فقال تعالى: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [البقرة: 85] .
لذا حذر الله تعالى المؤمنين من الإيمان ببعض الكتاب ورد بعضه كما فعل اليهود والنصارى فقال: {كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (90) الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ} [الحجر: 90 - 91] .
«أي: قسموه إلى حق وباطل حيث قالوا عنادًا وعداوة، بعضه حق موافق للتوراة والإنجيل وبعضه باطل مخالف لهما» 64.
فمن يفعل فعلهم من المسلمين بتجزئة القرآن وأخذ بعض أحكامه وترك بعضها فهو إلحاد في القرآن، مشابهة لليهود والنصارى.
5.نكران نبوة محمد صلى الله عليه وسلم:
ومنها: قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ} [آل عمران: 81] .
{رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ} يعني: «محمدًا صلى الله عليه وسلم، جاء بالقرآن بصدق التوراة في الأخبار والأقاصيص، {أَأَقْرَرْتُمْ} بالإيمان والنصرة له، وقبلتم؟ قالوا: {أَقْرَرْنَا} ، فقال الله للنبيين: {فَاشْهَدُوا} أنتم على أنفسكم وعلى أتباعكم» 65.
وقيل: «عهد إليهم في محمد صلى الله عليه وسلم أن يؤمنوا به.
قال مالك بن الصيف: والله ما عهد إلينا عهدًا في محمد، فأنزل الله تعالى: {أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} [البقرة: 100] » 66.
6.التدليس في كتابة الكتب السماوية:
ومثاله قوله تعالى: {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (79) } [البقرة: 79] .
أي: «يكتبون الكتاب أي: المحرف، أو ما كتبوه من التأويلات الزائغة بأيديهم، فإن نسبة المحرف والتأويل الزائغ إلى الله سبحانه صريحًا أشد شناعة من نفس التحريف والتأويل؛ ليشتروا به أي: يأخذوا لأنفسهم بمقابلته ثمنًا، هو ما أخذوه من الرشا بمقابلة ما فعلوا من التحريف والتأويل» 67.
وهذا تدليس على الكتب السماوية وإلحاد واضح عن الحق النازل من عند الله، ومنها:
-تعطيل أحكام الكتب: الاحتكام إلى غير كتاب الله هو إلحاد وزيغ وميل عن كتب الله، ومثاله قوله تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَ?ئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَھ) [المائدة: 44] . «أي: ولا تستبدلوا بأحكامي التي أنزلتها، الرشوة والجاه، (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ) مستهينًا به منكرًا له (فَأُولَ?ئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَھ) ؛ لاستهانتهم به وتمردهم بأن حكموا بغيره، ولذلك وصفهم بقوله: (الْكَافِرُونَ) و (الظَّالِمُونَ) و (الفاسقون) .
-لي اللسان بالآيات: بإدخالهم في الكتب ما ليس منها، ولي اللسان بالآيات؛ لتحريفها عن معناها الصحيح؛ إلحادًا في كتاب الله. قال تعالى: (وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ