قال تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [يونس: 18] .
وكانت حجتهم في عبادتها أنها تشفع لهم عند الله عز وجل، افتروا على الله بدعواهم هذه، فعند الله علم السماوات والأرض لا لأحد غيره.
قال تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا} [الفرقان: 55] .
إن المشركين بالله يعبدون من دونه آلهة أحجارًا صماء لا تضر ولا تنفع، ويتركون عبادة من أنعم عليهم بالكثير من النعم التي لا تعد ولا تحصى، وهذه الآية تنعى على المشركين خفة أحلامهم وسفه عقولهم في إعراضهم عن توحيد الله، وإنكار ألوهيته، وتندد باتخاذهم آلهة من دون الله يصنعونها بأيديهم ثم يعظمونها، ويقدمون لها القرابين من نعم الله وما أفاءه عليهم، وهي من الضعف والهوان بحيث لا تستطيع أن تجلب لهم نفعًا، ولا أن تدفع عنهم ضرًا، بل هي من المهانة بحيث لا تستطيع أن تجلب لنفسها نفعًا ولا تدفع عنها شرًا، بل كان إن جاع أحدهم أكله، وهم بذلك معينين للشيطان على ربهم، مظاهرين له على معصيته 28.
قال تعالى: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا} [الإسراء: 56] .
قال ابن عباس: «إن ناسًا من خزاعة كانوا يعبدون الجن، وهم يرون أنهم هم الملائكة» ، وقال مجاهد: «هم قوم من المشركين كانوا يعبدون الملائكة والمسيح وعزيرًا» 29.
وانصرف النصارى إلى عبادة المسيح دون الله سبحانه وتعالى فأشركوا، كما عبد المشركون البشر والملائكة والأصنام، فكانوا سواء في الكفر والضلال، فأمر الله رسوله أن يخاطبهم متعجبًا منكرًا: {قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [المائدة: 76] .
والمسيح لا يملك من الضر والنفع شيئًا مما يقدر عليه الله عز وجل، فهم قد عدلوا عن إفراد الله السميع لأقوال عباده في السر والعلن، العليم بكل شيء، إلى عبادة مخلوق خلقه الله، لا يستطيع أن يضرهم بمثل ما يضرهم الله به من البلايا والمصائب في الأنفس والأموال، ولا يقدر أن ينفعهم بمثل ما ينفعهم الله به من صحة الأبدان وسعة الأرزاق، فإن الضار والنافع هو الله سبحانه وتعالى، لا من يعبدون من دونه، ومن لم يقدر على النفع والضر لا يكون إلهًا، والله وحده هو السميع العليم 30.
قال ابن عباس: «إن أهل مكة قالوا: يا محمد، ألا يخبرك ربك بالسعر الرخيص قبل أن يغلو فتشتري به فتربح فيه عند الغلاء، وبالأرض التي يريد أن تجدب فترحل عنها إلى ما قد أخصبت» فأنزل الله عز وجل: {قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 188] .
فهذا أمر إلهي لتعليم وتلقين جميع المؤمنين، ولإزالة كل شك أو ريب، في أن الله وحده هو النافع الضار، والمنفرد بالتصرف المطلق في خلقه دون غيره، ولو كان هذا الغير رسولًا فهو أضعف من ذلك، فالرسول لا يملك حتى لنفسه نفعًا ولا ضرًا، رغمًا عن كونه خاتم المرسلين، وخير من وطئت قدمه الثرى، وفي أعلى درجات القرب من الله عز وجل والحصول على رضاه، فيعترف الرسول صلى الله عليه وسلم ببشريته وضعفه أمام قدرة الله جل جلاله، فيقر بأنه لا يقدر على اجتلاب نفع إلى نفسه، ولا دفع ضر يحل بها، ولو كان يعلم ما هو كائن مما لم يكن بعد لأعد الكثير من الخير 31.