ثم إن هناك فرقًا آخر بين رعي الأمانة وحفظ الفروج، وهو أن الفروج جزء من الإنسان لا تند عنه، أما الأمانات فقد تكون في أماكن متعددة، وربما تكون أماكن حفظها نائية عنه، فهي تحتاج إلى تفقد ورعاية، كما يحتاج الحيوان إلى حفظه من الذئاب والوحوش الضارية، وقد يصعب على الإنسان المحافظة على الأمانة من العادين واللصوص، فيضطر إلى تخبئتها في أماكن لا ينالها النظر، ولا يطولها التفتيش، فكان على المؤتمن أن ينظر في حفظها، كما ينظر الراعي لها، وهو أنسب من الحفظ.
وهناك فائدة أخرى، وهي أن كلمة (الراعي) قد تكون بمعنى الصاحب، تقول: (من راعي هذه الديار؟) أي: من صاحبها ومتولي أمرها؟ فيكون المعنى على هذا: والذين هم أصحاب الأمانات والعهود، أي: هم أهلها ومتولوها، ولو قيل بدل ذلك: الذين يحفظون الأمانة والعهود لم تفد هذه الفائدة الجليلة.
ثم إن اختيار كلمة {رَاعُونَ} بالصيغة الاسمية دون الفعلية له سببه، فإنه لم يقل: (يرعون) ؛ وذلك ليدل على لزوم ثبات الرعي ودوامه، وعدم الإخلال به البتة.
وأما تقديم الأمانة والعهد على {رَاعُونَ} فللاهتمام والعناية بأمرهما، وللدلالة على أنهما أولى ما يرعى في هذه الحياة،
وزيادة اللام في {لِأَمَانَاتِهِمْ} تفيد الزيادة في الاختصاص والتوكيد.
فيكون في هذه الآية وغيرها دلالة على تعظيم أمر الوفاء بالعهد؛ وذلك لأن الطاعات مقصورة على أمرين: التعظيم لأمر الله تعالى، والشفقة على خلق الله، فالوفاء بالعهد مشتمل عليهما معًا؛ إذ ذلك سبب لمنفعة الخلق، فهو شفقة على خلق الله؛ ولما أمر الله به كان الوفاء به تعظيمًا لأمر الله 83.
وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها، إذا ائتمن) أي: جعل أمينًا، ووضع عنده أمانة (خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر) أي: ترك الوفاء (وإذا خاصم فجر) 84. أي: مال عن الحق.
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر أصحابه بالوفاء بالعهد، فهذا حذيفة رضي الله عنه يقول: «ما منعنا أن نشهد بدرًا إلا أني وأبي أقبلنا نريد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذنا كفار قريش، فقالوا: إنكم تريدون محمدًا، فقلنا: ما نريده، إنما نريد المدينة، فأخذوا علينا عهد الله وميثاقه لتصيرن إلى المدينة، ولا تقاتلوا مع محمد صلى الله عليه وسلم، فلما جاوزناهم أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكرنا له ما قالوا، وما قلنا لهم، فقال: (نستعين الله عليهم، ونفي بعهدهم) فانطلقنا إلى المدينة، فذاك الذي منعنا أن نشهد بدرًا» 85.
فهذه صورة مشرقة في حرص النبي صلى الله عليه وسلم لحفظ العهود، وتربية أصحابه على تطبيق مكارم الأخلاق الرفيعة، وإن كان في ذلك إجحاف بالمسلمين، ومفوت لهم جهد بعض أفراد المجاهدين.
والمقصود أن من مجالات الأمانة المهمة الوفاء بالعهد والميثاق، ويبدأ ذلك من رعاية الأمانة الكبرى التي عرضها الله على السماوات والأرض والجبال، فأبين أن يحملنها، وأشفقن منها، وحملها الإنسان، وهي أمانة العقيدة والاستقامة عليها اختيارًا لا اضطرارًا، ومن رعاية العهد الأول المقطوع على فطرة الناس وهم بعد في الأصلاب: أن الله ربهم الواحد، وهم على هذا العهد شهود، ومن رعاية تلك الأمانة وهذا العهد تنبثق رعاية سائر الأمانات والعهود في معاملات الأرض.
وقد شدد الإسلام في الأمانة والعهد وكرر وأكد؛ ليقيم المجتمع على أسس متينة من الخلق والثقة والطمأنينة، وجعل رعاية الأمانة والعهد سمة النفس المؤمنة، كما جعل خيانة الأمانة وإخلاف العهد سمة النفس المنافقة والكافرة، ورد هذا في مواضع شتى من القرآن والسنة، والتي لا تدع مجالًا للشك في أهمية هذا الأمر في الإسلام.