وقد بين سبحانه وتعالى بعد ذكر الأمانة جزاء هذه الأقسام تجاه الأمانة، فقال: {لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [الأحزاب:73] .
فالأمين بلا ريب سيجد أثر هذا الخلق النبيل في يوم القيامة، وقد جاء عن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وترسل الأمانة والرحم، فتقومان جنبتي الصراط يمينًا وشمالًا) 147 وخص الأمانة والرحم بالذكر لعظم أمرهما، وكثير موقعهما؛ حيث يصورهما الله على الصفة التي يريدها سبحانه وتعالى، فتقومان تطالبان بحقهما كل من يريد الجواز على الصراط؛ لذلك كان لا بد من التواصي بين المسلمين بحفظ أمانات الدين، وتبليغه للناس، وحفظ أمانة الأموال، والوفاء في الديون والحقوق، وكتمان أسرار المجالس، وغيرها من الأمانات.
وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خمس من جاء بهن مع إيمان دخل الجنة، من حافظ على الصلوات الخمس على وضوئهن وركوعهن وسجودهن ومواقيتهن، وصام رمضان، وحج البيت إن استطاع إليه سبيلًا، وأعطى الزكاة طيبة بها نفسه، وأدى الأمانة) قالوا: يا أبا الدرداء، وما أداء الأمانة؟ قال: «الغسل من الجنابة» 148.
وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اضمنوا لي ستًا أضمن لكم الجنة: اصدقوا إذا حدثتم، وأوفوا إذا وعدتم، وأدوا إذا اؤتمنتم، واحفظوا فروجكم، وغضوا أبصاركم، وكفوا أيديكم) 149.
فالأمانة تعدل الدنيا وما فيها، فمن رزقه الله الأمانة هانت عنده الدنيا، ومتاعها الزائل، فلا يبيع أمانته بعرض من أعراضها.
فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أربع إذا كن فيك فلا عليك ما فاتك من الدنيا: حفظ أمانة، وصدق حديث، وحسن خليقة، وعفة في طهر) 150.
كما أن الأمانة سبيل الفلاح، ويبدو ذلك جليًا في قصة نبي الله يوسف عليه السلام، فقد كان أمة ومثالًا للأمانة والعفاف، ثم كان له بعد ذلك التمكين والفلاح، فبعد أن ذكرت امرأة العزيز براءته التي بلغت حاكم مصر.
قال: جيئوني به أجعله مقربًا لدي، ومن خلصائي، وأهل مشورتي.
قال تعالى: {وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي} [يوسف: 54] .
فأتوه به مكرمًا محترمًا، فلما جاء يوسف وكلمه الملك أعجبه كلامه، وعرف براءته، وعظيم أمانته، وحسن خلقه، وزاد موقعه عنده: {فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ} [يوسف: 54] .
أي: إنك اليوم عندنا عظيم المكانة، أمين على الأسرار، ومؤتمن على كل شيء، فأراد يوسف أن ينفع العباد، ويقيم العدل بينهم، فقال للملك: {اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} [يوسف: 55] .
أي: إني خازن أمين، ذو علم وبصيرة بما أتولاه، كما أن سلامة يوسف عليه السلام من الفاحشة مما يؤكد علاقة الأمانة بالدين. والله أعلم.
موضوعات ذات صلة:
الخيانة، والوفاء
1 مختار الصحاح، الرازي ص 26.
2 لسان العرب، ابن منظور 13/ 21.