فكان النداء بعدها للأحرار الأطهار بأن المجتمع المسلم يجب أن يتطهر من كل النقائص، وألا يغرق في أوحال الشهوات الجاهلية؛ بل إن الإسلام الحنيف كرم الإيماء في تعبير الله سبحانه وتعالى بذكره لهن الفتيات، وحض الإسلام على المزيد من تحصينهن وخوف الذين يكرهونهن بالعقاب في الآخرة، مستثنيًا المكرهات من العقوبة مع عظم الجريمة؛ ليتبقى أمام المكرهة على الزنا فرصة الرجوع والإنابة والثبات على المنهج القويم.
ثم إن الإسلام جفف منابع هذه الظاهرة المنتشرة (الاسترقاق) وحصرها في الحروب المشروعة التي تقوم بين المسلمين والكفار، ووسع أبواب العتق من خلال الكفارات، ثم إن الله أمر بالإحسان إلى الرقيق والتعامل معهم وفق أخلاق الإسلام.
وختامًا فإن الله سبحانه جعل البشر كلهم إخوة بينهم نسبٌ واحدٌ، وتسري في أوصالهم نفخة من روح الله، وأنهم سواسيةٌ في الحقوق والواجبات، وأنهم خلقوا ليتعارفوا ويتحابوا، فقال سبحانه وتعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13) } [الحجرات: 13] .
2.الإكراه على السحر.
أخبر القرآن الكريم أن سحرة فرعون بعد إيمانهم قالوا: {إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [طه: 73] .
يقول العلامة ابن كثير في تفسيره لهذه الآية: «قال ابن عباس رضي الله عنهما في تفسيره للآية: أخذ فرعون أربعين غلامًا من بني إسرائيل فأمر أن يعلموا السحر بالفرما، وقال: علموهم تعليمًا لا يعلمه أحد في الأرض. قال ابن عباس: فهم من الذين آمنوا بموسى، وهم من الذين قالوا: {إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [طه: 73] » 38.
مما لاشك فيه أن السحر المتعارف عليه بين الناس والذهاب للسحرة من كبائر الذنوب، والسحرة كذبة دجالون، ولقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من السحرة ومن التصديق والإيمان بأكاذيبهم.
وروى مسلم في صحيحه عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أتى عرافًا فسأله عن شيء، لم تقبل له صلاة أربعين ليلة) 39.
وإن الإنسان المسلم مطالب باجتناب السحر بأنواعه المتعددة ووسائله المتنوعة؛ لأن الأصل في أهداف السحرة هو التفرقة، سواء بين المرء ودينه أو المرء وزوجه وعائلته وأهله وعشيرته.
يقول سبحانه وتعالى: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (102) } [البقرة: 102] .
بعد بيانه سبحانه وتعالى لمن اتبع الشياطين في سحرهم من اليهود والسحر الذي يعلمه الملكان، فتركوا علم الأنبياء والمرسلين وأقبلوا على علم الشياطين، وكل يصبو إلى ما يناسبه، «ذكر مفاسد السحر فقال: {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ} مع أن محبة الزوجين لا تقاس بمحبة غيرهما؛ لأن الله قال في حقهما: {وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} [الروم: 21] .