فهرس الكتاب

الصفحة 266 من 2431

ومن الأمانات الأمانة العلمية، فالعالم استؤمن على العلم فعليه أن يؤديه إذا طلب منه.

ومن الأمانة تسخير الحواس والجوارح في طاعة الله، واستعمالها في مرضاته، ومن الأمانة أداء الحقوق، وحفظ الودائع، ثم تأديتها إلى أصحابها، برًا كان أم فاجرًا، وسواء كان مسلمًا أم كافرًا.

ومن الأمانة صيانة أعراض المسلمين، وستر عوراتهم، وحفظ المجالس، وتجنب إفشاء الأسرار، والمبالغة في سرد الأخبار، والتحديث بكل ما يسمع ويقال.

ومن الأمانة حفظ الأسرار الزوجية؛ وأمانة الزوجين القيام بواجباتهما الأسرية؛ وذلك بإلزام أهل البيت بالفرائض والواجبات، وتربيتهم على الفضائل والمستحبات، وتطهير البيت من المنكرات.

ومن الأمانة إتقان العمل المناط بالمسلم، فيؤدي المرء ما عليه على خير وجه، فالعامل يتقن عمله ويؤديه بإجادة وأمانة، وهكذا يؤدي كل امرئٍ واجبه بأمانة وجد واجتهاد.

والأمانة في الإسلام كالعدل مطلقة لا نسبية، وترتفع قيمة الأمانة إلى حد لا يغني بذل الحياة عنها.

وقد جاء عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: «القتل في سبيل الله يكفر الذنوب كلها إلا الأمانة، ثم قال: يؤتى بالعبد يوم القيامة وإن قتل في سبيل الله، فيقال: أد أمانتك، فيقول: أي: رب كيف وقد ذهبت الدنيا؟ قال: فيقال: انطلقوا به إلى الهاوية، فينطلق به إلى الهاوية، وتمثل له أمانته كهيئتها يوم دفعت إليه، فيراها فيعرفها، فيهوي في أثرها حتى يدركها، فيحملها على منكبيه، حتى إذا نظر ظن أنه خارج زلت عن منكبيه، فهو يهوي في أثرها أبد الآبدين، ثم قال: الصلاة أمانة، والوضوء أمانة، والوزن أمانة، والكيل أمانة، وأشياء عدها، وأشد ذلك الودائع» 25.

وبهذا ندرك سر حرص النبي صلى الله عليه وسلم على التذكير بها في كل موعظة، فقد جاء عن أنس رضي الله عنه أنه قال: ما خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا قال: (لا إيمان لمن لا عهد له) 26.

ومن هنا اشترط فيمن يتولى أمور المسلمين أن يكون قادرًا على الوفاء بحق الأمانة، وليس كل مسلم صالحًا لها، فعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله ألا تستعملني؟ قال: فضرب بيده على منكبي، ثم قال: (يا أبا ذر إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها، وأدى الذي عليه فيها) 27.

والمقصود: أن الله أمر المؤمنين في هذه الآية بأداء الأمانات في جميع الأمور، سواء كانت من باب المذاهب والديانات، أو من باب الدنيا والمعاملات 28.

ومعنى أدائها إلى أهلها توصيلها إلى ذويها كما هي، من غير بخس ولا تطفيف، وأهل الأمانة هم مستحقوها، يقال: أهل الدار، أي: أصحابها.

فالعالم يؤدي أمانة العلم من غير زيادة عليها ولا تحريف لها؛ لأن الزيادة طمس لمعالم العلم، والتحريف تبديل للحق، فمن أوتي علمًا بالقرآن لا يؤله لهوى في نفسه، بل يقدمه للناس من غير تحريف للكلم عن مواضعه، والحكم كذلك أمانة في أعناق الحكام، عليهم أن يؤدوا الأمانة فيه بإقامة العدل، وتوخي المصلحة، وتجنب الفساد، سواء أكان فسادًا معنويًا، أم كان فسادًا ماديًا، والأول أعلى أنواع الفساد، والثاني أدناها، ومن أمانة الحكم ألا يشقوا على الرعية، وألا يفسدوا ضمائرهم، ولا يزعجوهم بالتظنن والتتبع، ما داموا مؤمنين مذعنين ... ، وإذا كانت رعاية الأمانات وأداؤها واجبًا مفروضًا على الأمة كلها حاكمها ومحكومها، وأنها متفاوتة المراتب، فإن الحاكم قد اختص بواجب آخر هو العدل، وهو من نوع الأمانة التي اختص بها؛ ولذا قال سبحانه بعد الأمر بأداء الأمانات: {وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} [النساء:58] 29.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت