(60) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ (61) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ (62) أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (63) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (64) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (65) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (66) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (67) أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (68) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (69) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (70) أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (71) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (72) نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ (73) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ [الواقعة: 57 - 74] .
والقرآن الكريم يخاطب العقل، ويقنع الإنسان بالمنطق السهل المؤثر في النفس، بأسلوب حي جذاب؛ حيث يوجه نظره إلى آيات الله في الكون والرزق والحياة والموت والأحداث الجارية -كما سبق الحديث عنها- في المنهج الفطري الوجداني، ولكنه مرة أخرى يعرض لها؛ لما فيها من أسلوب منطقيٍ يتصف بالحيوية؛ لما فيها من الأسئلة الموجهة إلى المخاطب والإجابة عنها، إلى أن يصل إلى النتيجة المطلوبة بأسلوب ومنهج عقلي يؤدي في النهاية إلى الغاية ذاتها، وهي إدراك حقيقة الألوهية، وما يتفرع عنها من حقائق وقضايا الإيمان والعقيدة 53.
ولو تأمل الإنسان بعقله وفكره آيات الله الباهرة المبثوثة في الأرض والسماء وفي النفس والآفاق، لأيقن بأن وراء هذه الآيات قدرة الله سبحانه وتعالى، وأنها دليل على الإله الأوحد الذي تجب طاعته، والالتزام بأمره ونهيه، وخلع ما يعبد من دونه من الأنداد والشركاء، فهو المتفرد بالألوهية، فليست نفوسكم مخلوقة بالصدفة ولا بالطبيعة، وإنما خالقها الله القادر على كل شيء، وعلى البعث وإعادة الحياة 54.
قال تعالى: {وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (20) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} [الذاريات: 20 - 21] .
وبالأسلوب العقلي المنطقي تأتي أدلة الوحدانية، فتأتي الآيات القرآنية تباعًا لتبين أنه لو كان للكون خالقان لكان لا يجري تدبيرهما على نظام، ولا يتسق على إحكام واحد، ولكان العجز يلحق أحدهما؛ لتنازع الإرادتين بين سلب وإيجاب، وذلك لو أراد أحدهما مثلًا إحياء جسم، وأراد الآخر إماتته، فإما أن تنفذ إرادتهما فتتناقض؛ لاستحالة تجزؤ الفعل إن فرض الاتفاق، أو لامتناع اجتماع الضدين إن فرض الاختلاف، وإما لا تنفذ إرادتهما فيؤدي إلى عجزهما، أو لا تنفذ إرادة أحدهما فيؤدي إلى عجزه، والإله لا يكون عاجزًا ويسمى هذا الدليل دليل التمانع، أي: امتنعت الثنوية لامتناع الفساد، فكانت الوحدانية 55.
قال تعالى: {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ} [المؤمنون: 91] .
باستنكار وتعجب يكذبهم الله عز وجل فيما يدعون من الشريك والولد، و {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ} ، فلو كان هناك شريك لانفرد كل واحد من الآلهة بخلقه الذي خلقه، ولم يرض أن يضاف خلقه وإنعامه إلى غيره، ومنع كل إله الآخر عن الاستيلاء على ما خلقه هو، وطلب بعضهم مغالبة بعض، كما يفعل ملوك الدنيا فيما بينهم، ولغلب القوي منهم الضعيف، فتعدد الآلهة يلزمه التنازع والتغالب بينهم، فيختل النظام لهذا الكون، ويضطرب الأمر، ويعم الفساد في هذا العالم، والضعيف لا يمكن أن يكون إلهًا.
ولما كان المشاهد غير ذلك؛ إذ كل شيء في هذا الكون يسير بنظام محكم دقيق، دل الأمر على أن لهذا الكون كله إلهًا واحدًا قادرًا، وإذا كان كذلك فعلم عقلًا أنه إله واحد، بيده ملكوت كل شيء، ويقدر على كل شيء، فسبحان الله ما أبلغها من حجة وأوجزها لمن عقل وتدبر.
قال تعالى: {قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (42) سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا} [الإسراء: 42 - 43] .