فهرس الكتاب

الصفحة 378 من 2431

والمال باعتبار الملكية ينقسم إلى قسمين: خاص، وقد تقدم الكلام على الملكية الخاصة، وعام، وهو المال الذي خصص للمنفعة العامة، أي: جماعة المسلمين، ويشمل هذا النوع من الملكية: المرافق الأساسية للدولة، كالطرقات ومجاري الأنهار والشوارع، وكالبحار والغابات، والنفط والمعادن إن ظهرت في أرض غير مملوكة لأحد، وغير ذلك، يقرها الإسلام حماية للدولة وصيانة لسلامتها والعمل على تقدمها، والمحافظة على مرافقها العامة 103.

فالأساس في اعتبار الملكية العامة أنها منفعة للجميع، فلو احتكرها بعض الأفراد لأنفسهم لكان فيه تضييق على الآخرين، وإلحاق الضرر بهم 104.

وقد بين القرآن الكريم بعض أنواع الملكية العامة، كالفيء، وهو «المال المأخوذ من الكفار بغير قتال، كالخراج والجزية، أما المأخوذ بقتال فيسمى غنيمة» 105.

قال القرطبي: «الفيء، وهو ما رجع للمسلمين من أموال الكفار عفوًا صفوًا من غير قتال ولا إيجاف، كالصلح والجزية والخراج والعشور المأخوذة من تجار الكفار. ومثله أن يهرب المشركون ويتركوا أموالهم، أو يموت أحد منهم في دار الإسلام ولا وارث له» 106.

قال تعالى في بيان حكم الفيء: {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الحشر:7] .

فبين تعالى حكم الفيء ومصارفه، «فالفيء يقسم خمسة أقسام: خمس منها يقسم خمسة أخماس: سهم لله وللرسول، كان له في حياته ثم يصرف على مصالح المسلمين بعد وفاته، وسهم لذوي القربى من أقارب الرسول، وهم: بنو هاشم وبنو عبد المطلب، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لابن السبيل، وأما الأربعة أخماس الباقية فهي للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة، وقد وزعها في حياته على المهاجرين ولم يعط من الأنصار إلا رجلين أظهرا الفقر، وبعد وفاته تصرف للمرتزقة من الجند، أي: للجيش ما لم يوجد لهم تبرع أو مرتب خاص» 107.

قال القرطبي: «وأما بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالذي كان من الفيء لرسول الله صلى الله عليه وسلم يصرف عند الشافعي في قول إلى المجاهدين المترصدين للقتال في الثغور؛ لأنهم القائمون مقام الرسول عليه الصلاة والسلام. وفي قول آخر له: يصرف إلى مصالح المسلمين من سد الثغور وحفر الأنهار وبناء القناطر، يقدم الأهم فالأهم.

وهذا في أربعة أخماس الفيء. فأما السهم الذي كان له من خمس الفيء والغنيمة فهو لمصالح المسلمين بعد موته صلى الله عليه وسلم بلا خلاف ... وكذلك ما خلفه من المال غير موروث، بل هو صدقة يصرف عنه إلى مصالح المسلمين» 108.

وهكذا يقرر القرآن الكريم مبدأ الملكية العامة في الأمة ويحترمها، ولكنه لا يجعلها تطغى وتستبد على الملكية الخاصة، بل إنه يوازن بين الملكيتين بما يحقق لكل منهما مصلحته، ودون أن تطغى إحداهما على الأخرى.

ومن الجدير بالذكر: أن دعاة بعض المذاهب الاقتصادية الفاسدة، يحتجون بقوله تعالى: {كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ} على أنه يجوز للدولة أن تستولي على مصادر الإنتاج ورؤوس الأموال؛ لتعطيها أو تشرك فيها الفقراء، وما يسمونهم طبقة العمال.

وهذا على ما فيه من كساد اقتصادي، وفساد اجتماعي، قد ثبت خطؤه، وظهر بطلانه مجانبًا لحقيقة الاستدلال؛ لأن هذا المال ترك لمرافق المسلمين العامة من الإنفاق على المجاهدين، وتأمين الغزاة في الحدود والثغور، وليس يعطى للأفراد كما يقولون، ثم هو أساسًا مالٌ جاء غنيمة للمسلمين، وليس نتيجة كدح الفرد وكسبه. ولما كان مال الغنيمة ليس ملكًا لشخص، ولا هو أيضًا كسب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت