والرشوة من المجالات التي يخطئ فيها الناس في الوظائف، فيتساهل الموظف بأخذ الرشوة ويسميها إكرامية، أو يسميها خدمة أو غيرها من المسميات، كما قالت بلقيس: {وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ} [النمل:35] .
سمتها هدية، وهكذا قد يتلمس لها الموظف اسمًا آخر؛ لكي يلتمس لنفسه العذر مع أنها رشوة، فلا يجوز تلقي الرشاوى في الوظائف العامة ولا الخاصة على العمل الذي يؤديه الإنسان، والذي هو مكلف به أساسًا، فهذا هو عمله ووظيفته فكيف يأخذ على ذلك أموالًا مقابل أن يؤدي العمل الواجب عليه؟!
وقد قال صلى الله عليه وسلم: (لعن الله الراشي والمرتشي) 119.
وعن أبي حميد الساعدي رضي الله عنه قال: استعمل النبي صلى الله عليه وسلم رجلًا من الأزد، يقال له: ابن اللتبية على الصدقة، فلما قدم قال: هذا لكم، وهذا أهدي لي، فقال صلى الله عليه وسلم: (فهلا جلس في بيت أبيه أو بيت أمه فينظر يهدى له أم لا؟ والذي نفسي بيده لا يأخذ أحد منه شيئًا إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته، إن كان بعيرًا له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر) 120.
وقد يتوصل الإنسان إلى الرشوة عن طريق أهله وزوجته أو أبنائه، فهذا واحد من عمال عمر رضي الله عنه أهدى إلى امرأة عمر نمرقتين، فدخل عمر ووجد في البيت سجادة، فقال: «من أين هذه السجادة؟ هل اشتريتها؟ قالت: بعث بها إلي فلان. قال: قاتله الله؛ لما أراد حاجة فلم يستطعها من قبلي أتاني من قبل أهلي، فجبذها جبذًا شديدًا من تحت من كان جالسًا عليها، وأخرجها من بيته، وفرقها بين امرأتين فقيرتين من الأنصار» 121.
ومن الأمانة في الأموال الأمانة في البيع والشراء، وهذا أدبٌ رفيع، وخلق اجتماعي، يقرب الناس من بعضهم؛ لأنه يوجد الراحة في النفوس، وللأمانة في البيع والشراء دورٌ كبيرٌ في طمأنينة النفس، واستتباب الأمن؛ لأن صدق التعامل مع الناس وسيلة لزيادة الحب والتآلف بينهم؛ لذلك أوصى صلى الله عليه وسلم التجار بالتزام الصدق والتقوى والأمانة؛ لينالوا درجة الصديقين والشهداء.
فعن أبي سعيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء) 122.
ومن مجالات الأمانة في الأموال رد الودائع إلى أهلها، وأداء الحقوق لأصحابها.
قال صلى الله عليه وسلم: (من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذ يريد إتلافها أتلفه الله) 123.
وقد ورد أن الشهيد يسأل عنها يوم القيامة، فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: «القتل في سبيل الله يكفر الذنوب كلها إلا الأمانة.
قال: يؤتى بالعبد يوم القيامة -وإن قتل في سبيل الله- فيقال: أد أمانتك، فيقول: أي رب كيف وقد ذهبت الدنيا؟ فيقال: انطلقوا به إلى الهاوية، وتمثل له أمانته كهيئتها يوم دفعت له، فيراها فيعرفها، فيهوي في أثرها حتى يدركها، فيحملها على منكبيه، حتى إذا ظن أنه خارج نزلت عن منكبيه، فهو يهوي في أثرها أبد الآبدين، ثم قال: الصلاة أمانة، والوضوء أمانة، والوزن أمانة، والكيل أمانة، وأشياء عددها وأشد ذلك الودائع» 124.
والوديعة: أن يودع أحد الأشخاص عند إنسان يثق به وديعة عينية من مال أو ذهب أو أوراق نقدية أو متاع أو نحوه مما يسمى أمانات، وحينئذٍ يجب على المسلم حفظ هذه الوديعة حتى يرجعها إلى صاحبها.
والمقصود أن من مجالات الأمانة الواسعة الأمانة في الأموال، فهي من الأمانات التي نسأل عنها يوم القيامة، ولنا الأسوة الحسنة في رسولنا الأمين صلى الله عليه وسلم، حينما استخلف عند هجرته ابن عمه علي بن أبي طالب رضي الله عنه؛ ليسلم المشركين الأمانات والودائع التي استحفظها، مع أن هؤلاء المشركين كانوا قد خططوا لقتله أو سجنه أو طرده من الديار، وأرغموه على الهجرة من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة 125.