فهرس الكتاب

الصفحة 1784 من 2431

وخصا بالذكر من بين سائر أعمال الصلاة؛ لأنهما أعظم أركانها وأشرفها؛ إذ بهما إظهار الخضوع والعبودية، وتخصيص الصلاة بالذكر قبل الأمر ببقية العبادات في قوله: (وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ) تنبيه على أن الصلاة أهم العبادات، فهي عماد الدين 44.

8.علق الفلاح على تعلق القلب بالصلاة واهتمامه بها.

وهذا من الرباط الذي يدخل تحت قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران: 200] .

وقد فسر الرباط في قولٍ بأنه انتظار الصلاة بعد الصلاة؛ لأن كل من صبر على أمرٍ، ولازمه وثبت عليه، يقال: ربط قلبه عليه، وربط نفسه 45. ويدل له ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات) ؟. قالوا: بلى يا رسول الله. قال: (إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط) 46.

وعلق الفلاح عليها في موضعين من القرآن الكريم، في قوله جل ثناؤه: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [البقرة: 3 - 5] .

ولفظ النفقة في الآية عامٌ في جميع النفقات الممدوح بها، والمحمود عليها 47، ويشمل ذلك النفقات الواجبة والمستحبة، التي تبذل احتسابا وتقربًا إلى الله جل وعلا، على قدر ميسورهم وجهدهم. وأعلى تلك النفقة قدرًا الزكاة، فإن أحب الأعمال إلى الله الفرائض.

وقد بين سبحانه ذلك في سورة لقمان فقال تعالى: {الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} .

وإنما علق الفلاح على الزكاة والنفقة في سبيل الله؛ لما اجتمع فيها من تزكية للنفس وتطهيرها من الصفات الرذيلة، والإحسان إلى الخلق، وبها يتبين أن العبد يؤثر محبة الله على محبته للمال، فيخرج محبوبه من المال، لما هو أحب إليه، وهو طلب مرضاة الله 48.

وقد علق الفلاح على ذكر الله في أربعة مواضع من القرآن الكريم، ثلاثة منها جاء ذكره فيها مقرونًا بعبادات هي من أعظم العبادات في الإسلام، فقد جاء مقرونًا بالجهاد في قوله جل وعز: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الأنفال: 45] .

وبالصلاة في قوله تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الجمعة: 10] .

ومقرونًا بالإيمان وطهارة النفس من الشرك وبالصلاة معًا في قوله جل ثناؤه: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} [الأعلى: 14 - 15] .

وكثرة الذكر جاء بيانها في القرآن الكريم بأن يذكر العبد ربه في كل أحواله، كما في قوله تعالى: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ} [آل عمران: 191] .

وقوله تعالى: {فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ} [النساء: 103] .

والذكر تربية للروح، به تتصل بخالقها، وفيه تظهر قوتها، وبسببه يتنزل المدد من خالق الأرض والسماء، وبأخذ الأسباب المادية والروحية يتحقق النصر والظفر على الأعداء، والإنسان المسكين إذا فقد حظه من ربه خسر كل شيءٍ من أمره 49.

وكثرة الذكر سببٌ في انشراح الصدر، وطمأنينة القلب، وزوال الهم والغم، قال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28] .

والموطن الرابع الذي علق فيه الفلاح على ذكر الله، كان الذكر فيها خاصًا، وهو ذكر آلاء الله ونعمه، قال سبحانه: {فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الأعراف: 69] .

إذ يستشعر العبد بقلبه عظيم منن الله عليه، فيعظم حبه ورجاءه له، وينطلق لسانه بالثناء على النعماء، وتقبل جوارحه على الطاعة، فهو يذكر فيشكر، ويتحدث بفضل الله تعالى عليه، كما في قوله: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} [الضحى: 11] .

وهو من أجل الطاعات وأفضل القربات؛ لما فيه من المصالح العاجلة، والمنافع الآجلة؛ إذ فيه محقٌ لأعداء الله، وإعزاز للدين، وصون لدماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم، مع ما فيه من المشقة العظيمة، من بذل للنفوس والأموال، ومفارقة للأهل والأوطان 50.

ولما كان الجهاد في سبيل الله كذلك وعد بالفلاح وعلق عليه في القرآن الكريم وعلى بعض أحواله وصفاته، في أربعة مواضع منه، وتنوعت الأساليب في ذلك:

1.علق الفلاح على الرباط في سبيل الله، وذلك في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [آل عمران: 200] . والمرابطة في الآية: «مرابطة الغزو في نحور العدو، وحفظ ثغور الإسلام وصيانتها عن دخول الأعداء إلى حوزة بلاد المسلمين» 51، وقد وردت الأخبار في بيان ثوابه، والترغيب فيه، فروى البخاري في صحيحه، عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها) 52. وروى مسلم، عن سلمان الفارسي رضي الله عنه، عن رسوله الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأجري عليه رزقه، وأمن الفتان) 53.

2.علق الفلاح على فعل الجهاد في سبيل الله مقرونا بغيره من الأعمال الصالحة، وذلك في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [المائدة: 35] . والجهاد: بذل الجهد في قتال الأعداء من الكفار والمشركين بالمال، والنفس، والرأي، واللسان، والسعي التام في نصر دين الله بكل ما يقدر عليه العبد 54. ويدخل تحت لفظ الجهاد بذل الجهد واستفراغ الوسع في مجاهدة الشيطان وخطواته، ومجاهدة النفس الأمارة بالسوء لحملها على فعل الطاعة وترك المعصية 55.

3.علق الفلاح على الثبات عند لقاء الأعداء، وهو من عوامل الظفر والفوز في الدنيا، وقد جاء ذكر هذا السبب في موضعٍ واحدٍ، مقرونًا بالإكثار من ذكر الله تعالى، فقال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [الأنفال: 45] .

4.وعد الله المجاهدين في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، بكل خير وفلاح في الدنيا والآخرة، فقال سبحانه: (لَ?كِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ? وَأُولَ?ئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ ? وَأُولَ?ئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [التوبة: 88] .

وقد جاء عد ذلك من أسباب تحقق الفلاح في الدنيا والآخرة، في قوله جل ثناؤه: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104] .

وقوله سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الحج: 77] .

والخير «اسم جامع لكل ما يقرب إلى الله ويبعد من سخطه» 56، وروي عن مقاتل بن حيان تفسير الدعوة إلى الخير بالدعوة إلى الإسلام 57، ومراده بالدعوة إليه: الدعوة إلى خصال الإسلام وشرائعه التي شرعها الله لعباده 58.

وفعل الخير والدعوة إليه صورة من صور تكاتف الأمة وتلاحمها في السعي إلى الرقي بأبنائها في مدارج الكمال، وتكميل جوانب النقص والحرمان، والجمع بينهما سبيل الأنبياء والمصلحين.

قال تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [فصلت: 33] .

وقد جاء في موضع واحد عده من أسباب تحقق الفلاح في الدنيا والآخرة، وذلك في قوله تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104] .

فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر علامة لأهل الخير والطاعة، وتركه مع القدرة سبب في حلول العقاب، ومنع إجابة الدعاء، والسؤال عنه يوم القيامة.

وهو صفة الأنبياء ومن تبعهم من المؤمنين، قال جل ثناؤه: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الأعراف: 157] .

وقال سبحانه: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ} [التوبة: 71] .

«والمعروف: اسم لكل فعل يعرف بالعقل أو الشرع حسنه، والمنكر: ما ينكر بهما» 59.

والمقصود به الأمر بكل ما يقرب العباد إلى الجنة، ويبعدهم من النار، والنهي عن كل ما يقربهم إلى النار ويبعدهم من الجنة.

ومن أعظم الأمر بالمعروف: الدعوة إلى الله وحده، وعبادته لا شريك له، والدعوة إلى اتباع محمد صلى الله عليه وسلم، ودينه الذي جاء به من عند الله. وأعظم النهي عن المنكر: النهي عن الكفر بالله، والتكذيب بمحمد صلى الله عليه وسلم، وبما جاء به من عند الله، ثم الأمر بعد ذلك درجات، فيؤمر بكل ما هو طاعة لربهم، وينهى عن كل ما هو معصية لربهم 60.

أولًا: زكاة النفس، ووقايتها من الشح:

من صفات المفلحين أن أنفسهم أنفس زكية؛ لأنهم يسعون في تهذيبها وتزكيتها، قال جل ثناؤه: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى} [الأعلى: 14] .

وقال سبحانه: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس: 9 - 10] .

ومادة زكى في اللغة تدل على النماء والطهارة 61.

ولفظ التزكية في الآيات عامٌ يدخل فيه تزكية النفس وتطهيرها بالإيمان الذي هو ضد الكفر، وبالطاعة التي هي ضد المعصية، وبالأخلاق الحميدة التي هي ضد الأخلاق الرذيلة، ويدخل فيه تزكية العمل بمتابعة النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم.

ومن الصفات التي لها آثارٌ ذميمة، وجاءت النصوص بذمها، والثناء على من زكى نفسه فتطهر منها، وتحلى بضدها صفة الشح؛ وقد جاء التصريح بأن توقي شح النفس من صفات المفلحين.

قال عز وجل: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [التغابن: 16] .

وفي إضافة الشح إلى النفس، دلالة على أنه من طباع النفوس وغرائزها، ويدل لذلك قوله سبحانه: {وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ} [النساء: 128] .

وفي قول: {وَمَنْ يُوقَ} إشارة إلى إمكان التوقي منه 62، ودفعه بمجاهدة النفس.

و «الشح هو شدة الحرص على الشيء، والإحفاء في طلبه، والاستقصاء في تحصيله، وجشع النفس عليه» 63.

ويترتب على ذلك ضيق النفس وعدم إرادتها بل وكراهتها وصول الخير إلى الغير. وهذا أساس الشر والهلاك الظاهر والباطن؛ إذ يحمل صاحبه على البخل؛ بامتناعه عن نفع غيره، وعلى الظلم بإلحاق الضرر بالمنعم عليه في نفسه وماله وعرضه، ويحمل على الحسد وهو كراهة ما اختص به الغير وتمني زواله، والذي يجمع بين سيئتي البخل والظلم، فإذا كان الحال كذلك بين الأقارب كانت قطيعة الرحم 64.

وأعظم نفوسٍ برئت من هذه الصفة، هي نفوس الأنصار أهل الدار، أنصار النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم، فقد زكاهم الله جل ثناؤه في كتابه الكريم بذلك، فقال عز من قائلٍ: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: 9] .

ثانيًا: المسارعة إلى الخيرات:

حث الله عزو جل عباده المؤمنين على فعل الخير، والسعي في طلب كل وسيلة تقرب إليه سبحانه، من الإيمان به، ومحبته، وطاعته، والعمل بما يرضيه، وعلق على هذا تحقق الفلاح والسعادة في الدنيا والآخرة، فقال سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة: 35] .

وقال عز من قائلٍ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الحج: 77] .

وجاء الحث فيهما بصورة الأمر في قوله: {وَابْتَغُوا} وقوله: {وَافْعَلُوا} ، الذي يتضمن معنى المسارعة والسابقة إلى فعل الطاعات والاستكثار من الخيرات 65.

وفي هذا دلالة أن من صفات المؤمنين المفلحين: المسابقة والمسارعة إلى ثواب الله وجنته بالأعمال الصالحة. وقد ندب الله جل وعلا إلى هذه الصفة، فقال: {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} [البقرة: 148] .

وأثنى الله جل ثناؤه على أنبياءه عليهم السلام، فقال: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ} [الأنبياء: 90] .

وأثنى سبحانه على عباده المؤمنين من أهل الكتاب بهذه الصفة فقال: {يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ} [آل عمران: 114] .

وعلى المؤمنين من هذه الأمة فقال: {أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} [المؤمنون: 61] .

ومن لازم هذه المسارعة في الخيرات الاستكثار من الأعمال الصالحة، قال جل ثناؤه: في وصف عباده المفلحين: {فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الأعراف: 8] .

ثالثًا: أداء الأمانات والحقوق:

عظم الله جل ثناؤه شأن الحقوق وأمر بالقيام بها، ومن ذلك قوله جل وعز: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [الإسراء: 23] .

وقوله بعد ذلك: {وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا} [الإسراء: 26] .

وعظم سبحانه شأن من يرعى هذه الحقوق ويقوم بحقها، وجعل ذلك مناطًا للمدح في كتابه الكريم، فجاء في موطنين وصف المؤمنين المستحقين للفلاح بهذه الصفة.

الآية الأولى: قوله تبارك وتعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} [المؤمنون: 1] .

ثم ذكر من صفاتهم: {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} [المؤمنون: 8] .

فاشتملت هذه الآية على صفتين من صفات عباد الله المفلحين:

1.أداء الأمانة.

وهذا عام في جميع الأمانات التي هي حق لله، من فرائضه التي ائتمن الناس عليها، قال تعالى: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ ? إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) [الأحزاب: 72] 66، «وهي أمانة التكليف وقبول الأوامر والنواهي بشرطها، وهو أنه إن قام بذلك أثيب، وإن تركها عوقب، فقبلها الإنسان على ضعفه وجهله وظلمه، إلا من وفق الله» 67. فجميع ما أوجبه الله على عبده فهو أمانة.

ومنها الاستجابة التامة، والسمع والطاعة المطلقة لحكم الله، وحكم رسوله صلى الله عليه وسلم. قال تعالى: (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ? وَأُولَ?ئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [النور: 51] .

ويدخل في الأمانة أيضًا حفظ الجوارح من كل ما لا يرضي الله تعالى 68. ومنها حفظ ما أؤتمن عليه من أمانات الناس الحسية كالأموال، والمعنوية كالأسرار، وتعاهدها بالرعاية، والمحافظة وعدم التضييع، قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى? أَهْلِهَا) [النساء: 58] 69.

2.الوفاء بالعهد.

وهو «حفظ الشيء ومراعاته حالا بعد حال، وسمي الموثق الذي يلزم مراعاته عهدًا» ، والوفاء به إتمامه وعدم نقض حفظه 70.

ولفظ الآية عام في جميع ما أخذ على الإنسان العهد بحفظه من حقوق الله -جل وعلا-، قال سبحانه: (وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا) [الأنعام: 152] .

«وذلك أن يطيعوه فيما أمرهم به ونهاهم، وأن يعملوا بكتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم» 71، ومن الوفاء بالعهد حفظ ما بينه وبين الناس من حقوق والتزامات، يجب عليه مراعاتها والوفاء بها، ويحرم عليه إهمالها والتفريط فيها 72.

الآية الثانية: قال تبارك وتعالى: (فَآتِ ذَا الْقُرْبَى? حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ? ذَ?لِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ ? وَأُولَ?ئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَھ) [الروم: 38] .

فجعل الله جل ثناؤه من صفات عباده المفلحين القيام بحق القريب في الصلة والإحسان إليه بوجوه البر المتنوعة، وحق المحتاج والغريب المنقطع به الطريق في الزكاة والصدقة. فإن لم يكن عنده مالٌ يؤتيه للقريب والمحتاج فلا أقل من أن يرفق بهم بفعله وقوله، بكلام لين سهل، فيقول لهم معروفًا، ويعدهم خيرًا.

قال تعالى: (وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلًا مَّيْسُورًا) [الإسراء: 28] .

رابعًا: البعد عن المحرمات، وحفظ الفروج:

1.البعد من المحرمات.

وقد تنوعت الأساليب التي سلكها القرآن الكريم في التنبيه والدلالة على هذه الصفة:

2.حفظ الفروج.

فقد أمر الله جل ثناؤه بحفظ الفروج، فقال جل وعز: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ} [النور: 30] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت