فهرس الكتاب

الصفحة 77 من 2431

يقول سبحانه وتعالى: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ} [العنكبوت: 2] .

إن الإكراه الذي يمارسه الطغاة والمستكبرون في حق المؤمنين، يؤثر على عوام الناس وضعفاء الإيمان، والذين يجهلون حقيقة الحياة الدنيا.

ومن ذلك ما ذكره الله عن حال بني إسرائيل مع فرعون، فقال تعالى: {فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ (83) وَقَالَ مُوسَى يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (84) فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (85) وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [يونس: 83 - 86] .

ولقد حث ربنا سبحانه وتعالى المؤمنين على الصبر والجلد في وجه الطغاة والعتاة، وعدم الركون إليهم والاستسلام لمخططاتهم للقضاء على الإسلام وأهله، وأمر المؤمنين الموحدين بالإعداد لهم وقتالهم، يقول تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (193) } [البقرة: 193] .

والأمر بقتال المشركين من الله سبحانه وتعالى للمؤمنين حتى لا تكون هناك محاولة من المشركين والكافرين لصرف الناس عن دين الله بالقوة والقهر والسيف؛ ولذلك لابد من مواجهتهم بالقوة ردًا لاعتدائهم على المسلمين، وخوفًا من صرفهم الناس عن دين الله، حتى إذا انتهوا عن معاندتهم ولزموا حدودهم فقد تم المراد {فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ} [البقرة: 193] .

2.الفتنة في الدين بالإكراه في حق الناس عامة.

إن الإسلام دين الرحمة والسماحة، شرعه يطابق العقل والمنطوق، ينسجم مع الفطر السليمة والنفوس الزاكية، يسمو بالبشرية إلى أرقى المراتب، ويعلو بالإنسان إلى أعلى الدرجات، فيه من الأخلاق ما يسع الناس جميعًا بدون تشدد ولا عسر وعنف ولا غلو ولا تنطع، فهو دين وسطي شامل لجميع نواحي الحياة، يصلح لكل زمان ومكان.

ولهذا فإن الله سبحانه وتعالى أنزل في كتابه الكريم وفي حق عامة الناس بأنه لا إكراه في الدين: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 256] .

فهذا دين واضح المعالم والمسالك، لا إكراه فيه ولا إجبار في اعتناقه والإيمان به.

ولما أراد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من حبه لأمته أن يكره بعضًا من الناس على الإيمان، استنكر عليه ربنا سبحانه وتعالى ذلك، وأنزل في ذلك قرآنًا يتلى إلى يوم القيامة.

يقول تعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} [يونس: 99] .

وكأن الله سبحانه وتعالى يعلمنا أن الفتنة في الدين وإكراه الناس على الدخول فيه، لا تنشئ المجتمع المسلم الذي يتحمل أعباء الدعوة إلى الله، ويلتزم بالتكاليف الإلهية، ولا تربي الأمة المجاهدة التي تدافع عن دينها وتذود عن حياضه، ولا تزهو الحضارة المنشودة بهم، إذن لابد أن لا يفتتن الناس في الدخول لهذا الدين، بل لهم الحرية في الدخول واعتناق هذا الدين، والتعرف عليه والإيمان بمعتقداته بالبحث والدراسة والتعمق والتأمل.

«فالإيمان إذن متروك للاختيار، لا يكره الرسول صلى الله عليه وسلم عليه أحدًا؛ لأنه لا مجال للإكراه في مشاعر القلب وتوجهات الضمير» 50.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت