ويضاف إلى هذا النوع الثاني الذي نص عليه ابن تيمية أمور:
أحدها: ما اشتهر عن خلق كثير من علماء أهل الكتاب ابتداء من عبد الله بن سلام رضي الله عنه وإلى عصرنا هذا، بل وإلى يوم القيامة، من وجدانهم أوصاف محمد صلى الله عليه وسلم وأنهم كانوا يقرؤونها في كتبهم.
والثاني: ما نقل العلماء والمفسرون من أخبار كثيرة عن أكابر أهل الكتاب وعلمائهم الذين شهدوا بالحق حتى وإن لم يتبعوه، من نحو خبر قيصر مع أبي سفيان، ومعرفته النبي صلى الله عليه وسلم، حتى هم أن يسلم ثم نكص لما عارضته حاشيته 38.
ومنها خبر الفتى اليهودي الذي حضر النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وفاته وشهادته بالحق قبل أن يموت 39.
ومنها أثر هشام بن العاص حين أرسل إلى هرقل فأراه صور الأنبياء وصورة النبي صلى الله عليه وسلم 40، وأثر جبير بن مطعم حين خرج تاجرًا إلى الشام فأراه رجل صورته عليه الصلاة والسلام 41، وحديث الأقرع مؤذن عمر في سؤال عمر رضي الله عنه للأسقف عما في كتابهم وإخباره له بصفته 42.
والثالث: كثير من الأخبار التي تتلى في كتب أهل الكتاب وفيها صفته صلى الله عليه وسلم، نحو ما نقل عطاء بن يسار عن عبد الله بن عمرو -وكان يحدث من كتب السابقين وأصاب في إحدى الغزوات صحيفة فكان يحدث منها- من أن صفة النبي صلى الله عليه وسلم «في التوراة كصفته في القرآن: يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا، وحرزًا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظٍ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح، ولن نقبضه حتى نقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا: «لا إله إلا الله» ، فنفتح به قلوبًا غلفًا، وآذانًا صمًا، وأعينًا عميًا «قال عطاء -وكان سأل عبد الله بن عمرو: ثم لقيت كعبًا فسألته عن ذلك، فما اختلفا حرفًا، إلا أن كعبًا قال بلغته: قلوبًا غلوفيا، وآذانًا صموميا، وأعينًا عموميا» 43.
ومن ذلك ما أخرج الحافظ ابن عساكر الدمشقي عن سهل مولى غنيمة أنه كان نصرانيًا من أهل مريس، وأنه كان يتيمًا في حجر أمه وعمه، وأنه كان يقرأ التوراة والإنجيل، قال: فأخذت مصحفًا لعمي فقرأته حتى مرت بي ورقة أنكرت كتابتها حين مرت بي ومسستها بيدي، قال: فنظرت فإذا أصول الورقة ملصوقة بغراء، قال: ففتقتها فوجدت فيها نعت محمد عليه الصلاة والسلام: «أنه لا قصير ولا طويل، أبيض ذو صفرة، من بين كتفيه خاتم، يكثر الاحتباء، ولا يقبل الصدقة، ويركب الحمار والبعير، ويحتلب الشاة، ويلبس قميصًا مرقوعًا، ومن فعل ذلك فقد برئ من الكبر، وهو يفعل ذلك وهو من ذرية إسماعيل اسمه أحمد» 44.
ومن ذلك، ما أخرجه البيهقي في الدلائل عن وهب بن منبه قال: «إن الله تعالى أوحى في الزبور يا داود، إنه سيأتي من بعدك نبي اسمه أحمد ومحمد، لا أغضب عليه أبدًا، ولا يعصيني أبدًا، وقد غفرت له قبل أن يعصيني ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
وأمته مرحومة أعطيتهم من النوافل مثل ما أعطيت الأنبياء، وافترضت عليهم الفرائض التي افترضت على الأنبياء والرسل، حتى يأتوني يوم القيامة ونورهم مثل نور الأنبياء.
وذلك أني افترضت عليهم أن يتطهروا إلى كل صلاة كما افترضت على الأنبياء قبلهم، وأمرتهم بالغسل من الجنابة كما أمرت الأنبياء قبلهم، وأمرتهم بالحج كما أمرت الأنبياء قبلهم، وأمرتهم بالجهاد كما أمرت الرسل قبلهم.
يا داود إني فضلت محمدًا وأمته على الأمم كلهم، أعطيتهم ست خصال لم أعطها غيرهم من الأمم:
1.لا أؤاخذهم بالخطأ والنسيان.
2.وكل ذنب ركبوه على غير عمد إذا استغفروني منه غفرته.
3.وما قدموا لآخرتهم من شيء طيبة به أنفسهم عجلته لهم أضعافًا مضاعفة، ولهم عندي أضعاف مضاعفة، وأفضل من ذلك.
4.وأعطيتهم على المصائب إذا صبروا وقالوا: (إنا لله وإنا إليه راجعون) الصلاة والرحمة والهدى إلى جنات النعيم.
5.فإن دعوني استجبت لهم؛ فإما أن يروه عاجلًا، وإما أن أصرف عنهم سوءًا، وإما أن أدخره لهم في الآخرة.
6.يا داود من لقيني من أمة محمد يشهد أن لا إله إلا الله، وحدي لا شريك لي، صادقا بها، فهو معي في جنتي وكرامتي، ومن لقيني وقد كذب محمدًا، وكذب بما جاء به، واستهزأ بكتابي، صببت عليه من قبره العذاب صبًا، وضربت الملائكة وجهه ودبره عند منشره في قبره، ثم أدخله في الدرك الأسفل من النار» 45.
وهذه الأخبار ونحوها وإن كانت قد رويت من طريق من أسلموا، أو من طريق مسلمين اطلعوا على كتب اليهود والنصارى، فليس ذلك قدحًا ولا طعنًا فيها؛ لأن أقل ما يقال لمن يعترض عليها: إن كان في كون رواتها مسلمين مطعن عليها، ففي كون المنكرين لها غير مسلمين مطعن في إنكارهم، وليس لهم أن يقولوا: إننا لا نجد في كتبنا ما نص عليه القرآن من تبشير الأنبياء به. قال ابن تيمية: «فإذا قال المعارض: عدم إخبار من قبله به يقدح في نبوته، وأنه إذا قدر أنه لم يخبر به من قبله -والإخبار شرط في النبوة- كان ذلك قدحا. قيل: الجواب هنا من طريقين:
أحدهما: أن يقال: إذا علمت نبوته بما قام عليها من أعلام النبوة فإما أن يكون تبشير من قبله لازمًا لنبوته واجبًا أو واقعًا، وإما أن لا يكون لازمًا؛ فإن لم يكن لازمًا لم يجب وقوعه، وإن كان لازمًا عُلِمَ أنه قد وقع وإن كان ذلك لم ينقل إلينا؛ إذ ليس كل ما قالته الأنبياء المتقدمون علمناه ووصل إلينا، وليس كل ما أخبر به المسيح ومن قبله من الأنبياء وصل إلينا، وهذا مما يعلم بالاضطرار.
ولو قدر أن هذا ليس في الكتب الموجودة لم يلزم أن المسيح ومن قبله لم يذكروه، بل يمكن أنهم ذكروه وما نقل، ويمكن أنه كان في كتب غير هذه، ويمكن أنه كان في نسخ غير هذه النسخ فأزيل من بعضها ونسخت هذه مما أزيل منه، وتكون تلك النسخ التي هو موجود فيها غير هذه، فكل هذا ممكن في العادة لا يمكن الجزم بنفيه. فلو قدر أنه ليس في هذه الكتب الموجودة اليوم بأيدي أهل الكتاب لم يقطع بأن الأنبياء لم يبشروا به، فإذا لم يمكن لليهود أن يقطعوا بأن المسيح لم يبشر به الأنبياء، ولا يمكن أهل الكتاب أن يقطعوا بأن محمدًا لم يبشر به الأنبياء، لم يكن معهم علم بعدم ذلك، بل غاية ما يكون عند أحدهم ظن لكونه طلب ذلك فلم يجده» 46.
الرابع: أن كثيرا من هذه الأخبار ما زالت تتلى في كتب النصارى إلى اليوم، وإن كانوا يتأولونها على غير ما يقول المسلمون فيها، وقد أورد الرازي في تفسيره «بعض ما جاء به عيسى عليه السلام بمقدم سيدنا محمد عليه السلام في الإنجيل
أولها: في الإصحاح الرابع عشر من إنجيل يوحنا هكذا: «و أنا أطلب لكم إلى أبي حتى يمنحكم، ويعطيكم الفارقليط حتى يكون معكم إلى الأبد، والفارقليط هو روح الحق اليقين» هذا لفظ الإنجيل المنقول إلى العربي، وذكر في الإصحاح الخامس عشر هذا اللفظ: «و أما الفارقليط روح القدس يرسله أبي باسمي، ويعلمكم ويمنحكم جميع الأشياء، وهو يذكركم ما قلت لكم» ثم ذكر بعد ذلك بقليل: «وإني قد خبرتكم بهذا قبل أن يكون حتى إذا كان ذلك تؤمنون» .
وثانيها: ذكر في الإصحاح السادس عشر هكذا: «و لكن أقول لكم الآن حقًا يقينا: انطلاقي عنكم خير لكم، فإن لم أنطلق عنكم إلى أبي لم يأتكم الفارقليط، وإن انطلقت أرسلته إليكم، فإذا جاء هو يفيد أهل العالم، ويدينهم ويمنحهم ويوقفهم على الخطيئة والبر والدين» .
وثالثها: ذكر بعد ذلك بقليل هكذا: «فإن لي كلامًا كثيرًا أريد أن أقوله لكم، ولكن لا تقدرون على قبوله والاحتفاظ به، ولكن إذا جاء روح الحق إليكم يلهمكم ويؤيدكم بجميع الحق؛ لأنه ليس يتكلم بدعة من تلقاء نفسه» هذا ما في الإنجيل، فإن قيل: المراد بفارقليط إذا جاء يرشدهم إلى الحق ويعلمهم الشريعة وهو عيسى يجيء بعد الصلب؟
نقول: ذكر الحواريون في آخر الإنجيل أن عيسى لما جاء بعد الصلب ما ذكر شيئًا من الشريعة، وما علمهم شيئًا من الأحكام، وما لبث عندهم إلا لحظة، وما تكلم إلا قليلًا، مثل أنه قال: «أنا المسيح فلا تظنوني ميتا، بل أنا ناج عند الله ناظر إليكم، وإني ما أوحي بعد ذلك إليكم» 47.
وقد نقل من تفسيرات علمائهم الذين أسلموا علمهم بدلالتها على النبي صلى الله عليه وسلم كما كتب السموأل المغربي الذي كان من أكابر أحبارهم في كتابه «بذل المجهود في إفحام اليهود» 48 مثلًا.
وقد قام الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور بمقارنة بعض هذه الأخبار بما يقرأ النصارى اليوم في أناجيلهم، قال: «روى البخاري في كتاب «التفسير» من صحيحه في الكلام على سورة الفتح عن عطاء بن يسار أن عبد الله بن عمرو ابن العاص قال: «إن هذه الآية التي في القرآن: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا) [الأحزاب:45] . قال في التوراة: يا أيها النبيء إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا وحرزًا للأميين، أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويصفح (أو ويغفر) ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا: لا إله إلا الله، ويفتح (أو فيفتح) به أعينًا عميًا وآذانًا صمًا وقلوبًا غلفًا» اهـ.
وقول عبد الله بن عمرو «في التوراة» -يعني بالتوراة: أسفار التوراة وما معها من أسفار الأنبياء إذ لا يوجد مثل ذلك فيما رأيت من الأسفار الخمسة الأصلية من التوراة- وهذا الذي حدث به عبد الله بن عمرو ورأيت مقاربه في سفر النبيء أشعياء من الكتب المعبر عنها بالتوراة تغليبا، وهي الكتب المسماة بالعهد القديم، وذلك في الإصحاح الثاني والأربعين منه بتغيير قليل (أحسب أنه من اختلاف الترجمة أو من تفسيرات بعض الأحبار وتأويلاتهم) .
ففي الإصحاح الثاني والأربعين منه «هو ذا عبدي الذي أعضده مختاري الذي سرت به نفسي، وضعت روحي عليه فيخرج الحق للأمم، لا يصيح ولا يرفع ولا يسمع في الشارع صوته، قصبة مرضوضة لا تقصف، وفتيلة خامدة لا تطفأ، إلى الأمان يخرج الحق، لا يكل ولا ينكسر حتى يضع الحق في الأرض، وتنتظر الجزائر شريعته أنا الرب قد دعوتك بالبر فأمسك بيدك، وأحفظك وأجعلك عهدًا للشعب ونورًا للأمم؛ لتفتح عيون العمي؛ لتخرج من الحبس المأسورين من بيت السجن، الجالسين في الظلمة، أنا الرب هذا اسمي ومجدي لا أعطيه لآخر» .
وإليك نظائر صفته التي في التوراة من صفاته في القرآن:
في سورة البقرة في ذكر الذين كفروا مقابلًا لذكر المؤمنين في قوله قبله: {هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} [البقرة:2] .
ولنذكر هنا ما في سفر أشعياء ونقحم فيه بيان مقابلة كلماته بالكلمات التي جاءت في حديث عبد الله بن عمرو.
جاء في «الإصحاح» الثاني والأربعين من سفر أشعياء: هو ذا عبدي (أنت عبدي) «الذي أعضده مختاري (ورسولي) الذي سرت به نفسي، وضعت روحي عليه فيخرج الحق للأمم لا يصيح (ليس بفظ) ولا يرفع (ولا غليظ) ولا يسمع في الشارع صوته (ولا صخاب في الأسواق) قصبة مرضوضة لا يقصف (ولا يدفع السيئة بالسيئة) وفتيلة خامدة لا تُطْفأ (يعفو ويصفح) إلى الأمان يخرج الحق (وحرزًا) لا يكل ولا ينكسر حتى يضع الحق في الأرض (ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء) وتنتظر الجزائر شريعته (للأميين) أنا الرب قد دعوتك بالبر فأمسك بيدك (سميتك المتوكل) وأحفظك (ولن يقبضه الله) وأجعلك عهدًا للشعب (أرسلناك شاهدًا) ونورا للأمم (مبشرًا) لنفتح عيون العمي (ونفتح به أعينًا عميًا) لتخرج من الحبس المأسورين من بيت السجن (وآذانًا صمًا) الجالسين في الظلمة (وقلوبًا غلفًا) . أنا الرب هذا اسمي ومجدي لا أعطيه لآخر» (بأن يقولوا: لا إله إلا الله) » 49.
هذا عما روي من أوصاف النبي صلى الله عليه وسلم في الكتب السابقة، أما القرآن الكريم فإنه مع إخباره بأن أهل الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم إلا أنه لم ينص على وصف خاص من أوصافه سوى أنه من الأميين {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ} [الأعراف:157] .
وإنما نص على أمور:
أحدها: الشريعة التي يجيء بها: {يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} [الأعراف:157] .
والثاني: صفة تأديبه للناس: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (129) } [البقرة:129] .
والثالث: صفة أصحابه: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (29) } [الفتح:29] .
وصفة من بعث فيهم {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (2) } [الجمعة:2] .
فأما (الأمي) فقيل: هو الذي لا يقرأ ولا يكتب ولا يحسب «قال ابن عباس: هو منكم كان أميًا لا يكتب ولا يقرأ ولا يحسب قال الله تعالى: {وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ} [العنكبوت:48] .
وقال صلى الله عليه وسلم (إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب) .
وقيل: هو منسوب إلى أمته كأن أصله أمتي فسقطت التاء من النسبة كما سقطت من المكي والمدني.
وقيل: منسوب إلى أم القرى وهي مكة أم القرى. {الَّذِي يَجِدُونَهُ} أي: صفته ونبوته ونعته وأمره مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل» 50.
وأما معنى: {يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} فـ «المراد بالمعروف: الإيمان، وقيل: ما عرف في الشريعة. والمراد بالمنكر ضد ذلك، {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} فسر الأول بالأشياء التي يستطيبها الطبع كالشحوم، والثاني بالأشياء التي يستخبثها كالدم، فتكون الآية دالة على أن الأصل في كل ما تستطيبه النفس ويستلذه الطبع الحل، وفي كل ما تستخبثه النفس ويكرهه الطبع الحرمة إلا لدليل منفصل، وفسر بعضهم الطيب بما طاب في حكم الشرع والخبيث بما خبث فيه كالربا والرشوة» 51.
وقد جاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى الناس رسولا «فأمرهم بالمعروف ونهاهم عن المنكر وأحل لهم الطيبات وحرم عليهم الخبائث، لم يحرم عليهم شيئًا من الطيبات كما حرم على اليهود، ولم يحل لهم شيئًا من الخبائث كما استحلتها النصارى، ولم يضيق عليهم باب الطهارة والنجاسة كما ضيق على اليهود، ولم يرفع عنهم طهارة الحدث والخبث كما رفعته النصارى؛ فلا يوجبون الطهارة من الجنابة، ولا الوضوء للصلاة، ولا اجتناب النجاسة في الصلاة، بل يعد كثير من عبادهم مباشرة النجاسات من أنواع القرب والطاعات حتى يقال في فضائل الراهب: له أربعون سنة ما مس الماء؛ ولهذا تركوا الختان مع أنه شرع إبراهيم الخليل عليه السلام وأتباعه.
واليهود إذا حاضت عندهم المرأة لا يؤاكلونها ولا يشاربونها ولا يقعدون معها في بيت واحد، والنصارى لا يحرمون وطء الحائض، وكان اليهود لا يرون إزالة النجاسة بل إذا أصاب ثوب أحدهم قرضه بالمقراض، والنصارى ليس عندهم أي نجس يحرم أكله أو تحرم الصلاة معه» 52.
وأما الإصر الذي يضعه النبي صلى الله عليه وسلم فهو التكاليف الثقيلة، سواء أنزل بها شرع من عند الله أم استحدثها الناس من تلقاء أنفسهم، وأصل الإصر: «الثقل الذي يأصر صاحبه عن الحراك» 53.
ومعنى: « {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} أي: يخفف عنهم ما كلفوه من التكاليف الشاقة كقطع موضع النجاسة من الثوب أو منه ومن البدن، وإحراق الغنائم، وتحريم السبت، وقطع الأعضاء الخاطئة، وتعين القصاص في العمد والخطأ من غير شرع الدية فإنه وإن لم يكن مأمورًا به في الألواح إلا أنه شرع بعد تشديدًا عليهم على ما قيل.
وعن عطاء كانت بنو إسرائيل إذا قامت تصلي لبسوا المسوح، وغلوا أيديهم إلى أعناقهم، وربما ثقب الرجل ترقوته وجعل فيها طرف السلسلة، وأوثقها على السارية يحبس نفسه على العبادة، وعلى هذا فالأغلال يمكن أن يراد حقيقته» 54.
وأما وصف من بعث فيهم فهم الأميون: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (2) } [الجمعة:2] .
والأميون هم: «العرب، والأمي: هو الذي لا يقرأ ولا يكتب، وكذلك كان كثير من العرب. وسمي أميًّا نسبة إلى أمه يوم ولدته، لم يعرف القراءة ولا الكتابة وبقي على ذلك.
ومما يدل على أن المراد بالأميين هم العرب بعثة النبي صلى الله عليه وسلم منهم لقوله تعالى: {رَسُولًا مِنْهُمْ} كما يدل عليه قوله تعالى عن نبي الله إبراهيم: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ} [إبراهيم:37] .
وقوله تعالى: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ} [البقرة:129] .» 55.
«والمعنى: أن الله أقام رسوله للناس بين العرب يدعوهم، وينشر رسالته إلى جميع الناس من بلاد العرب، فإن دلائل عموم رسالة محمد صلى الله عليه وسلم معلومة من مواضع أخرى من القرآن كما في سورة الأعراف: {قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} [الأعراف:158] .
وفي سورة سبأ: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا} [سبأ:28] .» 56.
وأما وصف أصحابه، فقد ابتدأت فيه الآية بإثبات الرسالة له أولًا «محمدٌ رسول الله» . فـ «محمدٌ» مبتدأ و «رسول» خبره 57.
أو هو «خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هو محمد يعود هذا الضمير المحذوف على قوله: رسوله في الآية قبلها» 58.