فهرس الكتاب

الصفحة 315 من 2431

1.سبق بيان أن الاضطرار: هو الاحتياج الشديد، فالمضطر قد ألجأته الضرورة إلى فعل المحرم.

يقول الله عز وجل: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (3) } [المائدة:3] .

ففي هذه الآية سرد الله تعالى مجموعة من الأطعمة المحرمة التي لم يحرمها جل جلاله إلا صيانةً لعباده، وحمايةً لهم من الضرر والخبث الموجود فيها، وهذه المحرمات هي: الميتة وهي التي ماتت بدون ذبح شرعي، وكذلك الدم المسفوح، ولحم الخنزير، والمنخنقة التي ماتت بالخنق، والموقوذة التي ماتت بالضرب، والمتردية الساقطة من علوٍ فماتت، والنطيحة التي نطحتها غيرها فماتت، وإذا ماتت بعض الحيوانات بسبب أكل السبع من أسد أو نمر أو طير مفترس ونحوه، فإنها لا تحل أيضًا، ثم بين الله عز وجل في ختام الآية أنه سبحانه قد أكمل دين الإسلام بتمام النصر، وإكمال الشريعة.

فالقرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة فيهما تمام الدين من أصول وفروع، كما أتم سبحانه وتعالى على عباده بالنعم الظاهرة والباطنة، واختار الإسلام واصطفاه لنا دينًا، ثم عاد الله تعالى إلى الحديث عن المحرمات السابقة في أول الآية، فذكر أن من ألجأته الضرورة إلى تناول شيء من هذه المحرمات، وهو في حالة مخمصة أي: في حالة جوع شديد، حتى إن البطن ليضمر من قلة الغذاء الوارد إليه، فمن اضطر فأكل منها فلا إثم عليه؛ لأن الله تعالى غفور رحيم 26.

ويقول الله عز وجل أيضًا: {وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (119) } [الأنعام:119] .

فيذكر الأصوليون أن هذه الآية تضمنت استثناء حالة الضرورة حفاظًا على النفس من الهلاك، والاستثناء من التحريم إباحة 27.

هذا وقد بين أبو بكر الجصاص حقيقة الضرورة وذكر أن معناها متمثلٌ في خوف الإنسان المضطر من لحوق الضرر على نفسه، أو على بعض أعضائه إن ترك الأكل، وأوضح أنه يندرج تحت هذا معنيان:

الأول: أن يكون المضطر في وضع لا يجد فيه غير الميتة أو المحرم.

الثاني: أن يكون الحلال موجودًا، ولكنه أكره على تناول المحرم، وذلك بتهديدٍ ووعيدٍ يخاف من جرائه إلحاق الهلاك بنفسه، أو بتلف بعض أعضائه.

وبين الجصاص أن كلًا من المعنيين مراد في الآية لاحتمالهما 28.

وقال الإمام ابن عاشور في بيان حقيقة الضرورة وحدها: «هي الحاجة التي يشعر عندها من لم يكن دأبه البغي والعدوان بأنه سيبغي ويعتدي. وهذا تحديدٌ منضبطٌ، فإن الناس متفاوتون في تحمل الجوع ولتفاوت الأمزجة في مقاومته، ومن الفقهاء من يحدد الضرورة بخشية الهلاك ومرادهم الإفضاء إلى الموت والمرض وإلا فإن حالة الإشراف على الموت لا ينفع عندها الأكل، فعلم أن نفي الإثم عن المضطر فيما يتناوله من هذه المحرمات منوطٌ بحالة الاضطرار، فإذا تناول ما أزال به الضرورة فقد عاد التحريم كما كان، فالجائع يأكل من هاته المحرمات إن لم يجد غيرها أكلًا يغنيه عن الجوع، وإذا خاف أن تستمر به الحاجة كمن توسط فلاةً في سفرٍ أن يتزود من بعض هاته الأشياء حتى إن استغنى عنها طرحها؛ لأنه لا يدري هل يتفق له وجدانها مرةً أخرى» 29.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت