فهرس الكتاب

الصفحة 76 من 2431

يقول سبحانه وتعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 216] .

يقول الشيخ سيد طنطاوي في تفسيره للآية الكريمة: «أي: أن القتال لشدة ويلاته، وما فيه من إزهاق الأرواح كأنه الكراهة نفسها فهو من وضع المصدر موضع اسم المفعول مبالغة، وقرئ (وهو كَرْهٌ لكم) -بفتح الكاف- فيكون فيه معنى الإكراه؛ لأن الكره بالفتح ما أكرهت عليه، وقيل: هما لغتان بمعنى واحد وهو الكراهية» 48.

وتتجلى رحمته سبحانه وتعالى في حبه الخير للمؤمنين بتكريهه لهم الكفر والفسوق والعصيان، وتحبيبه إليهم الإيمان، وجعله قناديل مضيئة تتزين به قلوب العابدين، فقال تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (7) } [الحجرات: 7] .

وزاده الله سبحانه وتعالى في تكريهه لأهل الإيمان عديد النواهي التي بينها في سورة الإسراء، ختمها بقوله تعالى: {كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا} [الإسراء: 38] .

تبيانًا منه سبحانه وتعالى لعدم إتيانها من المؤمنين، وأنها سيئات مكروهة عند الله تعالى، فالأولى بكم يا أهل الإيمان الانتهاء عنها.

الحالة الثانية: إكراه الكافرين للمؤمنين لصدهم عن سبيل الله:

إن أهل الكفر والضلال لا يتوانون لحظة في إكراه المؤمنين لصدهم عن دينهم وإغوائهم بشتى الطرق والوسائل وتتعدد وسائلهم وطرقهم وأساليبهم للصد عن سبيل الله بالترغيب تارة وأخرى بالترهيب، بما يتلاءم مع كل زمان ومكان، وهما في هذا وذاك إخوة وأولياء متفقون على صد الناس عن دين الله ولهم وسائلهم وأساليبهم في ذلك.

ولما علم الله سبحانه وتعالى كيد الكافرين وحربهم على أهل الإيمان فقد رخص رخصًا قولية لرفع أذاهم عن المؤمنين، واشترط أن يكون القلب مطمئنًا بالإيمان.

يقول تعالى: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (106) } [النحل: 106] .

«وهذا يعد رخصة للمسلمين الذين يتعرضون للبلاء الشديد على يد الكفار، فمن ثبت وراغم الكفار كما فعل بلال فهو أفضل، ومن أخذ بالرخصة كما فعل عمار فإنه لا إثم عليه مادام قلبه مطمئنًا بالإيمان، ولله الحمد والفضل، وفي اطمئنان القلب دلالة على أهمية صيانة الفكر من أن يتطرق إليه شيء من الشبهات التي يثيرها الكفار» 49.

ولم يقتصر أهل الشرك والكفر على إكراههم الناس بأنفسهم واتباعهم، بل إنهم أكرهوا وأجبروا كل الإمكانات المتاحة لإكراه أصحاب الاختصاصات المتعددة، في تسخيرها للصد عن سبيل الله تعالى، ففي قصة سيدنا موسى عليه السلام مع فرعون وسحرته، يتجلى القهر والتسلط الذي مارسه فرعون على السحرة؛ لسحر أعين الناس وصدهم عن الدعوة الجديدة، وحينما انكشف الأمر وبانت الحقيقة نطقوا بالحقيقة المرة.

فقال تعالى حكاية عنهم بعد إيمانهم: {إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [طه: 73] .

تتعدد الصور وتتنوع الوسائل التي يستخدمها الكافرون وأعوانهم في حربهم على الإسلام وأهله، فهم في صراع دائم مع المصلحين الداعين لوحدانية الله من دون نقص أو شوائب، ولكل عصر عناوينه وصوره المتعددة في فتنة الذين آمنوا، وهذه ضريبة طبيعة يدفعها أهل الإيمان في سبيل الله تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت