قال تعالى: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (25) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ} [التوبة:25 - 26] .
فبين الله تعالى أن الاغترار بالكثرة مهلكة؛ ولذلك أكد على نصر الفئة القليلة إن كانت مؤمنة صابرة، فقال سبحانه وتعالى: {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (249) وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (250) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} [البقرة:249 - 251] .
فهذه هي القاعدة في حس الذين يوقنون أنهم ملاقو الله.
القاعدة: أن تكون الفئة المؤمنة قليلة؛ لأنها هي التي ترتقي الدرج الشاق حتى تنتهي إلى مرتبة الاصطفاء والاختيار، ولكنها تكون الغالبة؛ لأنها تتصل بمصدر القوى، ولأنها تمثل القوة الغالبة، قوة الله الغالب على أمره، القاهر فوق عباده، محطم الجبارين، ومخزي الظالمين وقاهر المتكبرين 104.
إن وعد الله بهزيمة الذين يكفرون ويكذبون وينحرفون عن منهج الله، قائم في كل لحظة، ووعد الله بنصر الفئة المؤمنة - ولو قل عددها - قائم كذلك في كل لحظة، وتوقف النصر على تأييد الله الذي يعطيه من يشاء حقيقة قائمة لم تنسخ، وسنة ماضية لم تتوقف.
وليس على الفئة المؤمنة إلا أن تطمئن إلى هذه الحقيقة، وتثق في ذلك الوعد، وتأخذ للأمر عدته التي في طوقها كاملة، وتصبر حتى يأذن الله، ولا تستعجل ولا تقنط إذا طال عليها الأمد المغيب في علم الله، المدبر بحكمته، المؤجل لموعده الذي يحقق هذه الحكمة 105.
موضوعات ذات صلة:
الاستكبار، التمكين، الحرب، الضعف، العزة، النصر، الوهن
1 انظر: تهذيب اللغة، الأزهري 9/ 274، الصحاح، الجوهري 6/ 2469، مقاييس اللغة، ابن فارس 5/ 36 - 37، لسان العرب، ابن منظور 15/ 206، القاموس المحيط، الفيروزآبادى 1327، تاج العروس من جواهر القاموس، الزبيدي 39/ 360.
2 التعريفات ص 179.
وانظر: التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي 276، الكليات، الكفوي ص 717، دستور العلماء، الأحمد نكري 3/ 68.
3 التحرير والتنوير 9/ 99.
4 انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص 587 - 588.
5 انظر: الوجوه والنظائر في القرآن العظيم، مقاتل بن سليمان ص 87 - 88، الوجوه والنظائر، الدامغاني ص 387 - 388، نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي ص 489 - 490.
6 انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس 5/ 36، لسان العرب، ابن منظور 15/ 206.
7 انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني، ص 419.
8 مقاييس اللغة 3/ 139.
9 الكليات، الكفوي ص 540.
10 انظر: الفروق اللغوية، العسكري ص 297.
11 انظر: لسان العرب، ابن منظور 15/ 180.
12 المفردات، ص 671.
13 الفروق اللغوية، العسكري ص 429.
14 الصحاح، الجوهري 4/ 1390.
15 التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص 223.
16 انظر: الفروق اللغوية، العسكري ص 330.
17 انظر: مختار الصحاح، الرازي ص 346.
18 المفردات ص 887.
19 انظر: الفروق اللغوية، العسكري ص 331.
20 انظر: النهج الأسمى، محمد الحمود النجدي ص 334.
21 جامع البيان، الطبري 11/ 233.
22 تفسير أسماء الله الحسنى، الزجاج ص 54.
23 توضيح المقاصد وتصحيح القواعد في شرح قصيدة الإمام ابن القيم، أحمد بن عيسى 2/ 126.
24 تفسير أسماء الله الحسنى، الزجاج ص 55.
وانظر: تهذيب اللغة، الأزهري 14/ 306.
25 لسان العرب، ابن منظور 13/ 399.
26 مفاتيح الغيب، الرازي 28/ 197.
27 أخرجه البخاري في صحيحه، 9/ 115.
28 شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري، الغنيمان 1/ 93.
29 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي، باب غزوة خيبر، رقم 4205، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب استحباب خفض الصوت بالذكر، رقم 2704.
30 جامع العلوم والحكم، ابن رجب 1/ 482.
31 الوابل الصيب، ص 77.
32 انظر: مدارج السالكين، ابن القيم 3/ 300، ففيه كلام نفيس.
33 جامع البيان، الطبري 22/ 8 - 11.
34 التحرير والتنوير 27/ 95.
35 والرسول جبريل عليه السلام في قول جمهور المتأولين، وهو الصحيح.
انظر: المحرر الوجيز 5/ 444.
36 وهو الوصف الخامس.
37 التحرير والتنوير 30/ 155 - 157، بتصرف شديد.
38 أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب معنى قول الله عز وجل: (ولقد رآه نزلة أخرى) ، وهل رأى النبي صلى الله عليه وسلم ربه ليلة الإسراء؟ رقم 177.
39 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الخلق، باب إذا قال أحدكم: آمين والملائكة في السماء، آمين، رقم 3232، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، بابٌ في ذكر سدرة المنتهى، رقم 147.
40 انظر: جامع البيان 22/ 44.
41 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير القرآن، باب (لقد رأى من آيات ربه الكبرى) ، رقم 4858.
42 أخرجه أحمد في مسنده، رقم 3748، 6/ 294.
وإسناده ضعيف، وصح بشواهده.
43 انظر: جامع البيان 12/ 533.
44 انظر: المصدر السابق 12/ 534.
45 انظر: المصدر السابق.
46 انظر: عبد الرزاق في تفسيره 2/ 191، والطبري في التفسير 12/ 535.
47 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي، باب غزوة أحدٍ، رقم 4041.
48 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي، باب (إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا) ، رقم 4054، ومسلم في صحيحه، كتاب الفضائل، بابٌ في قتال جبريل وميكائيل عن النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحدٍ، رقم 2306.
49 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي، باب مرجع النبي صلى الله عليه وسلم من الأحزاب، ومخرجه إلى بني قريظة ومحاصرته إياهم، رقم 4122، ومسلم في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب جواز قتال من نقض العهد، وجواز إنزال أهل الحصن على حكم حاكمٍ عدلٍ أهلٍ للحكم، رقم 1769.
50 جامع البيان، الطبري 2/ 53.
51 في ظلال القرآن، سيد قطب 1/ 76.
52 أضواء البيان، الشنقيطي 3/ 378.
53 التحرير والتنوير 9/ 100.
54 مفاتيح الغيب، الرازي 18/ 363.
55 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 8/ 394.
56 انظر: في ظلال القرآن 6/ 3903 - 3905.
57 مفاتيح الغيب، الرازي 28/ 26.
58 جامع البيان 18/ 326.
59 التحرير والتنوير 20/ 182.
60 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 7/ 312.
61 التحرير والتنوير 22/ 338 - 339.
62 جامع البيان، الطبري 2/ 53.
63 أضواء البيان، الشنقيطي 3/ 378.
64 التحرير والتنوير 14/ 264.
65 تيسير الكريم الرحمن ص 447.
66 التحرير والتنوير 9/ 100.
67 في ظلال القرآن 3/ 1371.
68 هذا قول من الأقوال في الآية.
انظر: جامع البيان، الطبري 3/ 600.
69 في ظلال القرآن 1/ 211.
70 أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب التسبيح أول النهار وعند النوم، رقم 2728.
71 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 1/ 682.
72 المصدر السابق 4/ 80.
73 جامع البيان، الطبري 11/ 249.
74 أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب فضل الرمي والحث عليه، وذم من علمه ثم نسيه، رقم 1917.
75 التحرير والتنوير 10/ 55، بتصرف.
76 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 8/ 28.
77 الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 11/ 320.
78 انظر: إعداد القوة ... الواقع والمأمول، محمد بن شاكر الشريف، مقال منشور بمجلة البيان العدد 223، ربيع الأول: 1427 هـ.
79 مفاتيح الغيب، الرازي 29/ 472.
80 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 7/ 73.
81 التحرير والتنوير 16/ 39.
82 الكشاف 3/ 104.
83 مفاتيح الغيب، الرازي 6/ 504.
84 في ظلال القرآن 1/ 259 - 260.
85 أجنحة المكر الثلاثة 699 - 701.
86 انظر: سيرة ابن هشام 1/ 628.
87 الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 8/ 35.
88 انظر: التفسير الوسيط، محمد طنطاوي 6/ 141 - 144.بتصرف.
89 انظر: في ظلال القرآن 3/ 1544.
90 التحرير والتنوير 10/ 257.
91 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب قول الله تعالى: (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه) ، رقم 2805، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب ثبوت الجنة للشهيد، رقم 1903.
92 روح المعاني 13/ 276.
93 الكشاف، الزمخشري 3/ 401.
94 في مصنفه، كتاب الفضائل، باب ما ذكر في موسى عليه السلام من الفضل، رقم 31842، 6/ 334.
وصححه ابن كثير في تفسيره 6/ 226.
95 السلفعة: البذيئة الفحاشة القليلة الحياء. ورجلٌ سلفعٌ: قليل الحياء جريءٌ.
انظر: لسان العرب، 8/ 161.
96 أي: لا تكثر الخروج والدخول من البيت.
97 جامع البيان، الطبري 15/ 403.
98 في ظلال القرآن 4/ 2292.
99 جامع البيان، الطبري 20/ 610.
100 مفاتيح الغيب، الرازي 27/ 637.
101 في ظلال القرآن 5/ 3194.
102 مفاتيح الغيب، الرازي 27/ 552.
103 بريقة محمودية، أبو سعيد الخادمي الحنفي 2/ 219.
104 في ظلال القرآن 1/ 269.
105 المصدر السابق 1/ 372.