فهرس الكتاب

الصفحة 1961 من 2431

وقال: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ} [فصلت: 44] » 30.

وقال تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا} [يوسف: 2] .

وقال تعالى: {قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ} [الزمر: 28] .

وقال تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا} [الزخرف: 3] .

ويؤخذ من هذه الآيات أن القرآن كله عربي، نزل بلسان العرب، وما من لفظ فيه إلا وهو عربي أصلًا، أو معرب خاضع لموازين اللغة العربية وقوالبها ومقاييسها، ولا يشكل على هذا اشتماله على بعض كلمات قيل: إنها من أصل أعجمي (غير عربي) مثل (سندس) و (إستبرق) و (قسورة) وغيرها؛ لأن هذه الكلمات إما أن تكون مشتركة بين العرب وغيرهم، أو أن العرب قد استعملوها وعربوها، فصارت تنسب إليهم لا باعتبار أصلها، بل باعتبار استعمالها وتعريبها.

قال الطبري: «ولم نستنكر أن يكون من الكلام ما يتفق فيه ألفاظ جميع أجناس الأمم المختلفة الألسن بمعنى واحد، فكيف بجنسين منها، كما قد وجدنا اتفاق كثير منهم فيما قد علمناه من الألسن المختلفة؛ وذلك كالدرهم والدينار والدواة والقلم والقرطاس» 31.

فلا مجال للطعن في كون القرآن كله عربي بمثل هذه الشبهة، وهي وجود بعض الألفاظ غير عربية أو مشتركة، وأنه لو كانت مجالًا للطعن في القرآن لما تركها أسلاف هؤلاء من مشركي مكة ومن بعدهم، وهم أهل اللغة، ولم يتركوا مجالًا لأحدٍ للطعن في النبي صلى الله عليه وسلم والقرآن إلا قالوه، ولو أنهم وجدوا هذه الشبهة قائمة لقالوها.

والمقصود أن القرآن كله عربي جملة وتفصيلًا، وأنه نزل بلسان العرب قوم النبي صلى الله عليه وسلم، وكان من مزية عربية القرآن وفضله على العرب أمران عظيمان، هما:

الأول: أن تعلم القرآن والنطق به على أصوله يُقَوِّمُ اللسان، ويفصح المنطق، ويصحح الكلام، ويساعد على فهم لغة العرب، فليس هناك شيء يشبه القرآن في تقويم الألسنة، حين تتأثر باللهجات العامية المختلفة.

الثاني: كان للقرآن الفضل الأكبر في الحفاظ على اللغة العربية في مسيرة القرون الأربعة عشر الغابرة، بما اشتملت عليه من فترات ضعف وتخلف.

ولعل التنويه بكون القرآن عربيًّا المقصود به بيان إعجاز القرآن الذي نزل بلغة العرب، وقد تحداهم بما هم بارعون فيه أن يأتوا بمثله فعجزوا، وهم أهل اللغة والفصاحة والبلاغة، وقد مضى من القرون والأحقاب ما يبلغ أربعة عشر قرنًا ولم يأت بما يناظره آتٍ، ولم يعارضه أحد بشيء إلا أخزى نفسه، وافتضح في أمره، وإنما تعذر على البشر الإتيان بمثله لأمور:

منها: أن علمهم لا يحيط بجميع أسماء اللغة العربية وأوضاعها التي هي ظروف المعاني والحوامل لها، ولا تدرك أفهامهم جميع معاني الأشياء المحمولة على تلك الألفاظ، ولا تكمل معرفتهم باستيفاء جميع وجوه النظوم التي بها يكون ائتلافها وارتباطها بعضها ببعض، فيتوصلوا باختيار الأفضل عن الأحسن من وجوهها إلا أن يأتوا بكلام مثله.

وإنما يقوم الكلام بأشياء ثلاثة:

1.لفظ حامل.

2.ومعنى به قائم.

3.ورباط لهما ناظم.

وإذا تأملت القرآن وجدت هذه الأمور منه في غاية الشرف والفضيلة، حتى لا ترى شيئًا من الألفاظ أفصح ولا أجزل ولا أعذب من ألفاظه، ولا ترى نظمًا أحسن تأليفًا وأشد تلاؤمًا وتشاكلًا من نظمه، وأما معانيه فكل ذي لب يشهد له بالتقديم في أبوابه، والرقي في أعلى درجاته.

وقد توجد هذه الفضائل الثلاث على التفرق في أنواع الكلام، وأما أن توجد مجموعة في نوع واحد منه، فلم توجد إلا في كلام العليم القدير، فخرج من هذا أن القرآن إنما صار معجزًا؛ لأنه جاء بأفصح الألفاظ، في أحسن نظوم التأليف، مضمنًا أصح المعاني، جامعًا في ذلك بين الحجة والمحتج له، والدليل والمدلول عليه؛ ليكون ذلك أوكد للزوم ما دعا إليه، وإنباءً عن وجوب ما أمر به ونهى عنه.

ومعلوم أن الإتيان بمثل هذه الأمور والجمع بين أشتاتها حتى تنتظم وتتسق أمرٌ تعجز عنه قوى البشر، ولا تبلغه قدرتهم، فانقطع الخلق دونه، وعجزوا عن معارضته بمثله، ومناقضيه في شكله، ثم صار المعاندون له يقولون مرة: إنه شعر لما رأوه منظومًا، ومرة إنه سحر لما رأوه معجوزًا عنه، غير مقدور عليه، وقد كانوا يجدون له وقعًا في القلب وقرعًا في النفس، يريبهم ويحيرهم، فلم يتمالكوا أن يعترفوا به نوعًا من الاعتراف؛ ولذلك قالوا: إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وكانوا مرة لجهلهم وحيرتهم يقولون: {أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الفرقان: 5] .

مع علمهم أن صاحبهم أمي، وليس بحضرته من يملي أو يكتب شيئًا، ونحو ذلك من الأمور التي أوجبها العناد، والجهل والعجز، وقد حكى الله عن بعض مردتهم -وهو الوليد بن المغيرة المخزومي- أنه لما طال فكره في القرآن، وكثر ضجره منه، وضرب له الأخماس من رأيه في الأسداس، فلم يقدر على أكثر من قوله: {إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ} [المدثر: 25] 32 عنادًا وجهلًا به، وذهابًا عن الحجة، وانقطاعًا دونها.

وقد اقترن وصف القرآن الكريم بكونه عربيًّا كونه بيِّنًا غير ذي عوج.

قال تعالى: {قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [الزمر: 28] .

ووصفت آياته بأنها مبينات.

قال تعالى: {وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ} [النور: 34] .

ولبيانه وصفه الله عز وجل بأنه ميسر للفهم والحفظ والاتعاظ، فقال: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} [القمر: 17] .

بل عد بعض العلماء من وجوه إعجاز القرآن يسر تناوله وسهولة حفظه وفهمه، وأنه قادر على مخاطبة جميع فئات الناس على مختلف ثقافاتهم وعصورهم؛ إذ إن معانيه مصوغة بحيث يصلح أن يخاطب بها الناس كلهم على اختلاف مداركهم وثقافاتهم، وعلى تباعد أزمنتهم وبلدانهم، ومع تطور علومهم واكتشافاتهم.

ومعنى أنه {غَيْرَ ذِي عِوَجٍ} أي: هو قرآن بلسان عربي مبين، لا اعوجاج فيه ولا انحراف ولا لبس، بل هو بيان ووضوح وبرهان 33.

وهذا التعبير أبلغ من التعبير بـ (مستقيم) ؛ لأن عوجًا نكرة، وقعت في سياق النفي؛ لما في {غَيْرَ} من معناه 34.

ولما كان القرآن لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه فمن المؤكد أن يكون غير ذي عوج، واللغة العربية هي الأنسب لقرآن غير ذي عوج.

وأخبر الله تعالى بأن آياته قد فصلت، فقال: {كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ} [فصلت: 3] .

أي: بينت آياته بالعربية حتى يفهم. ولا يرد على كونه مفصلًا مجيء بعض الحروف في أوائل السور، مثل: {حم} و {الم} و {ص} و {طسم} وغيرها؛ فهذه الحروف التي في أوائل السور وإن كان الظاهر أنها غير معروفة المعنى، إلا أن الصواب أن هذه الحروف جاءت لمعنى وهو تحدي العرب، وكأنه يقول لهم: هذا القرآن مكون من حروف جاءت من جنس كلامكم الذي تتكلمون به، فكيف عجزتم عن الإتيان بمثل سورة منه؟! ولهذا غالب السور التي جاءت في مطلعها هذه الحروف المقطعة يعقبها ذكر القرآن، أو ما يدل على الوحي إلا في سورتين، وهاتان السورتان أيضًا قد تضمنتا ذكر القرآن.

والمقصود أن عروبة القرآن أحد أهم أوصافه التي ذكرها الله في مقام الثناء على كتابه، وبهذا اللسان العربي الفصيح ارتفع عن أن يكون أعجميًّا، وأن يكون فيه عوج، بل هو في أعلى درجات البلاغة، وهي درجة الإعجاز التي اختص بها، ويشهد لذلك أن الله تعالى وصفه بأنه قرآن نزل بلسان عربي مبين، وكرر ذلك في مواضع كثيرة، وبين أنه رفعه عن أن يجعله أعجميًّا، وتحدى به البشر في أكثر من موضع على أن يأتوا بمثله.

ولما كان القرآن عربيًا تُوَجَّبَ على من يريد فهمه وتدبره أو تفسيره أن يعرف اللسان الذي نزل به، وأن يهتم بهذه اللغة كونها لغة القرآن الكريم والسنة المطهرة، وكونه جزءًا من الدين، بل لا يمكن أن يقوم الإسلام إلا به؛ إذ لا يصح أن يقرأ المسلم القرآن إلا بالعربية، وقراءة القرآن ركن من أركان الصلاة التي هي ركن من أركان الإسلام، كما أنه لا يتم فهم الكتاب العزيز إلا بمعرفة اللسان العربي؛ ولهذا ندرك حرص العلماء في العصور المتقدمة على التأليف في إعراب القرآن ومعانيه؛ بل إن بعض هذه الكتب منها ما يسمى بـ (معاني القرآن) مما يوحي بأهمية الإعراب في فهم المعاني.

فمن أراد الكلام على كتاب الله فعليه أولًا معرفة اللغة التي نزل بها وإلا لم يدرك مراد الله من كلامه، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «لابد في تفسير القرآن والحديث من أن يعرف ما يدل على مراد الله ورسوله من الألفاظ، وكيف يفهم كلامه؟ فمعرفة العربية التي خوطبنا بها مما يعين على أن نفقه مراد الله ورسوله بكلامه، وكذلك معرفة دلالة الألفاظ على المعاني، فإن عامة ضلال أهم البدع كان بهذا السبب، فإنهم صاروا يحملون كلام الله ورسوله على ما يدعون أنه دالٌّ عليه، ولا يكون الأمر كذلك» 35.

وهناك أمثلة عديدة تدل على أن من جهل لسان القرآن وأراد أن يتكلم فيه وقع في الخطأ والضلال، فهذا أبو عمرو بن العلاء لما ناظر عمرو بن عبيد في مسألة خلود أهل الكبائر في النار، واحتج ابن عبيد أن هذا وعد الله، والله لا يخلف وعده -يشير إلى ما في القرآن من الوعيد على بعض الكبائر بالنار والخلود فيها-، فقال له ابن العلاء: من العجمة أتيت، هذا وعيد لا وعد 36.

قال الشاعر 37:

وإني وإن أوعدته أو وعدته

لمخلف إيعادي ومنجز موعدي

وكذلك قول من زعم أنه يجوز للرجل نكاح تسع حرائر مستدلًّا بقوله تعالى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ} [النساء: 3] .

فالمجموع تسع نسوة، قال الشاطبي: «ولم يشعر بمعنى فعال ومفعل، وأن معنى الآية: فانكحوا إن شئتم اثنتين اثنتين، أو ثلاثًا ثلاثًا، أو أربعًا أربعًا» 38.

ومن ذلك قول من قال: إن المحرم من الخنزير إنما هو اللحم وأما الشحم فحلال؛ لأن القرآن إنما حرم اللحم دون الشحم، ولو عرف أن اللحم يطلق على الشحم بخلاف الشحم فلا يطلق على اللحم لما قال ما قال 39.

قال الشاطبي رحمه الله بعد أن ذكر الأمثلة السابقة: «فقد ظهر بهذه الأمثلة كيف يقع الخطأ في العربية في كلام الله سبحانه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وأن ذلك يؤدي إلى تحريف الكلم عن مواضعه، والصحابة رضوان الله عليهم برآء من ذلك؛ لأنهم عرب لم يحتاجوا في فهم كلام الله تعالى إلى أدوات ولا تعلم، ثم من جاء بعدهم ممن هو ليس بعربي اللسان تكلف ذلك حتى علمه» 40.

ولهذا نجد أن العلماء اشترطوا فيمن أراد تفسير كتاب الله معرفته عدة أمور، منها:

1.معرفة أوجه اللغة.

وهو أمر ضروري في اختيار ما يناسب النص، وقصر المعنى على الوجه المراد، ومن ذلك على سبيل المثال قوله تعالى: (وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى?) [الضحى: 7] .

فإن لفظة: (الضلال) تقع على معان كثيرة، فتوقع البعض أنه أراد بالضلال الذي هو ضد الهدى، وزعموا أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان على مذهب قومه أربعين سنة، وهذا خطأ فاحش؛ فقد طهره الله تعالى لنبوته، وارتضاه لرسالته، ومن سيرته صلى الله عليه وسلم ما يرد على مزاعمهم؛ إذ سمي في الجاهلية الأمين، وكانوا يرتضونه حكمًا لهم وعليهم، والله سبحانه وتعالى إنما أراد بالضلال: الغفلة، كما قال في موضع آخر: (? لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى) [طه: 52] .

فالمراد: الغفلة 41 أي: لا يغفل سبحانه وتعالى. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: «هو ضلاله وهو في صغره في شعاب مكة، ثم رده إلى جده عبد المطلب، أو هو ضلاله من حليمة السعدية مرضعته، أو يكون المراد: أنه ضل في طريق الشام حين خرج به عمه أبو طالب» 42.

2.معرفة الصيغ وما تدل عليه من معنى.

لئلا يؤدي ذلك إلى تفسير القرآن الكريم بما لا يليق، أو فهم المعنى غير المراد، ومن ذلك على سبيل المثال: (? وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ?) [فصلت: 46] .

وغير ذلك من الآيات التي ورد فيها نفي الظلم عن الله سبحانه وتعالى بصيغة (فعَّال) ، ففي هذه الآية وما أشبهها وردت لفظة (ظلام) بصيغة المبالغة، ومعلوم أن نفي المبالغة لا يستلزم نفي الفعل من أصله، مثال ذلك قولك: زيد ليس بنحَّار للإبل، لا ينفي إلا مبالغته في النحر ولا ينفي أنه ربما نحر بعض الإبل، ومعلوم أن المراد بنفي المبالغة في الآيات هو نفي الظلم من أصله عن الله سبحانه وتعالى.

وأجيب عن ذلك بناءً على فهم اللغة العربية وهو أن المراد نفي نسبة الظلم إليه سبحانه؛ لأن صيغة (فعَّال) قد جاءت في اللغة العربية مرادًا بها النسبة، فأغنت عن ياء النسب، ومثاله في لغة العرب قول امرئ القيس 43:

وليس بذي رمحٍ فيطعنني

وليس بذي سيفٍ وليس بنبال

أي: ليس بذي نبلٍ، وعلى هذا أجمع المحققون من المفسرين واللغويين 44.

3.معرفة الأوجه الإعرابية.

فمما يجب معرفته للمفسر معرفة أوجه الإعراب؛ لأن المعنى يتغير بتغير الإعراب، ويختلف باختلافه، وعلى سبيل المثال لو أن قارئًا قرأ: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ) [الإخلاص: 4] .

برفع (كفو) ونصب (أحد) لكان قد أثبت كفوًا لله، تعالى عما يقولون علوًّا كبيرًا، بل إن الحركة لها دور في المعنى ولو لم تكن إعرابًا، ويدل على ذلك لزوم كسر الخاء في قوله تعالى: (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ) [الحديد: 3] .

وكسر الواو في قوله تعالى: (هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ ?) [الحشر: 24] .

فإن فتحها يؤدي إلى معنى اعتقاده الكفر.

وكذلك فإن الإعراب له تأثير بَيِّنٌ في الأحكام الفقهية وتوجيهها؛ فالمعاني تختلف باختلاف وجوه الإعراب، ويختلف الحكم تبعًا لذلك، وعلى سبيل المثال لو قال شخص: فلان له عندي مائةٌ غير درهم، برفع (غير) لكان مقرًّا بالمائة كاملة؛ لأن غير هنا صفة للمائة، وصفتها لا تنقص شيئًا منها 45، ولو قال: له عندي مائةٌ غير درهم، بنصب (غير) لكان مقرًّا بتسعة وتسعين درهمًا؛ لأنه استثناء، والاستثناء إخراج ما بعد حرف الاستثناء من أن يتناول ما قبله.

ولو قال لزوجته: أنت طالق إن دخلت الدار، بكسر همزة (إن) لم تطلق حتى تدخل الدار؛ لأن (إن) للشرط، ولو قال: أنت طالق أن دخلت الدار بفتح همزة (أن) وقع الطلاق في الحال؛ لأن معنى الكلام: أنت طالق لأنك دخلت الدار؛ أي: من أجل أنك دخلت الدار؛ فصار دخول الدار علة طلاقها، لا شرطًا في وقوع طلاقها 46.

بل إن الحكم يختلف باختلاف تصاريف الكلمة؛ فلو أن رجلًا حلف ألا يلبس مما غزلته فلانة، فلا يحنث إلا بما غزلته قبل اليمين، ولو قال: مما تغزله فلا يحنث إلا بالذي تغزله بعد اليمين، فلو قال: من غزلها دخل فيه الماضي والمستقبل 47.

4.المعرفة بلغات العرب.

إذ من المعلوم أن لكل قبيلة لغتها، وأفصح اللغات لغة قريش، إلا أن هناك بعض الكلمات في القرآن جاءت على غير لغة قريش، فقد أشكل على عمر بن الخطاب رضي الله عنه معنى قوله تعالى: (أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى? تَخَوُّفٍڑ) [النحل: 47] .

فقام في المسجد فسأل عنها، فقام إليه رجل من هذيل فقال معناها: «على تنقص» 48 أي: شيئًا فشيئًا.

بل إن تحديد الدلالة اللفظية قد يتوقف عليها تقرير الحكم الشرعي؛ لأن الأسلوب العربي في لغة القرآن الكريم يتميز بالتصرف في فنون القول، وتكثر فيه الألفاظ التي تمثل أكثر من معنى، ومن ذلك على سبيل المثال:

والمقصود أن القرآن قد وصف بأنه عربي؛ لأنه نزل بلغة العرب، وخوطب الناس بالعربية؛ لأن أمة العرب أفصح الأمم لسانًا، وأسرعهم أفهامًا، وأقدرهم بيانًا، وألمعهم ذكاءً، وأحسنهم استعدادًا لقبول الهدى والرشاد؛ ولأن اللسان العربي أفصح الألسنة، وأنفذها في نفوس السامعين، وأحب اللغات للناس، فإنها أشرف وأبلغ وأفصح من اللغة التي جاء بها كتاب موسى عليه السلام، ومن اللغة التي تكلم بها عيسى عليه السلام ودونها أتباعه أصحاب الأناجيل؛ ولأنها لسان سهل وبين؛ ولهذا جعلت وسيلة لتبليغ الخير للناس ودعوتهم إلى الله، وقد ذكر جل وعلا أنه يسر هذا القرآن بلسان هذا النبي العربي الكريم؛ ليبشر به المتقين، وينذر به الخصوم الألداء، وهم الكفرة، فقال: (. فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا) [مريم: 97] .

وقال: (. فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) [الدخان: 58] .

فالله تعالى هنا يخبر عن نعمته وهي أنه يسر هذا القرآن الكريم بلسان النبي صلى الله عليه وسلم؛ ليحصل المقصود منه، والانتفاع به (لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ) بالترغيب في المبشر به من الثواب العاجل والآجل 52.

وفي قوله: (فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ) إشارة إلى أهمية اللسان الذي هو لسان النبي صلى الله عليه وسلم، وهو كذلك لسان قومه، يفهمون به ما يقوله لهم، ويحيط هو كذلك علمًا بما يقولون له، مما يفهم منه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قد بلغ القمة في فصاحة الكلام، ووضوح الخطاب، وقوة الحجة.

ومعنى تيسير القرآن تيسير ألفاظه ومعانيه وفهمه دون كلفة على السامع ولا إغلاق، كما يقولون: يدخل للأذن بلا إذن، وهذا اليسر يحصل من جانب الألفاظ وجانب المعاني؛ فأما من جانب الألفاظ فذلك بكونها في أعلى درجات فصاحة الكلمات وفصاحة التراكيب، أي فصاحة الكلام، وانتظام مجموعها بحيث يَخِفُّ حفظها على الألسنة.

وأما من جانب المعاني فبوضوح انتزاعها من التراكيب، ووفرة ما تحتوي عليه التراكيب منها من مغازي الغرض المسوقة هي له، وبتولد معان من معان أخر، كلما كرر المتدبر تدبره في فهمها، ووسائل ذلك لا يحيط بها الوصف 53. ومن أهمها إيجاز اللفظ؛ ليسرع تعلقه بالحفظ، وإجمال المدلولات؛ لتذهب نفوس السامعين في انتزاع المعاني منها كل مذهب يسمح به اللفظ والغرض والمقام، ومنها الإطناب بالبيان، إذا كان في المعاني بعض الدقة والخفاء، ويتأتى ذلك بتأليف نظم القرآن بلغة هي أفصح لغات البشر، وأسمح ألفاظًا وتراكيب، ووفرة المعاني، وبكون تراكيبه أقصى ما تسمح به تلك اللغة، فهو خيار من خيار من خيار.

ووصف الله القرآن بأنه أنزل حكمًا عربيًّا، فقال تعالى: (وَكَذَ?لِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا) [الرعد: 37] .

أي: بلسان العرب؛ لتحكم به بينهم.

أو المراد بـ (حُكْمًا عَرَبِيًّا) أي: محكمًا متقنًا بأوضح الألسنة وأفصح اللغات؛ لئلا يقع فيه شك واشتباه؛ وليوجب أن يتبع وحده، ولا يداهن فيه، ولا يتبع ما يضاده ويناقضه من الأهواء 54.

ففي هذه الآية الكريمة ذكر فضيلتين للقرآن الكريم:

فضيلة من جهة معانيه ومقاصده وهداياته وحكمه وأحكامه وتشريعاته، وهو المعبر عنها بكونه (حُكْمًا) .

وفضيلة من جهة ألفاظه ومفرداته وتراكيبه، وهى المعبر عنها بكونه (عَرَبِيًّا) أي: نزل بلغة العرب التي هي أفصح اللغات وأغناها وأجملها.

فحصل لهذا الكتاب كمالان؛ كمال من جهة معانيه ومقاصده، وهو كونه (حُكْمًا) ، وكمال من جهة ألفاظه، وهو المكنى عنه بكونه (عَرَبِيًّا) ، وذلك ما لم يبلغ إليه كتاب قبله؛ لأن الحكمة أشرف المعقولات فيناسب شرفها أن يكون إبلاغها بأشرف لغة وأصلحها للتعبير عن الحكمة 55.

ثم في كونه (عربيًا) امتنان على العرب المخاطبين به ابتداءً، حيث إنه نزل بلغتهم، فكان من الواجب عليهم أن يقابلوه بالفرح والتسليم لأوامره ونواهيه، فهو الكتاب الذي فيه شرفهم وعزهم.

وكأن في هذا تعريض بغباء مشركي العرب، حيث لم يشكروا الله تعالى على هذه النعمة، بل قابلوا من أنزل عليه هذا القرآن بالعناد والعصيان 56.

وإنما سمي القرآن حكمًا؛ لأن مشتمل على جميع التكاليف والأحكام والحلال والحرام، والنقض والإبرام؛ أو لأنه لما كان القرآن سببًا للحكم جعل نفس الحكم على سبيل المبالغة، أو لأن الله تعالى لما حكم على جميع الخلق بقبول القرآن، والعمل بمقتضاه سماه حكمًا لذلك المعنى 57.

أو يكون الحكم هنا بمعنى: الحكمة، كما في قوله: (وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا) [مريم: 12] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت