قال الطبري: «اتبع، يا محمد صلى الله عليه وسلم، ما أمرك به ربك في وحيه الذي أوحاه إليك، فاعمل به، وانزجر عما زجرك عنه فيه، ودع ما يدعوك إليه مشركو قومك من عبادة الأوثان والأصنام، فإنه لا إله إلا هو» 25.
مع التنبيه أن المراد ب عن المشركين هو: عن مكابرتهم وأذاهم لا عن دعوتهم، فإن الله لم يأمر رسوله صلى الله عليه وسلم بقطع الدعوة لأي صنفٍ من الناس، وكل آيةٍ فيها الأمر ب عن المشركين فإنما هو إعراضٌ عن أقوالهم وأذاهم 26.
وفي موضع آخر من كتاب الله تعالى يبين الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم كيف يتعامل مع هؤلاء الكفار والمشركين الذين لم يريدوا إلا الحياة الدنيا، وتولوا عن التذكير بالقرآن.
قال الله تعالى: {فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (29) } [النجم:29] .
أي: اترك مجادلتهم فقد بلغت وأتيت بما عليك، ولا تهتم بشأنهم؛ فإن من غفل عن الله وأعرض عن ذكره، وانهمك في الدنيا بحيث كانت منتهى همته ومبلغ علمه؛ فلا تغتم وتتحسر على كفرهم 27.
وفي موضع آخر يأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم ب عن الجاهلين، وعدم التبالي بأفعالهم وهذا من باب حسن العشرة مع الناس.
قال الله تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف:199] .
فقوله تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ} دخل فيه صلة القاطعين، والعفو عن المذنبين، والرفق بالمؤمنين، وغير ذلك من أخلاق المطيعين.
وفي قوله: {وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} الحض على التعلق بالعلم، و عن أهل الظلم، والتنزه عن منازعة السفهاء، ومساواة الجهلة الأغبياء، وغير ذلك من الأخلاق الحميدة والأفعال الرشيدة 28.
وفي موضع آخر يخبر الله تعالى عن ما حدث من نبيه صلى الله عليه وسلم بأنه قد أعرض عن بعض أزواجه، وهي حفصة رضي الله عنها.
يقول الله تعالى: {وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ قَالَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (3) } [التحريم:3] .
ففي تلك الآية الكريمة تبين مدى كرم خلق النبي صلى الله عليه وسلم بأن هذا منه صلى الله عليه وسلم لكرم خلقه وشدة حيائه وحسن عشرته صلى الله عليه وسلم.
فقوله تعالى: {وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا} قال كثير من المفسرين: هي حفصة أم المؤمنين رضي الله عنها، أسر لها النبي صلى الله عليه وسلم حديثًا، وأمر أن لا تخبر به أحدًا، فحدثت به عائشة رضي الله عنهما، وأخبره الله بذلك الخبر الذي أذاعته، فعرفها صلى الله عليه وسلم، ببعض ما قالت، وأعرض عن بعضه، كرمًا منه صلى الله عليه وسلم، وحلمًا، كما قال سفيان: «ما زال التغافل من فعل الكرام» .
وإعراض الرسول صلى الله عليه وسلم عن تعريف زوجه ببعض الحديث الذي أفشته من كرم خلقه صلى الله عليه وسلم في معاتبة المفشية وتأديبها إذ يحصل المقصود بأن يعلم بعض ما أفشته فتوقن أن الله يغار عليه. فـ {قَالَتْ} له: {مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا} الخبر الذي لم يخرج منا؟ {قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ} الذي لا تخفى عليه خافية، يعلم السر وأخفى 29.
وفي موضع آخر يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا (28) } [الإسراء:28] .