وأخيرًا: نجد أن القاذف يستحق تقريبًا نفس العقوبة ما دام قد افترى على الآخرين كذبًا، واستحل لحمهم، فله ثمانون جلدة بدلًا من مائة: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} [النور: 4] 71.
وقال تعالى عن عقوبة القتل الخطأ: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} [النساء: 92] .
هذه الصيغة من صيغ الامتناع، أي: يمتنع ويستحيل أن يصدر من مؤمن قتل مؤمن، أي: متعمدًا، وفي هذا الإخبار بشدة تحريمه وأنه منافٍ للإيمان أشد منافاة، وإنما يصدر ذلك إما من كافر أو من فاسق قد نقص إيمانه نقصًا عظيمًا، ويخشى عليه ما هو أكبر من ذلك، فإن الإيمان الصحيح يمنع المؤمن من قتل أخيه الذي قد عقد الله بينه وبينه الأخوة الإيمانية التي من مقتضاها محبته وموالاته، وإزالة ما يعرض لأخيه من الأذى، وأي أذى أشد من القتل؟ وهذا يصدقه قوله صلى الله عليه وسلم: (لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض) 72، فعلم أن القتل من الكفر العملي وأكبر الكبائر بعد الشرك بالله؛ ولما كان قوله: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا} لفظًا عامًّا لجميع الأحوال، وأنه لا يصدر منه قتل أخيه بوجه من الوجوه، استثنى تعالى قتل الخطأ فقال: {إِلَّا خَطَأً} فإن المخطئ الذي لا يقصد القتل غير آثم، ولا مجترئ على محارم الله، ولكنه لما كان قد فعل فعلًا شنيعًا وصورته كافية في قبحه، وإن لم يقصده؛ أمر تعالى بالكفارة والدية، فقال: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً} سواء كان القاتل ذكرًا أو أنثى، حرًّا أو عبدًا، صغيرًا أو كبيرًا، عاقلًا أو مجنونًا، مسلمًا أو كافرًا، كما يفيده لفظ (من) الدال على العموم، وهذا من أسرار الإتيان بـ (من) في هذا الموضع، فإن سياق الكلام يقتضي أن يقول: فإن قتله، ولكن هذا لفظ لا يشمل ما تشمله (من) وسواء كان المقتول ذكرًا أو أنثى، صغيرًا أو كبيرًا، كما يفيده التنكير في سياق الشرط، فإن على القاتل {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} كفارة لذلك، تكون في ماله، ويشمل ذلك الصغير والكبير، والذكر والأنثى، والصحيح والمعيب، في قول بعض العلماء.
ولكن الحكمة تقتضي أن لا يجزئ عتق المعيب في الكفارة؛ لأن المقصود بالعتق نفع العتيق، وملكه منافع نفسه، فإذا كان يضيع بعتقه، وبقاؤه في الرق أنفع له فإنه لا يجزئ عتقه، مع أن في قوله: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} ما يدل على ذلك؛ فإن التحرير: تخليص من استحقت منافعه لغيره أن تكون له، فإذا لم يكن فيه منافع لم يتصور وجود التحرير، فتأمل ذلك فإنه واضح.
وأما الدية فإنها تجب على عاقلة القاتل في الخطأ وشبه العمد {مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ} جبرًا لقلوبهم، والمراد بأهله هنا هم ورثته، فإن الورثة يرثون ما ترك، الميت، فالدية داخلة فيما ترك وللدية تفاصيل كثيرة مذكورة في كتب الفقه.
وقوله: {إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا} أي: يتصدق ورثة القتيل بالعفو عن الدية، فإنها تسقط، وفي ذلك حث لهم على العفو؛ لأن الله سماها صدقة، والصدقة مطلوبة في كل وقت {فَإِنْ كَانَ} المقتول {مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ} أي: من كفار حربيين {وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} أي: وليس عليكم لأهله دية لعدم احترامهم في دمائهم وأموالهم.
{وَإِنْ كَانَ} المقتول {مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} وذلك لاحترام أهله بما لهم من العهد والميثاق.
{فَمَنْ لَمْ يَجِدْ} الرقبة ولا ثمنها بأن كان معسرًا بذلك، ليس عنده ما يفضل عن مؤنته وحوائجه الأصلية شيء يفي بالرقبة {فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ} أي: لا يفطر بينهما من غير عذر، فإن أفطر لعذر فإن العذر لا يقطع التتابع، كالمرض والحيض ونحوهما، وإن كان لغير عذر انقطع التتابع ووجب عليه استئناف الصوم.
{تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ} أي: هذه الكفارات التي أوجبها الله على القاتل توبة من الله على عباده ورحمة بهم، وتكفير لما عساه أن يحصل منهم من تقصير وعدم احتراز، كما هو واقع كثيرًا للقاتل خطأ.
{وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} أي: كامل العلم كامل الحكمة، لا يخفى عليه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، في أي وقت كان وأي محل كان.
ولا يخرج عن حكمته من المخلوقات والشرائع شيء، بل كل ما خلقه وشرعه فهو متضمن لغاية الحكمة، ومن علمه وحكمته أن أوجب على القاتل كفارة مناسبة لما صدر منه، فإنه تسبب لإعدام نفس محترمة، وأخرجها من الوجود إلى العدم، فناسب أن يعتق رقبة ويخرجها من رق العبودية للخلق إلى الحرية التامة، فإن لم يجد هذه الرقبة صام شهرين متتابعين، فأخرج نفسه من رق الشهوات واللذات الحسية القاطعة للعبد عن سعادته الأبدية إلى التعبد لله تعالى بتركها تقربًا إلى الله، ومدها تعالى بهذه المدة الكثيرة الشاقة في عددها ووجوب التتابع فيها، ولم يشرع الإطعام في هذا الموضع لعدم المناسبة، بخلاف الظهار، ومن حكمته أن أوجب في القتل الدية ولو كان خطأ لتكون رادعة وكافة عن كثير من القتل باستعمال الأسباب العاصمة عن ذلك، ومن حكمته أن وجبت على العاقلة في قتل الخطأ بإجماع العلماء؛ لكون القاتل لم يذنب فيشق عليه أن يحمل هذه الدية الباهظة، فناسب أن يقوم بذلك من بينه وبينهم المعاونة والمناصرة والمساعدة على تحصيل المصالح وكف المفاسد، ولعل ذلك من أسباب منعهم لمن يعقلون عنه من القتل حذرًا من تحميلهم، ويخف عنهم بسبب توزيعه عليهم بقدر أحوالهم وطاقتهم، وخففت أيضًا بتأجيلها عليهم ثلاث سنين، ومن حكمته وعلمه أن جبر أهل القتيل عن مصيبتهم بالدية التي أوجبها على أولياء القاتل 73.
وأما عقوبة القتل العمد: فذكر تعالى وعيده وعيدًا ترجف له القلوب، وتنصدع له الأفئدة، وتنزعج منه أولو العقول، فقال تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} [النساء: 93] .
ولم يرد في أنواع الكبائر أعظم من هذا الوعيد بل ولا مثله، ألا وهو الإخبار بأن جزاءه جهنم، أي: فهذا الذنب العظيم قد انتهض وحده أن يجازى صاحبه بجهنم، بما فيها من العذاب العظيم، والخزي المهين، وسخط الجبار، وفوات الفوز والفلاح، وحصول الخيبة والخسار، فعياذًا بالله من كل سبب يبعد عن رحمته.
وهذا الوعيد له حكم أمثاله من نصوص الوعيد على بعض الكبائر والمعاصي بالخلود في النار، أو حرمان الجنة.
وقد اختلف الأئمة رحمهم الله في تأويلها مع اتفاقهم على بطلان قول الخوارج والمعتزلة الذين يخلدونهم في النار ولو كانوا موحدين.
والصواب في تأويلها ما قاله الإمام المحقق شمس الدين ابن القيم رحمه الله في «المدارج» 74 فإنه قال -بعد ما ذكر تأويلات الأئمة في ذلك وانتقدها فقال-: «وقالت فرقة: هذه النصوص وأمثالها مما ذكر فيه المقتضي للعقوبة ولا يلزم من وجود مقتضي الحكم وجوده، فإن الحكم إنما يتم بوجود مقتضيه وانتفاء موانعه.
وغاية هذه النصوص الإعلام بأن كذا سبب للعقوبة ومقتضٍ لها، وقد قام الدليل على ذكر الموانع فبعضها بالإجماع، وبعضها بالنص، فالتوبة مانع بالإجماع، والتوحيد مانع بالنصوص المتواترة التي لا مدفع لها، والحسنات العظيمة الماحية مانعة، والمصائب الكبار المكفرة مانعة، وإقامة الحدود في الدنيا مانع بالنص، ولا سبيل إلى تعطيل هذه النصوص فلا بد من إعمال النصوص من الجانبين.
ومن هنا قامت الموازنة بين الحسنات والسيئات اعتبارًا بمقتضي العقاب ومانعه، وإعمالًا لأرجحها.
قالوا: وعلى هذا بناء مصالح الدارين ومفاسدهما، وعلى هذا بناء الأحكام الشرعية والأحكام القدرية، وهو مقتضى الحكمة السارية في الوجود، وبه ارتباط الأسباب ومسبباتها خلقًا وأمرًا، وقد جعل الله سبحانه لكل ضد ضدًّا يدافعه ويقاومه، ويكون الحكم للأغلب منهما.
فالقوة مقتضية للصحة والعافية، وفساد الأخلاط وبغيها مانع من عمل الطبيعة، وفعل القوة والحكم للغالب منهما، وكذلك قوى الأدوية والأمراض، والعبد يكون فيه مقتضٍ للصحة ومقتض للعطب، وأحدهما يمنع كمال تأثير الآخر ويقاومه، فإذا ترجح عليه وقهره كان التأثير له.
ومن هنا يعلم انقسام الخلق إلى من يدخل الجنة ولا يدخل النار وعكسه، ومن يدخل النار ثم يخرج منها، ويكون مكثه فيها بحسب ما فيه من مقتضى المكث في سرعة الخروج وبطئه، ومن له بصيرة منورة يرى بها كل ما أخبر الله به في كتابه من أمر المعاد وتفاصيله، حتى كأنه يشاهده رأي عين، ويعلم أن هذا هو مقتضى إلهيته سبحانه وربوبيته وعزته وحكمته، وأنه يستحيل عليه خلاف ذلك، ونسبة ذلك إليه نسبة ما لا يليق به إليه، فيكون نسبة ذلك إلى بصيرته كنسبة الشمس والنجوم إلى بصره.
وهذا يقين الإيمان، وهو الذي يحرق السيئات كما تحرق النار الحطب، وصاحب هذا المقام من الإيمان يستحيل إصراره على السيئات، وإن وقعت منه وكثرت، فإن ما معه من نور الإيمان يأمره بتجديد التوبة كل وقت بالرجوع إلى الله في عدد أنفاسه، وهذا من أحب الخلق إلى الله».
وقال تعالى عن عقوبة الصيد في الحرم: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ} [المائدة: 95] .
أي: ومن قتل شيئًا من الصّيد وهو محرمٌ قاصدٌ لقتله، فجزاؤه أو فعليه جزاءٌ من الأنعام مماثلٌ لما قتله في هيئته وصورته إن وجد، وإلّا ففي قيمته 75.
وادعى بعض أهل العلم الإجماع على أنّ الحدود كفّاراتٌ لمن أقيمت عليه 76، وقال القاضي عياضٌ: «ذهب أكثر العلماء أنّ الحدود كفّاراتٌ» 77، وتوقف بعض العلماء في كون الحدود كفارات ولم يقضوا في ذلك بشيء 78.
ومن الآيات الصريحة في أن يوقع على الجاني مثل ما جنى -النّفس بالنّفس والجرح بالجرح- (القصاص) :
قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [البقرة: 178] .
يمتن تعالى على عباده المؤمنين بأنه فرض عليهم {الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} أي: المساواة فيه، وأن يقتل القاتل على الصفة، التي قتل عليها المقتول إقامة للعدل والقسط بين العباد.
وتوجيه الخطاب لعموم المؤمنين فيه دليل على أنه يجب عليهم كلهم، حتى أولياء القاتل، حتى القاتل بنفسه؛ إعانة ولي المقتول إذا طلب القصاص وتمكينه من القاتل، وأنه لا يجوز لهم أن يحولوا بين هذا الحد، ويمنعوا الولي من الاقتصاص، كما عليه عادة الجاهلية ومن أشبههم من إيواء المحدثين، ثم بيّن تفصيل ذلك 79.
فالعدل في القصاص -أيّها المؤمنون- حرّكم بحرّكم، وعبدكم بعبدكم، وأنثاكم بأنثاكم، ولا تتجاوزوا وتعتدوا، كما اعتدى من قبلكم وغيّروا حكم اللّه فيهم 80.
وليس الهدف من القصاص الانتقام ولا إرواء الأحقاد، إنما هو أجلّ من ذلك وأعلى إنه للحياة، وفي سبيل الحياة، بل هو في ذاته حياة، ثم إنه للتعقل والتدبر في حكمة الفريضة، ولاستحياء القلوب واستجاشتها لتقوى الله.
قال تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 179] .
والحياة التي في القصاص تنبثق من كف الجناة عن الاعتداء ساعة الابتداء، فالذي يوقن أنه يدفع حياته ثمنًا لحياة من يقتل جدير به أن يتروى ويفكر ويتردد، كما تنبثق من شفاء صدور أولياء الدم عند وقوع القتل بالفعل، شفائها من الحقد والرغبة في الثأر، الثأر الذي لم يكن يقف عند حد في القبائل العربية حتى لتدوم معاركه المتقطعة أربعين عامًا، كما في حرب البسوس المعروفة عندهم، وكما نرى نحن في واقع حياتنا اليوم، حيث تسيل الحياة على مذابح الأحقاد العائلية جيلًا بعد جيل، ولا تكف عن المسيل.
وفي القصاص حياة على معناها الأشمل الأعم، فالاعتداء على حياة فرد اعتداء على الحياة كلها، واعتداء على كل إنسان حي، يشترك مع القتيل في سمة الحياة، فإذا كف القصاص الجاني عن إزهاق حياة واحدة فقد كفه عن الاعتداء على الحياة كلها، وكان في هذا الكف حياة، حياة مطلقة، لا حياة فرد، ولا حياة أسرة، ولا حياة جماعة.
ثم -وهو الأهم والعامل المؤثر الأول في حفظ الحياة- استجاشة شعور التدبر لحكمة الله، ولتقواه: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} .
فهذا هو الرباط الذي يعقل النفوس عن الاعتداء، الاعتداء بالقتل ابتداء، والاعتداء في الثأر أخيرًا 81.
قال ابن كثير: «قوله: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} يقول تعالى: وفي شرع القصاص لكم -وهو قتل القاتل- حكمةٌ عظيمةٌ لكم، وهي بقاء المهج وصونها؛ لأنّه إذا علم القاتل أنّه يقتل انكفّ عن صنيعه، فكان في ذلك حياة النّفوس، وفي الكتب المتقدّمة: القتل أنفى للقتل، فجاءت هذه العبارة في القرآن أفصح وأبلغ وأوجز 82.
قال أبو العالية: «جعل اللّه القصاص حياةً، فكم من رجلٍ يريد أن يقتل فتمنعه مخافة أن يقتل» .
وكذا روي عن مجاهدٍ، وسعيد بن جبيرٍ، وأبي مالكٍ، والحسن، وقتادة، والرّبيع بن أنسٍ، ومقاتل بن حيّان.
{يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} يقول: يا أولي العقول والأفهام والنّهى، لعلّكم تنزجرون فتتركون محارم اللّه ومآثمه، والتّقوى: اسمٌ جامعٌ لفعل الطّاعات، وترك المنكرات» 83.
وقال تعالى: {الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} [البقرة: 194] .
ذكر تعالى هذه القاعدة حجّةً لوجوب مقاصّة المشركين على انتهاك الشّهر الحرام بمقابلتهم بالمثل؛ ليكون شهرٌ بشهرٍ جزاءً وفاقًا.
وفي جملة: {وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ} من الإيجاز ما ترى حسنه وإبداعه.
ثمّ صرّح بالأمر بالاعتداء على المعتدي مع مراعاة المماثلة -وإن كان يفهم ممّا قبله- لمكان كراهتهم للقتال في الحرم والشّهر الحرام فقال تفريعًا على القاعدة وتأييدًا للحكم: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} وإنّما يتحقّق هذا فيما تتأتى فيه المماثلة، وسمّى الجزاء اعتداءً للمشاكلة، وقد استدلّ الإمام الشّافعيّ بالآية على وجوب قتل القاتل بمثل ما قتل به بأن يذبح إذا ذبح، ويخنق إذا خنق، ويغرق إذا أغرق، وهكذا، وقال مثل ذلك في الغصب والإتلاف، والقصد أن يكون الجزاء على قدر الاعتداء بلا حيفٍ ولا ظلمٍ، وأزيد على هذا ما هو أولى بالمقام، وهو المماثلة في قتال الأعداء كقتل المجرمين بلا ضعفٍ ولا تقصيرٍ، فالمقاتل بالمدافع والقذائف النّاريّة أو الغازية السّامّة يجب أن يقاتل بها، وإلّا فاتت الحكمة لشرعيّة القتال وهي منع الظّلم والعدوان، والفتنة والاضطهاد، وتقرير الحرّيّة والأمان، والعدل والإحسان، وهذه الشّروط والآداب لا توجد إلّا في الإسلام؛ ولذلك قال تعالى بعد شرح القصاص والمماثلة: {وَاتَّقُوا اللَّهَ} فلا تعتدوا على أحدٍ، ولا تبغوا ولا تظلموا في القصاص بأن تزيدوا في الإيذاء، وأكّد الأمر بالتّقوى بما بيّن من مزيّتها وفائدتها فقال: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} بالمعونة والتّأييد، فإنّ المتّقي هو صاحب الحقّ وبقاؤه هو الأصلح، والعاقبة له في كلّ ما ينازعه به الباطل؛ لأنّ من أصول التّقوى اتّقاء جميع أسباب الفشل والخذلان 84.
وقال الشعراوي: «قوله الحق: {وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ} يقتضي منا أن نسأل: كيف يكون ذلك؟ وما هو الشيء الحرام؟
إن الشيء الحرام هو ما يحظر هتكه، والشيء الحلال هو المطلق والمأذون فيه، فهل يعني ذلك أن الذي يقوم بعمل حرام نقتص منه بعمل مماثل؟ هل إذا زنى رجل بامرأة نقول له: نقتص منك بالزنا فيك؟ لا.
إن القصاص في الحرمات لا يكون إلا في المأذون به؛ وكذلك إذا سرق مني إنسان مالًا وليس لدي بينة، لكني مقتنع بأنه هو الذي سرق هل أقتص منه بأن أسرق منه؟ لا، إن القصاص إنما يكون في الأمر المعروف الواضح، أما الأمر المختفي فلا يمكن أن نقتص منه بمثل ما فعل، لكن هب أن أحد الأقارب ممّن تجب نفقتهم عليك وامتنعت أنت عن النفقة على هذا الإنسان، وهذا أمر محرم عليك، وما دام الأمر علنيًّا فله أن يأخذ من مالك فيأكل، وتكون المسألة قصاصًا» 85.
وقال تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (126) وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (127) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} [النحل: 126 - 128] .
قال الرازي: «اعلم أنّه تعالى أمر برعاية العدل والإنصاف في هذه الآية ورتّب ذلك على أربع مراتب:
المرتبة الأولى: قوله: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} يعني إن رغبتم في استيفاء القصاص فاقنعوا بالمثل ولا تزيدوا عليه، فإنّ استيفاء الزّيادة ظلمٌ والظّلم ممنوعٌ منه في عدل اللّه ورحمته، وفي قوله: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} دليلٌ على أنّ الأولى له أن لا يفعل، كما أنّك إذا قلت للمريض: إن كنت تأكل الفاكهة فكل التّفّاح، كان معناه أنّ الأولى بك أن لا تأكله، فذكر تعالى بطريق الرّمز والتّعريض على أنّ الأولى تركه.
والمرتبة الثّانية: الانتقال من التّعريض إلى التّصريح وهو قوله: {وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ} وهذا تصريحٌ بأنّ الأولى ترك ذلك الانتقام؛ لأنّ الرّحمة أفضل من القسوة، والإنفاع أفضل من الإيلام.
المرتبة الثّالثة: وهو ورود الأمر بالجزم بالتّرك وهو قوله: {وَاصْبِرْ} لأنّه في المرتبة الثّانية ذكر أنّ التّرك خيرٌ وأولى، وفي هذه المرتبة الثّالثة صرّح بالأمر بالصّبر؛ ولمّا كان الصّبر في هذا المقام شاقًّا شديدًا ذكر بعده ما يفيد سهولته فقال: {وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ} أي: بتوفيقه ومعونته، وهذا هو السّبب الكلّيّ الأصليّ المفيد في حصول الصّبر، وفي حصول جميع أنواع الطّاعات؛ ولمّا ذكر هذا السّبب الكلّيّ الأصليّ ذكر بعده ما هو السّبب الجزئيّ القريب، فقال: {وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ} وذلك لأنّ إقدام الإنسان على الانتقام، وعلى إنزال الضّرر بالغير لا يكون إلّا عند هيجان الغضب.