إذا كان الشارع قد أباح للإنسان المسلم النطق بكلمة الكفر كارهًا ومضطرًا، إلا أن الأمر ليس على إطلاقه؛ ولكن للضرورة أحكامًا، ولقد حدد العلماء شروطًا إذا بلغها الشخص عد مكرهًا، فقال ابن حجر: «شروط الإكراه أربعة» 35:
1.أن يكون فاعله قادرًا على إيقاع ما يهدد به، والمأمور عاجزًا عن الدفع ولو بالفرار.
2.أن يغلب على ظنه أنه إذا امتنع أوقع به ذلك.
3.أن يكون ما هدد به فوريًا، فلو قال: إن لم تفعل كذا ضربتك غدًا لا يعد مكرهًا. ويستثنى ما إذا ذكر زمنًا قريبًا جدًا، أو جرت العادة بأنه لا يخلف.
4.أن لا يظهر من المأمور ما يدل على اختياره.
ولا فرق بين الإكراه على القول والفعل عند الجمهور، ويستثنى من الفعل ما هو محرم على التأبيد كقتل النفس بغير حق، وقال الخازن: «قال العلماء: يجب أن يكون الإكراه الذي يجوز له أن يتلفظ معه بكلمة الكفر أن يعذب بعذاب لا طاقة له به مثل التخويف بالقتل والضرب» .
ذكر القرآن الكريم بعض الكبائر والمعاصي التي قد يقع فيها الإكراه، ومن ذلك:
1.الإكراه على الزنا.
يقول سبحانه وتعالى: {وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور: 33] .
أورد الشيخ الواحدي في كتابه أسباب النزول سببًا لنزول هذه الآية، فقال: «كانت جارية لعبد الله بن أبي بن سلول، يقال لها مسيكة، فآجرها أو أكرهها، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم، فشكت ذلك إليه، فأنزل الله: {وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور: 33] . يعني بهن» 36.
يقول الشيخ سيد طنطاوي في معرض تفسيره للآية: «ولا تكرهوا -أيها الأحرار- فتياتكم اللائي تملكوهن على الزنا إن كرهنه وأردن العفاف والطهر، لكي تنالوا من وراء إكراههن على ذلك بعض المال الذي يدفع لهن نظير افتراشهن، ومن يكره إماءه على البغاء فإن الله تعالى بفضله وكرمه- {مِنْ بَعْدِ} إكراهكم لهن، {غَفُورٌ رَحِيمٌ} لهن، أما أنتم يا من أكرهتموهن على الزنا فالله وحده هو الذى يتولى حسابكم، وسيجازيكم بما تستحقون من عقاب» 37.
إن القرآن الكريم وهو يضع دعائم المجتمع المسلم، يعالج فيه مظاهر وظواهر نشأت في ظلمة الجاهلية الأولى، فيضع الشارع الحكيم من الأحكام والتشريعات والتوجيهات ما يحفظ المجتمع المسلم من كل دخائل وشوائب.
فبعد أن أمر بإنكاح الأيامي للتحصين البيوت والمجتمع، وأمر الذين لا يجدون نكاحًا بالعفاف حتى يغنيهم الله من فضله بالمال والنكاح، فقال تعالى: {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (32) وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [النور: 32 - 33] .