1.الميتة التي ذبحت على غير شرع الله تعالى؛ لاحتباس الدم فيها وتوقع التضرر بها، لفساد لحمها وتلوثه بالأمراض غالبًا، فهي محرمة لاستقذارها، ولما فيها من ضرر.
2.الدم المسفوح؛ لأنه ضار، وتأباه النفوس الطيبة، فهو حرام لقذارته وضرره أيضًا.
3.لحم الخنزير؛ لأنه ضار، وخصوصًا أثناء الحر؛ ولأن النفوس الطيبة تأباه، فهو حيوان قذر لا يأكل غالبًا إلا من القاذورات والنجاسات، فيقذر لذلك؛ ولأن فيه ضررًا لحمله جراثيم شديدة الفتك؛ ولأن فيه كثيرًا من الطباع الخبيثة، وولوع بالنواحي الجنسية ولا يغار على أنثاه، وكسول بطبعه، والمتغذي يتأثر بتلك الطبائع، وتنتقل إليه بيوض الدودة الوحيدة الحلزونية التي قد تكون في خلايا عضلات جسمه، ولو تربى في أنظف الحظائر.
4.ما ذبح لغير الله تعالى كأن تذبح للأصنام والأوثان والقبور ونحوها؛ لأنه من أعمال الوثنية، وفيه إشراك واعتماد على غير الله تعالى، وكان العرب في الجاهلية يذبحون للأصنام، ويقولون: باسم اللات والعزى، فهو حرام صيانة لمبدأ الدين والتوحيد وتعظيم الله عز وجل 22.
هذا كله من شرع الله عز وجل الذي يجب تنفيذه والالتزام به، وبعد هذا يذكر الله جل جلاله أن الميتة لا تحل إلا عند الضرورة، وهذا شرعه تعالى أيضًا، والإنسان المضطر حين يأخذ مما حرم عليه سابقًا على قدر ضرورته، فإن هذا هو إباحةٌ من الحق سبحانه وتعالى، فأين الذنب الذي ارتكبه المضطر ليستحق بها المغفرة والرحمة من الله عز وجل؟!
وللإجابة عن هذا التساؤل.
قال الإمام الرازي: «والجواب: من وجوه أحدها: أن المقتضي للحرمة قائم في الميتة والدم، إلا أنه زالت الحرمة لقيام المعارض، فلما كان تناوله تناولًا لما حصل فيه المقتضي للحرمة عبر عنه بالمغفرة، ثم ذكر بعده أنه رحيم، يعني لأجل الرحمة عليكم أبحت لكم ذلك، وثانيها: لعل المضطر يزيد على تناول الحاجة، فهو سبحانه غفورٌ بأن يغفر ذنبه في تناول الزيادة، رحيمٌ حيث أباح في تناول قدر الحاجة، وثالثها: أنه تعالى لما بين هذه الأحكام عقبها بكونه غفورًا رحيمًا؛ لأنه غفورٌ للعصاة إذا تابوا، رحيمٌ بالمطيعين المستمرين على نهج حكمه سبحانه وتعالى» 23.
وقال ابن عادل: «فإن قيل: قوله تبارك وتعالى: {فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} يناسب أن يقال بعده: {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} فإن الغفران، إنما يذكر عند حصول الإثم، فالجواب من وجوه:
أحدها: أن المقتضي للحرمة قائم في الميتة والدم إلا أنه زالت الحرمة؛ لقيام المعارض، فلما كان تناوله تناولًا لما حصل فيه المقتضي للحرمة، عبر عنه بالمغفرة، ثم ذكر بعده أنه {رَحِيمٌ} ، يعني: لأجل الرحمة عليكم، أبحت لكم ذلك.
وثانيها: لعل المضطر يزيد على تناول قدر الحاجة.
وثالثها: إن الله تعالى، لما بين هذه الأحكام، عقبها بقوله تعالى: {غَفُورٌ} للعصاة، إذا تابوا، {رَحِيمٌ} بالمطيعين المستمرين على منهج الحكمة» 24.
قال ابن عاشور: «وقوله: {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} تذييل قصد به الامتنان، أي: إن الله موصوف بهذين الوصفين فلا جرم أن يغفر للمضطر أكل الميتة؛ لأنه رحيم بالناس، فالمغفرة هنا بمعنى التجاوز عما تمكن المؤاخذة عليه لا بمعنى تجاوز الذنب، ونحوه ... ومعنى الآية: أن رفع الإثم عن المضطر حكم يناسب من اتصف بالمغفرة والرحمة» 25.
وعليه فإن الله سبحانه وتعالى يغفر الذنب الذي يحدث من صاحبه بلا مناسبة تستدعيه، فمن باب أولى أن يغفر الله جل جلاله للذي أجبرته ظروف الضرورة على أكل المحرم، فالله تعالى غفورٌ رحيمٌ في الأصل، أفلا يغفر لمن أعطاه رخصة للضرورة التي ألجأته على تناول المحرم؟ فهو جل جلاله غفورٌ رحيمٌ، كتب المغفرة لمن اضطر وكسر قاعدة التحريم عند الاضطرار.