فهرس الكتاب

الصفحة 2212 من 2431

وكذا لما سأل هرقل ملك الروم أبا سفيان بن حرب -قبل إسلامه- عن أمر محمد صلى الله عليه وسلم وقال له: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فرد عليه: ما جربنا عليه كذبًا قط 89. وهذه وهذا النص يظهر أنها صفة أصيلة في الرسل حتى قبل مبعثهم.

ولقد بين سبحانه وعيد من كذب على الله من أنبيائه أو تَقَوَّلَ عليه ما لم يأمر به، فقال في وعيد شديد: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ ?44?لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ?45?ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ ?46?فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ ?47?) [الحاقة: 44 - 47] .

والتَّقوُّلُ: «أن يقول الإنسان عن آخر أنه قال شيئًا لم يقله» 90.

و (لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ) أي: «بالقوة والقدرة، أي: لأخذناه بالقوة» 91.

والوتين: «نياط القلب، وهو حبل الوريد: إذا قطع مات صاحبه» 92.

والمعنى: «ولو ادعى علينا شيئًا لم نقله لقتلناه صبرًا 93، كما يفعل الملوك بمن يكذب عليهم معاجلة بالسخط والانتقام، فصور قتل الصبر بصورته ليكون أهول: وهو أن يؤخذ بيده، وتضرب رقبته» 94.

وما دامت هذه العقوبة لم تقع بأحد منهم، فهذا يبين أنهم كانوا صادقين فيما بلغوه عن الله تعالى، وأن أحدًا منهم لم يفتر على الله كذبًا.

ثانيًا: الأمانة:

وهذه صفة قرينة لصفة الصدق التي سبقت، فلا يكون الكاذب أمينًا، كما أن الخائن يستحيل أن يكون صادقًا؛ لذا يلزم أن يكون الصادق أمينًا والأمين صادقًا، ومن ثم كانت هذه من الصفات الواجب توافرها في الأنبياء.

وأن يكون النبي أمينًا، فهذا يعني أنه «يبلغ أوامر ربه ونواهيه إلى العباد دون زيادة أو نقص، كما قال الله تعالى: (الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ ? وَكَفَى? بِاللَّهِ حَسِيبًا) [الأحزاب: 39] » 95.

والأنبياء جميعًا مؤتمنون على الوحي، يبلغون أوامر الله كما أنزلها إليهم، ولا يمكن لهم أن تجري عليهم الخيانة أبدًا «فهل يليق بنبي أن يكتم أمانته، فلا ينصح الأمة، ولا يبلغ رسالة الله» 96.

وهذا تجده واضحًا فيما جاء على لسان أغلب الرسل في القرآن الكريم، فكل واحد منهم قال لقومه: (إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ?107?) [الشعراء: 107] .

فها هو نوح عليه السلام يقول لقومه: (إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ?107?فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ?108?) [الشعراء: 1070 - 108] .

وتأمل كيف أنه استخدم حرف التوكيد (إِنِّي) مع أن أحدًا لم ينكر عليه أمانته «لأنه توقع حدوث الإنكار، فاستدل عليهم بتجربة أمانته قبل تبليغ الرسالة» 97؛ لأنها دليل الصدق، فالأمانة «تقتضي ألا يكذب على الله، فيدعي عليه الرسالة وهو لم يرسله، وتقتضي الأمانة فيما يخبرهم، ومع الأمانة الرعاية والمحبة والإخلاص لهم، والبر بهم» 98.

وها هو صالح عليه السلام يقول لقومه أيضًا: (إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ?143?فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ?144?) [الشعراء: 143 - 144] .

وكذا قالها لوط وهود وشعيب وغيرهم.

وأن تكون هذه مقالة الأنبياء لأقوامهم، فهذا يبين أن الله «لا يبعث الرسول إلا إذا كان معروفًا بالأمانة، وحسن الخلق قبل الرسالة» 99 إذ لو كان الرسول خائنًا «لغير في الشرائع الإلهية، ولأفسد في الأحكام التي يتلقاها عن الله تعالى، فيضيع بذلك الغرض من رسالته، وهو الصلاح والعمل بأوامر الله -تعالى وحده-، والله تعالى لا يحب المفسدين، ولا يؤيد الخائنين، فكيف يؤيد من خانه وينصره ويظهره؟! فلا بد إذًا أن رسل الله تعالى قد كانوا جميعًا أمناء في تبليغ ما حملوا، ومن كمال صفة الأنبياء تبليغهم كل ما أرسلهم الله تعالى به، وأداء رسالتهم ووظيفتهم المتمثلة في ذلك، كما قال الله تعالى: (ڑ ? وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ) [العنكبوت: 18] .

نماذج عملية من أمانة النبي صلى الله عليه وسلم:

من صور الأمانة النبوية ما جاء ذكره في القرآن من عتابه تعالى لنبيه.

قال تعالى: (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ ?) [الأحزاب: 37] .

تقول السيدة عائشة رضي الله عنها: (لو كان محمدٌ صلى الله عليه وسلم كاتمًا شيئًا مما أنزل عليه لكتم هذه الآية) 100.

ولكتم أيضًا عتاب الله له في قوله: (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى? حَتَّى? يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ ? تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ? وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) [الأنفال: 67] .

وفي قوله: (عَبَسَ وَتَوَلَّى(1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى) [عبس: 1 - 2] .

فعدم كتمانه لشيء يدل على شدة أمانته.

وهكذا يظهر لنا كيف أن الأمانة من الشروط التي يجب توافرها في الرسل والأنبياء «لتظل النفس مطمئنة إلى سلامة الوحي، وإلى كل ما جاء به النبي إنما هو أنه من عند الله، وصدق الله إذ يقول عن نبيه محمد صلى الله عليه وسلم: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى? ?3?إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى? ?4?) [النجم: 3 - 4] » 101.

ثالثًا: التبليغ عدم الكتمان:

وهذه صفة عظيمة من صفات الرسل الكرام ويقصد بها «أن يبلغ الرسل أحكام الله، ويبلغوا الوحي الذي نزل عليهم من السماء، فلا يكتموا شيئًا مما أوحاه الله إليهم، حتى ولو كان في تبليغه للناس إيذاء عظيم لهم، أو شر مستطير يلحقهم من الأشرار والفجار» 102.

وقد أخبرنا تعالى أن نوحًا عليه السلام قال لقومه: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى? قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَ?هٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ?59?قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ?60?قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَ?كِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ?61?أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ?62?) [الأعراف: 59 - 62] .

فها هنا نلحظ كيف أن نوحًا عليه السلام بعد أن نفى عن نفسه الضلالة «وصف نفسه بأربع صفات كريمة» 103، كانت الثانية بعد إخباره أنه رسول هي أنه مبلغ لرسالات ربه عز وجل.

وقد وردت هذه الصفة في أكثر من حوار للرسل مع أقوامهم.

فنبي الله صالح عليه السلام قال: (فَتَوَلَّى? عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَ?كِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ) [الأعراف: 79] .

وكذا شعيب عليه السلام قال: (فَتَوَلَّى? عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ ? فَكَيْفَ آسَى? عَلَى? قَوْمٍ كَافِرِينَ) [الأعراف: 93] .

ومما يظهر شدة وضوح هذه الصفة عند الرسل هو ما نلحظه من بدء بعض السور بـ (قل) كسورة الجن والكافرون والفلق والناس، فهي «أمر موجه للنبي صلى الله عليه وسلم ليبلغه لأمته» 104، فأن يقول ذلك دونما زيادة أو نقص مما يدل على شدة الحرص على البلاغ وعدم الكتمان.

قال تعالى: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ) [الفلق: 1] .

وقال: (. قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) [الناس: 1] .

لقد كان بوسع النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول: «أعوذ برب الفلق، أعوذ برب الناس» دون اللفظة التي خوطب بها، ولكن تبليغه العبارات كما هي يظهر شدة الحرص على البلاغ.

عن زر بن حبيشٍ قال: (سألت أبي بن كعب ٍعن المعوذتين؟ فقال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:(قيل لي فقلت) فنحن نقول كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم)» 105.

وقد مر بنا قول عائشة رضي الله عنها: (لو كان محمدٌ صلى الله عليه وسلم كاتمًا شيئًا مما أنزل عليه لكتم هذه الآية(وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ ?) [الأحزاب: 37] ) 106.

ومما يظهر أيضًا شدة الحرص على البلاغ، أن النبي برغم ما كان يخشى في بدايات الدعوة من المواجهات الشديدة مع أهل قريش إلا أنه ما أن أنزل الله عليه قوله: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) [الشعراء: 214] .

حتى (صعد النبي صلى الله عليه وسلم على الصفا، فجعل ينادي: يا بني فهرٍ، يا بني عديٍ -لبطون قريشٍ- حتى اجتمعوا فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولًا لينظر ما هو، فجاء أبو لهبٍ وقريشٌ، فقال:(أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلًا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟) قالوا: نعم، ما جربنا عليك إلا صدقًا، قال: (فإني نذيرٌ لكم بين يدي عذابٌ شديدٌ) فقال أبو لهبٍ: تبًّا لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟ فنزلت: (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ?1?مَا أَغْنَى? عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ ?2?) [المسد: 1 - 2] 107. وهكذا يظهر لنا أن التبليغ وعدم الكتمان من صفات الرسل.

رابعًا: العصمة:

ومن الشروط التي ذكرها الله للأنبياء العصمة؛ ولهذه العصمة في حياة الأنبياء وجوه كثيرة، منها ما يلي:

الشرع والعقل يلزمان بعصمة الأنبياء في التبليغ؛ لأن القول بعدم عصمة الأنبياء يفضي إلى القدح في تبليغهم الرسالة، حيث يمكن نسبة الكذب أو الخطأ أو الزيادة أو النقص في التشريع، وهذا غير ممكن في حقهم؛ لأن الله قد عصمهم من ذلك.

فهم معصومون في تحمل الوحي، وفيما يخبرون عن الله تعالى، فقد اتفقت الأمة أن الرسل معصومون في تحمل الرسالة 108، فلا ينسون شيئًا مما أوحاه الله إليهم إلا شيئًا قد نسخ، وقد تكفل الله لرسوله بأن يقرئه فلا ينسى شيئًا مما أوحاه الله إليه، إلا شيئًا أراد الله أن ينسيه إياه.

قال تعالى: (سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى? ?6?إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ) [الأعلى: 6 - 7] .

وتكفل بأن يجمعه له في صدره فقال: (لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ?16?إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ?17?فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ?18?) [القيامة: 16 - 18] .

وهم أيضًا معصومون في التبليغ، فالرسل لا يكتمون شيئًا مما أوحاه الله إليهم؛ وذلك لأن الكتمان خيانة، والرسل يستحيل أن يكونوا كذلك.

قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ? وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ) [المائدة: 67] .

ولو حدث شيء من الكتمان أو التغيير فإن عقاب الله يحل بهذا الكاتم المغير، كما قال تعالى: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ ?44?لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ?45?ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ ?46?) [الحاقة: 44 - 46] .

ومما يدل على العصمة في التبليغ، قوله تعالى: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى? ?3?إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى? ?4?) [النجم: 3 - 4] .

ومن عصمته عصمتهم في هذا الشأن فعصمته عصمتهم من الكذب مطلقًا في أي حال من الأحوال سواء في تبليغ الرسالة، أو في غيره من أخباره وأخبارهم وأحواله وأحوالهم الدنيوية قبل البعثة وبعدها.

ويدل على هذا مبادرة الصحابة إلى تصديق الرسول في جميع أقواله، والثقة بجميع أخباره دون تردد أو توقف، بل قد أقرت قريش بصدقه عندما دعاهم في الصفا، كما جاء في حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: (لما نزلت:(وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) [الشعراء: 214] .خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى صعد الصفا، فهتف: (يا صباحاه) . فقالوا من هذا؟ فاجتمعوا إليه، فقال: (أرأيتم إن أخبرتكم أن خيلًا تخرج من سفح هذا الجبل أكنتم مصدقي؟) قالوا: ما جربنا عليك كذبًا، قال: (فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد) 109.

وقد قال أبو جهل للنبي صلى الله عليه وسلم: إنا لا نكذبك ولكن نكذب ما جئت به، فأنزل الله تعالى: (فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَ?كِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ) [الأنعام: 33] 110.

وكذلك حين سأل الأخنس بن شريق أبا جهل: «يا أبا الحكم أخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب؟ فإنه ليس هاهنا من قريش أحد غيري وغيرك يسمع كلامنا! فقال أبو جهل: ويحك، والله إن محمدًا لصادق، وما كذب محمد قط، ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء والحجابة والسقاية والنبوة، فماذا يكون لسائر قريش؟» 111.

ومما يدل على ذلك قول أبي سفيان لهرقل عندما سأله عن النبي صلى الله عليه وسلم وكان مما سأل عنه: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قلت: لا، فقال هرقل: لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله 112. وقوله لخديجة بعد أن لقيه جبريل في حراء: (قد خشيت على نفسي) . فقالت له: كلا، أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتصدق في الحديث) 113.

ويكفيه في هذا الباب شهادة الله له بقوله: (وَإِنَّكَ لَعَلَى? خُلُقٍ عَظِيمٍں) [القلم: 4] .

فإنه متصف بكل خلق فاضل من الصدق والأمانة وصلة الرحم والجود وغيرها، فقد جمع الله له خصائل الخير كلها، فلم يدع إلا بالصادق الأمين.

قال القاضي عياض: «وأما أقواله الدنيوية من إخباره عن أحواله وأحوال غيره، وما يفعله أو فعله، فقد قدمنا أن الخلف فيها ممتنع عليه في كل حال وعلى أي وجه، من عمد أو سهو أو صحة أو مرض أو رضا أو غضب، وأنه معصوم منه صلى الله عليه وسلم» 114.

وهذا الحكم فيما طريقه الخبر المحض مما يدخله الصدق والكذب، فأما المعاريض الموهم ظاهرها خلاف باطنها فجائز ورودها منه في الأمور الدنيوية، لا سيما لقصد المصلحة كتوريته عن وجه مغازيه؛ لئلا يأخذ العدو حذره، وكممازحته ومداعبته لبعض أصحابه؛ لكي يطيب قلوبهم، ويدخل المحبة والمسرة إلى نفوسهم.

ومن هذا قوله لأحد أصحابه: (إني حاملك على ولد الناقة) . فقال: يا رسول الله، ما أصنع بولد الناقة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وهل تلد الإبل إلا النوق؟) 115.

أما النسيان في غير البلاغ وفي غير أمور التشريع فهي من الأغراض البشرية الجبلية التي تجوز على الأنبياء ولا تنافي العصمة في التحمل والتبليغ، ومن ذلك:

-نسيان آدم وجحوده، كما قال عليه الصلاة والسلام: (لما خلق الله آدم عليه السلام مسح ظهره فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة، وجعل بين عيني كل إنسان منهم وبيصًا من نور، ثم عرضهم على آدم فقال: أي رب من هؤلاء؟ قال: هؤلاء ذريتك، فرأى رجلًا منهم فأعجبه وبيص ما بين عينيه، فقال: أي رب من هذا؟ فقال: هذا رجل من آخر الأمم من ذريتك، يقال له: داود، فقال: رب كم جعلت عمره؟ قال: ستين سنة، قال: أي رب زده من عمري أربعين سنة، فلما قضي عمر آدم جاءه ملك الموت، فقال: أولم يبق من عمري أربعون سنة؟ قال: أولم تعطها ابنك داود؟ قال: فجحد آدم فجحدت ذريته، ونسي آدم فنسيت ذريته، وخطئ آدم فخطئت ذريته) 116.

وكما وقع لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم في حديث ذي اليدين الذي رواه البخاري ومسلم حيث سلم النبي صلى الله عليه وسلم من ركعتين في صلاة الظهر 117.

وقد صرح الرسول صلى الله عليه وسلم بطروء النسيان عليه كعادة البشر، ففي حديث ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ولكن إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني) 118، قال هذا بعد نسيانه في إحدى الصلوات.

أما حديث: (إني لا أنسى، ولكن أُنَسَّى لأسن) 119 فلا يعارض به الحديث السابق؛ لأن هذا الحديث كما يقول ابن حجر: «لا أصل له، فإنه من بلاغات مالك التي لم توجد موصولة بعد البحث الشديد» 120.

وخلاصة القول في هذه المسألة: أن من الأمور الجائزة على الأنبياء السهو والنسيان فيما ليس طريقه البلاغ مطلقًا، وفيما طريقه البلاغ بشرطين:

الأول: أن ذلك يقع منه بعد تبليغه لا قبل التبليغ.

الثاني: أنه لا يستمر على نسيانه، بل يحصل له التذكر إما بنفسه وإما بغيره.

وفائدة جواز السهو والنسيان في حقه صلى الله عليه وسلم بيان الحكم الشرعي فيما وقع فيه النسيان إذا وقع مثله لغيره.

العصمة من تسلط الناس عليهم وتسلط السحرة:

وهذا النوع من العصمة قد وعد الله به أنبياءه ورسله.

ونعني بهذا عصمتهم من تسلط الناس عليهم بالقتل.

قال تعالى: (چيَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ? وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ? وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ? إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ?67?) [المائدة: 67] .

ففي هذه الآية يقول الله لنبيه: «بلغ أنت رسالتي، وأنا حافظك وناصرك ومؤيدك على أعدائك ومظفرك بهم، فلا تخف ولا تحزن، فلن يصل أحد منهم إليك بسوء يؤذيك» 121.

يقول أبو بكر الجصاص: «قد دل قوله تعالى: (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ) على صحة نبوة النبي صلى الله عليه وسلم؛ إذ كان من أخبار الغيوب التي وجد مخبرها على ما أخبر به؛ لأنه لم يصل إليه أحد بقتل ولا قهر ولا أسرٍ مع كثرة أعدائه» 122.

فالمراد إذًا عصمة النبي «من القتل أو الإهلاك» 123؛ لأن ذلك هو الذي كان يهم النبي صلى الله عليه وسلم، «إذ لو حصل ذلك لتعطل الهدى الذي كان يحبه النبي للناس؛ إذ كان حريصًا على هدايتهم» 124.

وأما ما هو سوى ذلك من الإيذاء والضرر فذلك مما نال الرسول «ليكون ممن أوذي في الله، فقد رماه المشركون بالحجارة حتى أدموه، وشج وجهه» 125.

ومما يؤيد ذلك ما رواه أنس رضي الله عنه أن امرأةً يهوديةً أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم بشاةٍ مسمومةٍ، فأكل منها، فجيء بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألها عن ذلك؟ فقالت: أردت لأقتلك، قال: (ما كان الله ليسلطك على ذاك) قالوا -أو قال عليٌّ-: ألا نقتلها؟ قال: (لا) قال: (فما زلت أعرفها في لهوات 126 رسول الله صلى الله عليه وسلم) 127.

فهاهنا يظهر كيف أن الله عصم رسوله من تسلط هذه المرأة عليه بالقتل.

وكذلك تظهر عصمة الله لرسوله من القتل فيما جاء في قوله تعالى: (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ? وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ? وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) [الأنفال: 30] .

فهذه الآية تشير إلى ما كان من تشاور قريش بمكة في شأن النبي صلى الله عليه وسلم؛ وذلك بعد أن رأوا أمره قد اشتهر، وأن غيرهم قد آمن به، فقال بعضهم: إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق، وقال بعضهم: بل اقتلوه، وقال: بعضهم بل أخرجوه، وكيف أنهم في النهاية اتفقوا على قتله، ولكن الله نجاه وعصمه من تسلطهم عليه بالقتل 128.

وتظهر عصمة الله لرسله من تسلط الناس عليهم من تتبع ما جاء عن الرسل وأقوامهم في القرآن.

قال تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ? فَأَوْحَى? إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ ?13?وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ? ذَ?لِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ ?14?) [إبراهيم: 13 - 14] .

«فها هنا يخبر الرب الجليل كيف أنه لما تمادت الأمم في الكفر، وتوعدوا الرسل بأخذهم بالشدة، والإيقاع بهم أوحى الله إليهم بإهلاك من كفر بهم، ووعدهم بالنصر والغلب على أعدائهم» 129.

وكذلك حدثنا القرآن عن عصمته لنبيه نوح عليه السلام من القتل لما توعده قومه (?قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ ?116?قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ ?117?فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ?118?فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ?119?) [الشعراء: 116 - 119] .

والأمر نفسه مع نبي الله صالح عليه السلام حين تآمر عليه تسعة من المفسدين ليقتلوه، فأهلكهم الله وقومهم أجمعين، كما قال تعالى: (وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ ?48?قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ ?49?وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ?50?فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ ?51?) [النمل: 48 - 51] .

وكذلك نجَّى الله عيسى عليه السلام من اليهود، ومنعهم من قتله، ورفعه تعالى إليه، كما قال عز وجل: (وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَ?كِنْ شُبِّهَ لَهُمْ) [النساء: 157] .

وهكذا يظهر لنا كيف أن الله يعصم رسله، ويمنعهم من تسلط الناس عليهم 130.

وقبل أن نوضح هذا نحب أن نوضح مذهب أهل السنة في مسألة السحر وحقيقته:

ذهب أهل السنة أن للسحر حقيقة وأثرًا ثابتًا بالكتاب والسنة، قال النووي: «مذهب أهل السنة وجمهور علماء الأمة على إثبات السحر، وأن له حقيقة كحقيقة غيره من الأشياء الثابتة» 131.

وقال القرطبي رحمه الله: «ذهب أهل السنة إلى أن السحر ثابت وله حقيقة» 132. وقال أيضًا: «وعندنا أنه حق، وله حقيقة يخلق الله عندها ما يشاء» 133. وقال الإمام ابن القيم: «وقد دل قوله تعالى: (. وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ) [الفلق: 4] .

وحديث عائشة رضي الله عنها 134 على تأثير السحر، وأن له حقيقة» 135.

وقد عصم الله رسله وأنبياءه من أن تتسلط عليهم السحرة فتتلاعب بهم، فيكون في ذلك ما يكون من إعراض الناس عنهم، وتشككهم في حقيقة وحيهم، وما يبلغونه عن رب العزة.

قال الليث: كتب إلي هشامٌ أنه سمعه ووعاه عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: (سحر النبي صلى الله عليه وسلم حتى كان يخيل إليه أنه يفعل الشيء وما يفعله، حتى كان ذات يومٍ دعا ودعا، ثم قال:(أشعرت أن الله أفتاني فيما فيه شفائي، أتاني رجلان: فقعد أحدهما عند رأسي، والآخر عند رجلي، فقال أحدهما للآخر: ما وجع الرجل؟ قال: مطبوبٌ، قال: ومن طبه؟ قال لبيد بن الأعصم، قال: في ماذا؟ قال: في مشطٍ ومشاقةٍ، وجف طلعةٍ ذكرٍ، قال فأين هو؟ قال: في بئر ذروان) فخرج إليها النبي صلى الله عليه وسلم، ثم رجع فقال لعائشة حين رجع: (نخلها كأنه رؤوس الشياطين) . فقلت: استخرجته؟ فقال: (لا، أما أنا فقد شفاني الله، وخشيت أن يثير ذلك على الناس شرًّا) ثم دفنت البئر) 136.

فها هنا يظهر كيف أن الله عصم نبيه من تسلط السحرة عليه، وكيف أن السحر الذي أصيب به صلى الله عليه وسلم إنما كان متسلطًا على جسده وظواهر جوارحه فقط، لا على عقله وقلبه واعتقاده، فمعاناته من آثاره كمعاناته من آثار أي مرض من الأمراض التي يتعرض لها الجسم البشري لأي سبب كان، وقد سبق أن عصمة الرسول صلى الله عليه وسلم لا تستلزم سلامته من الأمراض والأعراض البشرية المختلفة.

قال القاضي عياض: «وأما ما ورد من أنه كان يخيل إليه أنه فعل الشيء ولا يفعله، فليس في هذا ما يدخل عليه داخلة في شيء من تبليغه أو شريعته، أو يقدح في صدقه؛ لقيام الدليل والإجماع على عصمته من هذا 137.

وإنما هذا فيما يجوز طروؤه عليه في أمر دنياه التي لم يبعث بسببها، ولا فضل من أجلها، وهو فيها عرضة للآفات كسائر البشر، فغير بعيد أن يخيل إليه من أمورها ما لا حقيقة له، ثم ينجلي عنه كما كان» 138.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت