فهرس الكتاب

الصفحة 1659 من 2431

فهؤلاء المنافقون إذا وعظوا وقيل لهم: انزعوا عن أفعالكم القبيحة، حملتهم الأنفة وحمية الجاهلية على التكبر عن قبول الحق، فأغرقوا في الإفساد وأمعنوا في العناد؛ لأنهم يرون أنفسهم فوق نصيحة الناصحين، ونقد الناقدين، أي: نحن مقصورون على الإصلاح، ولا نعرف الإفساد، فكيف ننهى عنه مع أننا لم نفعله؟ وهذا كمال.

قال الله عنهم في آية أخرى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ} [البقرة: 206] .

فالمنافقون بقولهم: {إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} «قصروا نفوسهم على الإصلاح، وذلك أن (إنما) تدل على القصر، أي: قصرهم على الصلاح، لا يكون منهم فساد قط، وذلك أعظم الغرور وأشد الفساد، فكل ما يفعلون يعدونه إصلاحًا، ولا يعدونه فسادًا، وذلك الغرور لا يكون إلا ممن أحاطت به خطيئته، فأصبح لا يرى إلا ما يكون في دائرتها، وقد سدت عنه كل منافذ الخير» 73.

وقد رد الله سبحانه عليهم بقوله: {أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ} [البقرة: 12] .

ومن هدايات الآية: أن الإصلاح في الأرض يكون بالعمل بطاعة الله ورسوله، والإفساد فيها يكون بمعصية الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، والعاملون بالفساد في الأرض يبررون دائمًا إفسادهم بأنه إصلاح وليس بإفساد.

2.احتقار المؤمنين ورفض الإيمان.

المنافقون يرون المؤمنين ناقصي العقل والتفكير، فهم دائمو الاحتقار لهم والاستهزاء بهم، وإذا أعلنوا إيمانهم فذلك استهزاء منهم بالمؤمنين، وهذا ما ذكره الله من حالهم وصفاتهم حيث قال سبحانه وتعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (13) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} [البقرة: 13 - 14] .

«أي: وإذا قيل للمنافقين: آمنوا إيمانًا صادقًا لا يشوبه نفاقٌ ولا رياء، كما آمن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وأخلصوا في إيمانكم وطاعتكم لله {قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ} الهمزة للإنكار مع السخرية والاستهزاء، أي قالوا: أنؤمن كإيمان هؤلاء الجهلة أمثال صهيب، وعمار، وبلال ناقصي العقل والتفكير؟!» 74.

ولقد حكم الله تعالى على هؤلاء المنافقين، وهو الحكم العدل، وهو خير الفاصلين، فقال تعالت كلماته مؤكدًا ومنبهًا وحاصرًا السفاهة فيهم: {أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ} «يقرر الله تعالى الحكم عليهم بالسفه، وجعلهم مقصورين عليه يدورون في إطاره ويسارعون فيه، فهم يخرجون من سفه إلى سفه، ويسارعون في السفاهة، ويسيرون فيها حتى يصلوا إلى الدرك الأسفل منها» 75.

وقوله: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} «أي: وإذا رأوا المؤمنين وصادفوهم أظهروا لهم الإيمان والموالاة نفاقًا ومصانعة.

{وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ} أي: وإذا انفردوا ورجعوا إلى رؤسائهم وكبرائهم، أهل الضلال والنفاق.

{قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} أي: قالوا لهم: نحن على دينكم وعلى مثل ما أنتم عليه من الاعتقاد، وإنما نستهزئ بالقوم ونسخر منهم بإظهار الإيمان» 76.

كان للإسلام منهجه المتميز في علاج داء العنصرية، وهذا العلاج يتمثل في أمور عدة:

أولًا: التذكير بأصل الخلق:

قرر الإسلام أن أصل البشر واحد، وهو التراب، فقال سبحانه وتعالى: {فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ} [الحج: 5] .

والأصل الثاني آدم عليه السلام، خلق الله منه زوجه حواء، وبث منهما أولادهما، فقال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً} [النساء: 1] .

فإذا كان الأصل واحدًا، فلا معنى لأن يفخر أحد على أحد، أو يتعالى أحد على أحد.

والملاحظ في آية سورة النساء أن القرآن نبه إلى التعاطف الأخوي الإنساني في أسلوب يوقظ الحس، ويوضح أن الناس من نفس واحدة، فلابد من التعاطف والتراحم بينهم، وقد عبر بقوله سبحانه: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ} فالخطاب للناس جميعًا، وعبر بقوله: {رَبَّكُمُ} فالله رب الناس جميعًا، فهم إذًا سواء.

«ولو تذكر الناس هذه الحقيقة -أصل الخلق-، لتضاءلت في حسهم كل الفروق الطارئة، التي نشأت في حياتهم متأخرة، ففرقت بين أبناء النفس الواحدة، ومزقت وشائج الرحم الواحدة. وكلها ملابسات طارئة ما كان يجوز أن تطغى على مودة الرحم وحقها في الرعاية، وصلة النفس وحقها في المودة، وصلة الربوبية وحقها في التقوى.

واستقرار هذه الحقيقة كان كفيلا باستبعاد الصراع العنصري، الذي ذاقت منه البشرية ما ذاقت، وما تزال تتجرع منه حتى اللحظة الحاضرة في الجاهلية الحديثة، التي تفرق بين الألوان، وتفرق بين العناصر، وتقيم كيانها على أساس هذه التفرقة، وتذكر النسبة إلى الجنس والقوم، وتنسى النسبة إلى الإنسانية الواحدة والربوبية الواحدة» 77.

وقد أخبر رب العالمين أنه خلق الناس من ذكر وأنثى، وفرعهم شعوبًا وقبائل، وبين الحكمة من ذلك فقال: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات: 13] .

هذا إعلام من الرب تبارك وتعالى إلى جميع الناس بأن أصلهم واحد ومرجعهم واحد، فقد خلقهم جميعا من نفس واحدة، وخلق منها زوجها وهما آدم وحواء عليهما السلام، ونوعهم إلى قبائل وشعوب، وهذا التنوع في الأنساب وفي الألوان وفي الألسنة، ومثله التنوع في الطبائع وفي الأخلاق وفي المواهب كل ذلك الهدف منه التعارف والوئام والتعاون للنهوض بجميع التكاليف، والوفاء بجميع الحاجات.

والله تبارك وتعالى العليم الخبير هو الذي وزنهم عن علم وخبرة، وبثهم في الأرض رجالا ونساء وشعوبًا وقبائل من هذا الأصل الواحد، فإذا تفاخر الناس بأنسابهم وبأصولهم وبقبائلهم، فعليهم أن يتذكروا أن العليم الخبير الذي بثهم من التراب والطين يسمعهم ويراهم، هو العليم بأصلهم، خبير بأحوالهم، أليس هو الذي خلقهم! {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك: 14] .

فالإسلام أكد على أن الناس خلقوا من أب واحد وأم واحدة، وما حصل من اختلاف اللون والمكان، وتفرع الناس إلى قبائل وشعوب لا يجعل لأحدهم تمييزًا عنصريًّا على الآخر.

ثانيًا: التقوى ميزان التفاضل:

لقد قضى الإسلام قضاء مبرمًا على كافة أنواع العنصرية القائمة على اختلاف اللون أو الجنس أو اللغات، فالأبيض كالأسود والعربي كالعجمي، لا يتفاضلون ولا يتمايزون إلا بالتقوى والعمل الصالح، فأكرم الناس أتقاهم كما جاء في الآية الكريمة: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات: 13] .

فإن التفاضل لا يرجع إلى الجنس ولا إلى اللون ولا إلى الوطن، ميزان التفاضل واحد هو الإيمان، ثم المؤمنون فيما بينهم يتفاوتون ويتفاضلون، وميزان التفاضل فيما بينهم هو التقوى، فأتقاهم لله تعالى هو أكرمهم عنده، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم) 78.

فالناس جميعًا في أصلهم وفي شرفهم وفي عنصرهم ينتسبون إلى أصل واحد هو الطين والتراب، ولذلك لا يتفاوتون في هذا، لا يتفاوتون في الأصل ولا في الشرف، إنما يتفاوتون في الأمور الدينية، في طاعة الله تبارك وتعالى، وفي متابعة رسوله صلى الله عليه وسلم، أما تقسيمهم إلى شعوب وإلى قبائل وأما اختلافهم في الأنساب فالمقصود منه التعارف والتآلف. هذا هو المبدأ العظيم الذي جاء به ديننا القويم فكرس مبدأ المساواة بين البشر، وجعل ميزان التفاضل واحدا هو الإيمان والتقوى، فالناس إنما يتفاضلون بهذا الميزان.

فقد «استأصل الإسلام منذ فجر دعوته الإصلاحية الكبرى كل المعاني والروابط القبلية والعنصرية والعرقية، وأحل محلها روابط أخلد وأقوى وأمتن، وهي روابط الإيمان والهجرة والجهاد والإيواء والنصرة

وهذا التصنيف هو ما ذكرته أواخر سورة الأنفال في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (72) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (73) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (74) وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الأنفال: 72 - 75] » 79.

وقد أكد الرسول صلى الله عليه وسلم على هذا المبدأ، فقد وقف في حجة الوداع ليعلن في خطابه الخالد: (إن ربكم واحد، وأباكم واحد، ولا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا أحمر على أسود، ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى) 80.

«ولم تكن هذه المساواة لتقف عند حدود المبادئ التي تعلن في مناسبات متعددة - كما يقع من زعماء الحضارة الحديثة اليوم- بل كانت مساواة مطبقة تنفذ كأمر عادي لا يلفت نظرًا، ولا يحتاج إلى تصنع أو عناء، فقد نفذت في المساجد حيث كان يلتقي فيها الأبيض والأسود على صعيد واحد من العبودية لله عز وجل والخشوع بين يديه. ولم يكن الأبيض ليجد غضاضة أو حرجًا في وقوف الأسود بجانبه.

ونفذت في الحج حيث تلتقي عناصر البشرية كلها من بيضاء وملونة على صعيد واحد وبثياب واحدة من غير تميز بين أبيض وأسود أو استعلاء من البيض على السود. بل إننا لنجد ما هو أسمى من هذا، فقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالًا الحبشي يوم فتح مكة أن يصعد فوق الكعبة ليؤذن من فوقها ويعلن كلمة الحق، والكعبة هي الحرم المقدس عند العرب في الجاهلية، وهي القبلة المعظمة في الإسلام، فكيف يصعد عليها عبد ملون كبلال؟ كيف يطؤها بقدميه؟

إن مثل هذا أو قريبًا منه لا يتصور في الحضارة الحديثة في أمريكا مثلا، ولكن حضارتنا فعلته قبل أربعة عشر قرنا، فما كان صعود بلال على سطح الكعبة إلا إعلانا لكرامة الإنسان على كل شيء، وأن الإنسان يستحق هذه الكرامة لعلمه وعقله وأخلاقه وإيمانه لا لبشرته وبياضه، فما يقدم الإنسان بياضه إذا أخره عمله، ولا يؤخره سواده إذا قدمه ذكاؤه واجتهاده» 81.

إن مجتمعًا يقف فيه بلال الحبشي، وصهيب الرومي، وسلمان الفارسي، وخباب بن الأرت، وعمار بن ياسر بجانب أبي سفيان، وعثمان بن عفان، وعمر بن الخطاب لدليل قاطع على أن العصبيات والقوميات والجنسيات قد ذهبت إلى غير رجعة، وانصهرت في عقيدة واحدة، هي عقيدة التوحيد، تحت لواء واحد، هو لواء الإسلام.

ولا يخفى أن الاستعمار البغيض لم يستطع أن يبسط نفوذه على الأمة الإسلامية إلا بعد أن فرقها شيعا وأحزابا وأقام بينها حواجز مصطنعة، تتقاطع من أجلها وتتقاتل في سبيل هذه الحدود الاعتبارية التي ما أنزل الله بها من سلطان، وشد ما نحزن حينما نعلم أن الخلاف يصل إلى عنفوانه، وإلى درجة سفك الدماء والذهاب بالرجال والمعدات بسبب الحدود المصطنعة، إنها مسألة مرسومة بريشة العدو الثلاثي المشترك «الصهيونية والشيوعية والصليبية» لإثارة العداوات 82.

فالإسلام أرسى بصورة عملية المبدأ الأساس للتفاضل بين الناس وهو التقوى والعمل الصالح، مع عدم الاعتراف بالامتيازات الطبقية أو النفوذ الموروث، وقد كانت أعظم صورة لتطبيق هذا المبدأ ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم حين آخى بين المسلمين، حتى صار في فجر الإسلام يستظل بمظلة الإسلام الكبرى شتى الجنسيات المختلفة، فهنا سلمان الفارسي، وهنا بلال الحبشي، وهنا صهيب الرومي، والكل يعيش في ظل راية الإسلام، وتحت مظلة: لا إله إلا الله، محمد رسول الله.

أما العالم اليوم فقد دمر بالحروب وبالتفرقة العنصرية، وتمزق بالتعصب الشخصي والمصلحة الخاصة، ولكن الإسلام بتعاليمه يذيب الفوارق بين تلك الجنسيات فيعيش الحبشي والرومي والفارسي والعربي والعجمي جميعًا تحت مظلة الإسلام، فالإسلام يذيب الفوارق ويجمع الشتات، ويربط الجميع بأخوة واحدة، ويصبح هذا التآخي بمثابة التلاحم، قال تعالى: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الحشر: 9] .

ويقول صلى الله عليه وسلم: (مثل المسلمين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) 83.

وقد كان إرساء هذه الدعائم من أعظم ما سهل نشر الهداية الإسلامية، وتقارب عناصر البشرية وامتزاجها بعضها ببعض حتى كان ثمرة اتحادها.

ثالثًا: إبطال دعاوى العنصرية:

لقد قضى الإسلام على كل دعاوى العنصرية التي يتمسك بها العنصريون، وأهم ما أبطل به الإسلام دعاوى العنصرية ما يأتي:

1.بيان أن اغترارهم بالأموال والأنصار لن يغني عنهم شيئًا.

فقد قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ} [آل عمران: 10] .

فقد أخبر الله أن «الذين جحدوا الدين الحق وأنكروه، لن تنفعهم أموالهم ولا أولادهم من عذاب الله شيئًا إن وقع بهم في الدنيا، ولن تدفعه عنهم في الآخرة، وهؤلاء هم حطب النار يوم القيامة» 84.

وبين سبحانه أن أموالهم وأولادهم قد تكون سببًا في تعذيبهم في الدنيا والآخرة فقال سبحانه: {فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ} [التوبة: 55] .

وأوضح القرآن أن أموال العنصريين وأولادهم لن تقربهم من الله في الآخرة، وإنما الإيمان وحده هو سبب القربى في الآخرة، فقال سبحانه: {وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (35) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (36) وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ} [سبأ: 35 - 37] .

فهذا «رد آخر على ادعاء المترفين، بأن أموالهم وأولادهم هي التي تقربهم من الله، وتدنيهم من مرضاته، وكلا فإن الأموال والأولاد لا تقرب من الله إلا بقدر ما يكون لأصحاب الأموال والأولاد من إيمان بالله، وإحسان في العمل» 85.

2.طبيعة الخلقة غير صالحة كميزان للتفاضل.

من الأمور التي تقوم عليها العنصرية هي التفريق بين الناس بناء على الجنس أو اللون أو اللغة أو غير ذلك مما يتعلق بطبيعة الخلقة، وتتعصب لهذه الأمور، وقد تخوض الحروب بناء على هذه الأمور، وهذه الأمور لا تصلح أبدًا أن تكون مقياسًا للتفاضل بين البشر؛ لأنه لا دخل لأحد فيها، فالإسلام ساوى بين البشرية جميعًا في أصل الخلق، فلا اعتبار لاختلاف لون أو لسان أو غير ذلك ما دام الأصل واحدًا، بل اعتبر الإسلام اختلاف الألسنة والألوان في النوع البشري، مع وحدته الأصلية، آية من آيات الله الكبرى، ودليلا من دلائل قدرته وبالغ حكمته فقال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ} [الروم: 22] .

فالآية ترشدنا إلى أن الذين يمارسون العنصرية بناء على اختلاف الألوان أو اللغات «فاتهم أن جميع الكائنات البشرية إخوة، وأن وراء هذه الألوان المتعددة روحًا واحدة لا لون لها، وأن إلهًا واحدًا هو الذي خلقهم جميعًا، وأرخى على روح كل واحد منهم ستارًا كثيفًا: هو الجسد؛ وهذا الستار يكون في صقع أبيض، وفي آخر أسود، وفي صقع أحمر، وفي آخر أصفر» 86.

فالإسلام نبذه لأي شكل من أشكال التمييز بين بني البشر بناء على أجناسهم أو ألوانهم أو لغاتهم،

فنادى بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلا: (لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا أحمر على أسود، ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى) 87.

وقد غضب صلى الله عليه وسلم غضبًا لم ير مثله على وجهه الشريف، عندما سمع أبا ذر الغفاري يحتد على بلال ويعيره بلونه قائلا: يا ابن السوداء! فزجره الرسول صلى الله عليه وسلم، ورده بقوله: (يا أبا ذر أعيرته بأمه، إنك امرؤ فيك جاهلية، إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم) 88.

فقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أعيرته بأمه) هذا استفهام إنكاري تعجبي، أي: كيف تعيبه بسواد أمه، وتستنقصه بذلك، وأنت تعلم أن الإسلام لا يميز بين الناس بالألوان، وإنما يفاضل بينهم بالتقوى والعمل الصالح.

وقوله: (إنك امرؤ فيك جاهلية) أي: إن ما فعلته معه من تعيير بسواد أمه نعرة جاهلية، وأثر من آثار التمييز العنصري الذي كان موجودًا قبل الإسلام.

فاستجاب أبو ذر لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووضع خده على الأرض، وأقسم أن يطأه بلال برجله توبة وتكفيرًا عمَّا صدر عنه من أخلاق جاهلية 89.

3.الفخر بالأحساب والأنساب من أمور الجاهلية.

بين الإسلام أن التفاخر والتعاظم بالآباء والأجداد، والمآثر، والأمجاد من أمور العصبية والعنصرية المقيتة التي حرمها الإسلام، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله عز وجل قد أذهب عنكم عبية 90 الجاهلية، وفخرها بالآباء، مؤمن تقي، وفاجر شقي، والناس بنو آدم، وآدم من تراب، لينتهين أقوام فخرهم برجال، أو ليكونن أهون عند الله من عدتهم من الجعلان 91 التي تدفع بأنفها النتن) 92.

فهذا الحديث إعلام أن الكبر والفخر بالنسب من العصبية المقيتة التي حرمها الإسلام، ومن كمال بلاغته صلى الله عليه وسلم أن شبه المتعصب بآبائه ونسبه بأنه أقل من ذلك الحيوان الصغير الذي يدفع فضلات الإنسان والحيوان ويعيش معها.

وقد بين الحديث أن الناس حين يتفاضلون بالعنصرية للون أو العنصرية لجنس أو العنصرية لوطن، فحينئذ يعاقبهم الله تبارك وتعالى بالذل والهوان، هذا هو وعده على لسان النبي صلى الله عليه وسلم: (أو ليكونن أهون على الله من الجعلان) .

والمقصود في النهي عن التفاخر بالأحساب والأنساب أن يعتقد الإنسان أنها معيار التفاضل بين البشر، أو أن يتخذ ذلك سببًا للتعالي والتكبر على الآخرين، أو التفريق بين المسلمين، وتصنيفهم إلى طبقات وفئات بناء على هذه الأحساب والأنساب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت