فهرس الكتاب

الصفحة 1399 من 2431

عن عبد الله رضي الله عنه في قول الله: {زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ} قال: زيدوا عقارب أنيابها كالنخل الطوال، وعن ابن عباس رضي الله عنهما في الآية أنه قال: {زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ} قال: هي خمسة أنهار تحت العرش، يعذبون ببعضها في الليل، وببعضها في النهار 88.

وقد زيد لهم العذاب؛ لأنهم زادوا على كفرهم صد غيرهم عن الإيمان، فهم في الحقيقة ازدادوا كفرًا على كفرٍ، وأيضًا أتباعهم إنما اقتدوا بهم في الكفر، فوجب أن يحصل لهم مثل عقاب أتباعهم؛ لقوله تعالى: {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ} [العنكبوت: 13] .

ولقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري بسنده عن جرير بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ومن سن في الإسلام سنةً سيئةً، فعمل بها بعده، كتب عليه مثل وزر من عمل بها، ولا ينقص من أوزارهم شيءٌ) 89.

2.عدم المغفرة لهم إذا ماتوا على الكفر.

قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} [محمد: 34] .

قال السعدي رحمه الله: «هذه الآية والتي في البقرة قوله: {وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} [البقرة: 217] .

مقيدتان لكل نص مطلق فيه إحباط العمل بالكفر، فإنه مقيد بالموت عليه، فقال هنا: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا} بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر {وَصَدُّوا} الخلق {عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} بتزهيدهم إياهم بالحق، ودعوتهم إلى الباطل وتزيينه {ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ} لم يتوبوا منه {فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} لا بشفاعة ولا بغيرها؛ لأنه قد تحتم عليهم العقاب، وفاتهم الثواب، ووجب عليهم الخلود في النار، وسدت عليهم رحمة الرحيم الغفار.

ومفهوم الآية الكريمة: أنهم إن تابوا من ذلك قبل موتهم فإن الله يغفر لهم ويرحمهم، ويدخلهم الجنة، ولو كانوا مفنين أعمارهم في الكفر به، والصد عن سبيله، والإقدام على معاصيه، فسبحان من فتح لعباده أبواب الرحمة، ولم يغلقها عن أحد، ما دام حيًا متمكنًا من التوبة» 90.

وما تضمنته الآية الكريمة أن من مات على الكفر لن يغفر الله له؛ لأن النار وجبت له بموته على الكفر، جاء موضحًا في آياتٍ أخر من كتاب الله، كقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ} [آل عمران: 91] .

وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (161) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ} [البقرة: 161 - 162] .

وقوله تعالى: {وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [النساء: 18] .

فالفرصة متاحة فقط للمغفرة في هذه الدنيا، وباب التوبة يظل مفتوحًا للكافر حتى يغرغر، فإذا بلغت الروح الحلقوم فلا توبة ولا مغفرة، فقد ذهبت الفرصة التي لا تعود، روى الترمذي بسنده عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر) 91.

3.العذاب المهين.

قال تعالى: {اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ} [المجادلة: 16] .

قال الرازي رحمه الله: «فيه مسألتان:

المسألة الأولى: قرأ الحسن: {اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ} بكسر الهمزة، قال ابن جني: هذا على حذف المضاف، أي: اتخذوا ظهار إيمانهم جنةً عن ظهور نفاقهم وكيدهم للمسلمين، أو جنةً عن أن يقتلهم المسلمون، فلما أمنوا من القتل اشتغلوا بصد الناس عن الدخول في الإسلام بإلقاء الشبهات في القلوب، وتقبيح حال الإسلام.

المسألة الثانية: قوله تعالى: {فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ} أي: عذاب الآخرة» 92.

وقال الشنقيطي رحمه الله: «ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن المنافقين اتخذوا أيمانهم جنةً، والأيمان جمع يمينٍ، وهي الحلف، والجنة هي الترس الذي يتقي به المقاتل وقع السلاح، والمعنى: أنهم جعلوا الأيمان الكاذبة، وهي حلفهم للمسلمين إنهم معهم، وإنهم مخلصون في باطن الأمر ترسًا لهم يتقون به الشر الذي ينزل بهم لو صرحوا بكفرهم، وقوله تعالى: {فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} الظاهر أنه من (صد) المتعدية، وأن المفعول محذوفٌ، أي: فصدوا غيرهم ممن أطاعهم؛ لأن صدودهم في أنفسهم دل عليه قوله: {اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً} والحمل على التأسيس أولى من الحمل على التأكيد» 93.

فعذاب المهانة جزاء الاستهانة بالأيمان التي اتخذوها على أنفسهم، وجزاء الاستهانة بالمنهج الإلهي وبما جاء به.

والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

موضوعات ذات صلة:

الابتلاء، الأذى، الإعراض، الباطل، الفتنة، الضلال

1 مقاييس اللغة، ابن فارس 3/ 282.

2 الكليات، الكفوي 1/ 29.بتصرف.

3 التوقيف على مهمات التعريف 1/ 213.

4 المفردات، الراغب ص 275.بتصرف.

5 انظر: المعجم المفهرس الشامل لألفاظ القرآن الكريم، عبد الله جلغوم، باب الصاد، ص 691 - 692.

6 انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص 306.

7 لسان العرب، ابن منظور 8/ 343.

8 الفروق اللغوية، العسكري ص 112.

9 الفروق اللغوية، العسكري ص 311.

10 مقاييس اللغة، ابن فارس 2/ 72.

11 انظر: الفروق اللغوية، العسكري ص 190.

12 انظر: المصدر السابق.

13 انظر: تاج العروس، الزبيدي 18/ 409.

14 انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور 25/ 15.

15 التحرير والتنوير 19/ 275.

16 فتح القدير، الشوكاني 4/ 564.

17 التفسير القيم، ابن القيم ص 463.

18 أضواء البيان، الشنقيطي 3/ 146.

19 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب دعاء النبي صلى الله عليه وسلم الناس إلى الإسلام والنبوة، 4/ 45، رقم 2941.

20 جامع البيان، الطبري 20/ 635.

21 في ظلال القرآن 5/ 3199.

22 جامع البيان، الطبري 21/ 605.

23 في ظلال القرآن 5/ 2735.

24 معالم التنزيل، البغوي 3/ 366.

25 المنار، محمد رشيد رضا 10/ 25.

26 طريق الهجرتين، ابن القيم 1/ 596.

27 تفسير القرآن العظيم 2/ 346.

28 المنار، محمد رشيد رضا 5/ 185.

29 في ظلال القرآن 2/ 694.

30 فتح القدير، الشوكاني 5/ 230.

31 جامع البيان، الطبري 11/ 360.

32 المنار، محمد رشيد رضا 10/ 168.

33 فتح القدير 1/ 618.

34 جامع البيان، الطبري 13/ 591.

35 في ظلال القرآن 4/ 2087.

36 جامع البيان، الطبري 10/ 313.

37 التفسير المنير، الزحيلي 8/ 294.

38 أضواء البيان، الشنقيطي 7/ 111.

39 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الزكاة، باب اتقوا النار ولو بشق تمرة والقليل من الصدقة، 2/ 109، رقم 1415.

40 تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 345.

41 تفسير القرآن العظيم 4/ 45.

42 المنار، محمد رشيد رضا 9/ 546.

43 التحرير والتنوير 9/ 336.

44 انظر: تفسير ابن أبي حاتم 2/ 369، رقم 1940.

والمرفوع منه أخرجه أيضًا الطبراني في المعجم الكبير 8/ 31، رقم 7296، والحاكم في المستدرك 3/ 452، رقم 5706.

45 نثل: يقال: نثلت كنانتي نثلًا إذا استخرجت ما فيها من النبل.

انظر: مجمل اللغة، ابن فارس ص 855.

46 تفسير القرآن العظيم 1/ 421.

وأخرج نحوه ابن حبان في صحيحه، 15/ 557، رقم 7082، وصححه الألباني في تخريج فقه السيرة ص 166.

47 التحرير والتنوير 2/ 274.

48 التفسير المنير 2/ 231.

49 مفاتيح الغيب، الرازي 23/ 216.

50 لباب التأويل، الخازن 3/ 253.

51 جامع البيان، الطبري 7/ 220.

52 المصدر السابق 11/ 603.

53 في ظلال القرآن 3/ 1654.

54 جامع البيان، الطبري 22/ 660.

55 المنار، محمد رشيد رضا 10/ 460.

56 في ظلال القرآن 6/ 3579.

57 جامع البيان، الطبري 11/ 675.

58 في ظلال القرآن 3/ 1711.

59 الصبابة: بالفتح رقة الشوق وحرارته، والصبابة بالضم بقية الماء في الإناء.

انظر: مختار الصحاح، الرازي ص 172.

60 أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب السير، باب ما جاء في نسخ العفو عن المشركين، ونسخ النهي عن القتال حتى يقاتلوا، والنهي عن القتال في الشهر الحرام 9/ 20، رقم 17745، والطبراني في المعجم الكبير، 2/ 162، رقم 1670.

61 تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 97.

62 في ظلال القرآن 1/ 227.

63 تفسير القرآن العظيم 4/ 459.

64 الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 16/ 107.

65 جامع البيان، الطبري 22/ 653.

66 التحرير والتنوير 12/ 34.

67 مفتاح دار السعادة، ابن القيم 1/ 82.

68 جامع البيان، الطبري 10/ 316.

69 مفاتيح الغيب، الرازي 14/ 315.

70 التحرير والتنوير 8/ 249.

71 تفسير القرآن العظيم 3/ 449.

72 البحر المحيط، أبو حيان 6/ 591.

73 التحرير والتنوير، ابن عاشور 14/ 269.

74 تفسير القرآن العظيم 4/ 515.

75 في ظلال القرآن 4/ 2192.

76 أخرجه أحمد في مسنده، 28/ 229، رقم 17015، وأبو داود في كتاب الجهاد، باب في الإمام يكون بينه وبين العدو عهد فيسير إليه، 3/ 83، رقم 2759، والترمذي في سننه، أبواب السير، باب ما جاء في الغدر، 3/ 195، رقم 1580.

قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.

وصححه الألباني في صحيح أبي داود، رقم 2464.

77 مرقاة المفاتيح، الملا علي القاري 6/ 2563.

78 جامع البيان، الطبري 21/ 180.

79 في ظلال القرآن 6/ 3281.

80 تفسير القرآن العظيم 2/ 467.

81 الأحابيش: هم أحياء من القارة انضموا إلى بني ليث في محاربتهم قريشًا، والتحبش: التجمع، وقيل: حالفوا قريشًا تحت جبلٍ يسمى حبشيًا، فسموا بذلك.

انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير 1/ 330.

82 لباب النقول في أسباب النزول، السيوطي ص 99.

83 أي: سلب ماله.

84 جامع البيان، الطبري 11/ 170.

85 المنار، محمد رشيد رضا 9/ 550.

86 في ظلال القرآن 3/ 1507.

87 المحرر الوجيز، ابن عطية 4/ 560.

88 تفسير القرآن العظيم 4/ 510.

89 أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب الحث على الصدقة ولو بشق تمرة، 2/ 704، رقم 1017.

90 تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 790.

91 أخرجه أحمد في مسنده، 10/ 300، رقم 6160، والترمذي في سننه، أبواب الدعوات، باب في فضل التوبة والاستغفار وما ذكر من رحمة الله بعباده، 5/ 438، رقم 3537، وابن ماجه في سننه، كتاب الزهد، باب ذكر التوبة، 2/ 1420، رقم 4253.

قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.

وصححه الألباني في صحيح الجامع 1/ 386، رقم 1903.

92 مفاتيح الغيب 29/ 497.

93 أضواء البيان 7/ 553.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت