عبادة، وأعظم إنابة، وأكثر حبًا، وأجل شوقًا! ويحتمل أيضًا أن المعنى: هذه الجنات التي وعدها الرحمن عباده، من الأمور التي لا تدركها الأوصاف، ولا يعلمها أحد إلا الله، ففيه من التشويق لها، والوصف المجمل ما يهيج النفوس، ويزعج الساكن إلى طلبها، فيكون هذا مثل قوله: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [السجدة: 17] .

والمعاني كلها صحيحة ثابتة» 34.

ولا يقتصر حسن عاقبة المؤمنين على ما تستقيم به حياتهم الأخروية فحسب، بل إن العاقبة الحسنة تظهر وتبرز هنا في الدنيا قبل الآخرة، فالمؤمنات الصالحات القانتات الحافظات للغيب، تستقيم حياتهن مع أزواجهن في بيوتهن، وهن موضع عناية ووصية يوصي الله تعالى بها الأزواج رعيةً لهن بما حفظن بالغيب.

قال الله تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ} [النساء: 34] .

فإنه يعني: حافظات لأنفسهن عند غيبة أزواجهن عنهن، في فروجهن وأموالهم، وللواجب عليهن من حق الله في ذلك وغيره، فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خير النساء امرأةٌ إذا نظرت إليها سرتك، وإذا أمرتها أطاعتك، وإذا غبت عنها حفظتك في نفسها ومالك) . قال: ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم الآية) 35.

قال الإمام أبو جعفر الطبري رحمه الله: «وهذا الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدل على صحة ما قلنا في تأويل ذلك، وأن معناه: صالحاتٌ في أديانهن، مطيعاتٌ لأزواجهن، حافظات لهم في أنفسهن وأموالهم. وفي الكلام متروك استغني بدلالة الظاهر من الكلام عليه من ذكره، ومعناه: {فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ} [النساء: 34] .

فأحسنوا إليهن وأصلحوا. قال ابن عباس رضي الله عنهما قوله: {فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ} ، يعني: إذا كن هكذا، فأصلحوا إليهن» 36.

وقال الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله: «هذا تفصيل لحال النساء في هذه الحياة المنزلية التي تكون المرأة فيها تحت رياسة الرجل، ذكر أنهن فيها قسمان: صالحات وغير صالحات.

وأن من صفة الصالحات القنوت، وهو السكون والطاعة لله تعالى، وكذا لأزواجهن بالمعروف وحفظ الغيب. أي: حافظات لكل ما هو خاص بأمور الزوجية الخاصة بالزوجين، فلا يطلع أحد منهن على شيء مما هو خاص بالزوج.

ويدخل في هذا وجوب كتمان ما يكون بينهن وبين أزواجهن في الخلوة، ولا سيما حديث الرفث، فما بالك بحفظ العرض، و هذه العبارة هي أبلغ ما في القرآن من دقائق كنايات النزاهة، تقرؤها خرائد العذارى جهرًا، ويفهمن ما تومئ إليه مما يكون سرًا، وهن على بعد من خطرات الخجل أن تمس وجدانهن الرقيق بأطراف أناملها، فلقلوبهن الأمان من تلك الخلجات التي تدفع الدم إلى الوجنات.

ناهيك بوصل حفظ الغيب بما حفظ الله، فالانتقال السريع من ذكر ذلك الغيب الخفي إلى ذكر الله الجلي، يصرف النفس عن التمادي في التفكر فيما يكون وراء الأستار من تلك الخفايا والأسرار، وتشغلها بمراقبته عز وجل.

والمعنى: حافظات للغيب بحفظ الله أي: بالحفظ الذي يؤتيهن الله إياه بصلاحهن، فإن الصالحة يكون لها من مراقبة الله تعالى وتقواه ما يجعلها محفوظة من الخيانة، قوية على حفظ الأمانة، أو حافظات له بسبب أمر الله بحفظه، فهن يطعنه ويعصين الهوى، فعسى أن يصل معنى هذه الآية إلى نساء عصرنا اللواتي يتفكهن بإفشاء أسرار الزوجية، ولا يحفظن الغيب فيها».

وقال العلامة المفسر أبو السعود العمادي رحمه الله: « {فَالصَّالِحَاتُ} شروع في تفصيل أحوالهن وبيان كيفية القيام عليهن بحسب اختلاف أحوالهن، أي: فالصالحات منهن {قَانِتَاتٌ} أي: مطيعات لله تعالى قائمات بحقوق الأزواج {حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ} أي: لمواجب الغيب، أي: لما يجب عليهن حفظه في حال غيبة الأزواج من الفروج والأموال. وقيل: حافظات لأسرارهم.

{بِمَا حَفِظَ اللَّهُ} ما مصدرية، أي: بحفظه تعالى إياهن بالأمر بحفظ الغيب والحث عليه بالوعد والوعيد والتوفيق له، أو موصولة أي: بالذي حفظ الله لهن عليهم من المهر والنفقة والقيام بحفظهن والذب عنهن.

وقرئ {بِمَا حَفِظَ اللَّهَ} بالنصب على حذف المضاف أي: بالأمر الذي حفظ حق الله تعالى وطاعته وهو التعفف والشفقة على الرجال» 37.

وفي هذا المعنى نفسه تتضافر الآيات الكريمة، في بيان ما ينتظر المؤمنين بالغيب من نعيم دائم لا ينقطع، ومن مزيد لهذا النعيم مما ادخره الله تعالى لهم من رؤية الله تعالى، وهي من أعلى وأعظم أنواع النعيم بعد دخول الجنة، مع ما أكرمهم الله تعالى به من الفوز والمغفرة والأجر الكريم، فقال الله تعالى: {مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (33) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (34) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ} [ق: 33 - 35] .

وقال سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} [الملك: 12] .

خامسًا: طريقة القرآن في عرض علم الله الشامل للغيب:

السياق القرآني يعرض المؤثرات العميقة التأثير في القلب البشري، كهذه المؤثرات الغيبية، في رقعة فسيحة هائلة، رقعة فسيحة في الزمان والمكان، وفي الحاضر الواقع، والمستقبل المنظور، والغيب السحيق، وفي خواطر النفس، ووثبات الخيال: ما بين الساعة البعيدة المدى، والغيث البعيد المصدر، وما في الأرحام الخافي عن العيان، والكسب في الغد، وهو قريب من الزمان ومغيب في المجهول، وموضع الموت والدفن، وهو مبعد في الظنون.

إنها رقعة فسيحة الآماد والأرجاء، ولكن اللمسات التصويرية العريضة بعد أن تتناولها من أقطارها، تدق في أطرافها، وتجمع هذه الأطراف كلها عند نقطة الغيب المجهول، وتقف بها جميعا أمام كوة صغيرة مغلقة، لو انفتح منها سم الخياط لاستوى القريب خلفها بالبعيد، و لانكشف منها القاصي والداني، ولكنها تظل مغلقة في وجه الإنسان ووراء علم الإنسان، تبقى خالصة لله لا يعلمها غيره، إلا بإذن منه وإلا بمقدار 38.

«وفي مجال الغيب المكنون، كما في كل مجال من مجالات الكون وآفاقه وآماده، يحيط علم الله سبحانه، وهو العليم بكل شيء، بكل ما في الوجود، كبيره وصغيره، ظاهره وخفيه، دقه وجله، في مجال الزمان: ماضيًا وحاضرًا مهما بلغت كثرة وعظمة، ذاك كله يحيط الله سبحانه وتعالى به علمًا: {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} [الأنعام: 59] .

إنها صورة لعلم الله الشامل المحيط، الذي لا يند عنه شيء في الزمان والمكان، في الأرض ولا في السماء، في البر ولا في البحر، في جوف الأرض ولا في طباق الجو، من حيٍ وميت ويابس ورطب، ولكن أين هذا الذي نقوله نحن -بأسلوبنا البشري المعهود- من ذلك النسق القرآني العجيب؟ وأين هذا التعبير الإحصائي المجرد، من ذلك التصوير العميق الموحي؟

إن الخيال البشري لينطلق وراء النص القصير يرتاد آفاق المعلوم والمجهول، وعالم الغيب وعالم الشهود، وهو يتبع ظلال علم الله في أرجاء الكون الفسيح، ووراء حدود هذا الكون المشهود، وإن الوجدان ليرتعش وهو يستقبل الصور والمشاهد من كل فجٍ ووادٍ، وهو يرتاد -أو يحاول أن يرتاد- أستار الغيوب المختومة في الماضي والحاضر والمستقبل البعيد الآماد والآفاق والأغوار، مفاتحها كلها عند الله، لا يعلمها إلا هو، ويجول في مجاهل البر وفي غيابات البحر، المكشوفة كلها لعلم الله. ويتبع الأوراق الساقطة من أشجار الأرض، لا يحصيها عدٌ، وعين الله على كل ورقة تسقط هنا وهناك. ويلحظ كل حبة مخبوءة في ظلمات الأرض لا تغيب عن عين الله، ويرقب كل رطب ويابس في هذا الكون العريض، لا يند منه شيء عن علم الله المحيط.

إنها جولة تدير الرؤوس، وتذهل العقول. جولة في آماد من الزمان، وآفاق من المكان، وأغوار من المنظور والمحجوب، والمعلوم والمجهول، جولة بعيدة موغلة مترامية الأطراف، يعيا بتصرف آمادها الخيال، وهي ترسم هكذا دقيقةً كاملة شاملة في بضع كلمات، ألا إنه الإعجاز!

وننظر في هذه الآية القصيرة من أي جانب فنرى هذا الإعجاز الناطق بمصدر هذا القرآن.

ننظر إليها من ناحية موضوعها، فنجزم للوهلة الأولى بأن هذا كلام لا يقوله بشر، فليس عليه طابع البشر، إن الفكر البشري -حيث يتحدث عن مثل هذا الموضوع: موضوع شمول العلم وإحاطته- لا يرتاد هذه الآفاق، إن مطارح الفكر البشري وانطلاقاته في هذا المجال لها طابع آخر، ولها حدود، إنه ينتزع تصوراته التي يعبر عنها من اهتماماته، فما اهتمام الفكر البشري بتقصي وإحصاء الورق الساقط في أنحاء الأرض، ومن ثم لا يخطر له أن يتجه هذا الاتجاه ولا أن يعبر هذا التعبير عن العلم الشامل! إنما الورق الساقط شأن يحصيه الخالق، ويعبر عنه الخالق!

وما اهتمام الفكر البشري بكل حبة مخبأة في ظلمات الأرض؟ إن أقصى ما يحفل به بنو البشر هو الحب الذي يخبؤونه هم في جوف الأرض ويرتقبون إنباته، فأما تتبع كل حبة مخبوءة في ظلمات الأرض، فما لا يخطر للبشر على بال أن يهتموا به ولا أن يلحظوا وجوده، ولا أن يعبروا به عن العلم الشامل! إنما الحب المخبوء في ظلمات الأرض شأن يحصيه الخالق، ويعبر عنه الخالق!

وما اهتمام الفكر البشري بهذا الاطلاق: {وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ} إن أقصى ما يتجه إليه تفكير البشر هو الانتفاع بالرطب واليابس ما بين أيديهم، فأما التحدث عنه كدليل للعلم الشامل، فهذا ليس من المعهود في اتجاه البشر وتعبيراتهم كذلك! إنما كل رطب وكل يابس شأنٌ يحصيه الخالق، ويعبر عنه الخالق!

ولا يفكر البشر أن تكون كل ورقة ساقطة وكل حبة مخبوءة، وكل رطب وكل يابس في كتاب مبين، وفي سجل محفوظ، فما شأنهم بهذا، وما فائدته لهم؟ وما احتفالهم بتسجيله؟ إنما الذي يحصيه ويسجله هو صاحب الملك، الذي لا يند عنه شيء في ملكه الصغير كالكبير، والحقير كالجليل، والمخبوء كالظاهر، والمجهول كالمعلوم، والبعيد كالقريب.

إن هذا المشهد الواسع العميق الرائع، مشهد الورق الساقط من شجر الأرض جميعًا، والحب المخبوء في أطوار الأرض جميعًا والرطب واليابس في أرجاء الأرض جميعًا، إن هذا المشهد كما أنه لا يتجه إليه الفكر البشري والاهتمام البشري، وكذلك لا تلحظه العين البشرية ولا تلم به النظرة البشرية، إنه المشهد الذي يتكشف هكذا بجملته لعلم الله وحده المشرف على كل شيء المحيط بكل شيء الحافظ لكل شيء الذي تتعلق مشيئته وقدرته بكل شيء، الصغير كالكبير، والحقير كالجليل والمخبوء كالظاهر والمجهول كالمعلوم، والبعيد كالقريب.

والذين يزاولون الشعور ويزاولون التعبير من بني البشر يدركون جيدًا حدود التصور البشري وحدود التعبير البشري أيضًا، ويعلمون -من تجربتهم البشرية- أن مثل هذا المشهد لا يخطر على القلب البشري، كما أن مثل هذا التعبير لا يتأتى له أيضًا والذين يمارون في هذا عليهم أن يراجعوا قول البشر كله؛ ليروا إن كانوا قد اتجهوا مثل هذا الاتجاه أصلًا!» 39.

الغيب نوعان رئيسان:

-نوعٌ أقام الله تعالى عليه دليلًا عقليًا أو سمعيًا، كالخالق وصفاته تبارك وتعالى، واليوم الآخر وأحواله. وهو المراد بالغيب في قوله تعالى: (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ.

-ونوعٌ لم يجعل عليه دليلًا، لا عقليًا ولا سمعيًا، وهذا هو المعني بقوله تعالى: (وعنده مفاتح الغيب) .

وكل منهما يندرج تحته مراتب فرعية، من حيث إمكانية الاطلاع عليه ومعرفته، وعدم إمكانية ذلك 40.

وفيما يلي إيجاز لهذين النوعين الرئيسين، وما يتفرع عنهما، ثم بيان مفاتح الغيب. وذلك فيما يأتي:

أولًا: الغيب المطلق الحقيقي:

وهو ما يغيب عن الحواس والعقول معًا، ولا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى، فهو محجوب عن الخلق جميعًا، ولا يمكن لمخلوق أن يعلمه.

وهذا هو الغيب الذي تتناوله الآية الكريمة: (قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ ? وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ?65?) [النمل: 65] .

وقال الله تعالى: (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ? وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ? وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ?59?) [الأنعام: 59] .

ثم إن الغيب من هذا النوع ينطوي على مرتبتين اثنتين:

المرتبة الأولى: ما ورد فيه نصٌ صريح بأن الله تعالى قد كتمه عن الخلق جميعًا، حتى الأنبياء والملائكة، كعلم قيام الساعة، وسائر الأمور الخمسة التي هي مفاتح الغيب.

فهذا النوع لا سبيل إلى علمه بالوحي ولا بغير الوحي، فقد قال الله تعالى: (قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ ? وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ?65?) [لقمان: 34] .

وهذه الآية الكريمة من سورة لقمان تفسيرٌ لآية سورة الأنعام السابقة: (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ? وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ? وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ?59?) [الآية 59] .

وقد جاء في الحديث الصحيح عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مفاتيح الغيب خمسٌ لا يعلمها إلا الله؛ لا يعلم ما في غدٍ إلا الله، ولا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله، ولا يعلم متى يأتي المطر أحدٌ إلا الله، ولا تدري نفسٌ بأي أرضٍ تموت، ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله) 41.

وعنه أيضًا رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (مفاتح الغيب خمسٌ، ثم قرأ:(إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ ? وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا ? وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ? إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ) ) 42.

وعن بريدة رضي الله عنه مرفوعًا: (خمسٌ لا يعلمهن إلا الله:(65) إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ ? وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا ? وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ? إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) 43.

ومفاتح الغيب هذه، التي جاءت في سورة لقمان، وفي الأحاديث السالفة، لا مطمع لأحدٍ في علم شيء منها، فمن ادعى علم شيء منها غير مسنده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كان كاذبًا في دعواه 44.

وعلى هذه المرتبة من الغيب يحمل نفي العلم الذي جاء في سورة النمل، في قوله سبحانه وتعالى: ان الله عنده علم الساعة) فهو محجوب حتى عن أنبياء الله تعالى ورسله وملائكته المقربين. وسيأتي فيما بعد إن شاء الله تعالى أن هذا العموم قد يدخله التخصيص في بعض الحالات والمراحل.

المرتبة الثانية: ما لم يرد فيه نصٌ صريح في أن الله كتمه عن الخلق جميعًا، فلله سبحانه وتعالى أن يطلع من شاء من رسله على ما شاء منه، ولا يطلع على هذا النوع أحدًا غير الرسل عليهم الصلاة والسلام.

وقد أخرج الإمام أحمد عن ابن عمر مرفوعًا، وعن ابن مسعود موقوفًا رضي الله عنهم قال: (أوتي نبيكم صلى الله عليه وسلم مفاتيح كل شيءٍ غير الخمس) 45.

وأخرج الطيالسي في (مسنده) عن إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر: (أوتي نبيكم مفاتيح الغيب إلا الخمس) 46.

وعن ابن عمر رضي الله عنهما: (أوتيت مفاتيح كل شيءٍ إلا الخمس: (( قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ ? وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ) الآية) 47.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت