وفيما يلي بعض الأمثلة على اقتران أسماء الله تعالى:
1.اقتران العليم بالحكيم.
كقوله تعالى: {قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} [البقرة: 32] .
يفيد اقتران الاسمين أن الله سبحانه وتعالى حكيم في تعليمه ما شاء لمن يشاء، ومنعه ما شاء عمن يشاء، وفي هذا المعنى يقول ابن كثير: « {إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} أي: العليم بكل شيء، الحكيم في خلقك وأمرك، وفي تعليمك ما تشاء ومنعك ما تشاء، لك الحكمة في ذلك والعدل التام» 40.
ويقول السعدي: «لما خلق الله آدم، وعلمه أسماء كل شيء مما جعله الله له، وبين يديه، وعجزت الملائكة عن معرفتها، وأنبأهم آدم بها {قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} فاعترفوا لله بسعة العلم، وكمال الحكمة» 41.
2.اقتران التواب بالرحيم.
كقوله تعالى: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 37] .
وقوله تعالى: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 128] .
وقوله تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 160]
إذا تأملنا الآيات السابقة وجدنا أن التوبة موضوع أساسي في هذه الآيات، فناسب تذييل الآيات بذكر اسم (التواب) ، حثًا للعباد عليها، وترغيبًا لهم فيها. واقترن اسم (الرحيم) مع (التواب) ؛ لأن التوبة بقسميها، سواء كان التوفيق للتوبة، أو قبولها، فإن ذلك كله من رحمة الله سبحانه وتعالى بعباده؛ لأن بقاءهم على الذنب من غير توبة سبب للعقوبة، ومن رحمة الله سبحانه وتعالى أن يجعل التوبة سببًا لدفع العقوبة عنهم.
وفي هذا يقول الإمام الطبري: «وأما قوله: {الرَّحِيمُ} ، فإنه يعني أنه المتفضل عليه مع التوبة بالرحمة، ورحمته إياه إقالة عثرته وصفحه عن عقوبة جرمه» 42.
ومن رحمة الله سبحانه أنه لم يعاجلهم بالعقوبة، بل أمهلهم ليتمكنوا من التوبة 43.
قال أبو السعود في اقتران الاسمين: «وفي الجمع بين الوصفين 44 وعدٌ بليغ للتائب بالإحسان مع العفو والغفران» 45.
3.اقتران الواسع بالعليم.
قال تعالى: {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 115] .
وقال تعالى: {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 247] .
وقال تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 261]
قال الإمام الطبري في معنى {وَاسِعٌ عَلِيمٌ} : «يسع خلقه كلهم بالكفاية والإفضال، والجود والتدبير، وأما قوله: {عَلِيمٌ} فإنه يعني أنه عليم بأفعالهم، لا يغيب عنه منها شيء، ولا يعزب عن علمه، بل هو بجميعها عليم» 46.
وقال السعدي: «واسع الفضل والصفات عظيمها، عليم بسرائركم ونياتكم. فمن سعته وعلمه وسع لكم الأمر، وقبل منكم المأمور، فله الحمد والشكر» 47.
وفي الآية الثانية قال الطبري: «وأما قوله: {وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} فإنه يعني بذلك: والله واسع بفضله، فينعم به على من أحب، ويريد به من يشاء، (عليم) بمن هو أهل لملكه الذي يؤتيه، وفضله الذي يعطيه، فيعطيه ذلك لعلمه به، وبأنه لما أعطاه أهل، إما للإصلاح به، وإما لأن ينتفع هو به» 48.
وقال ابن كثير: « {وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} أي: هو واسع الفضل يختص برحمته من يشاء، عليم بمن يستحق الملك ممن لا يستحق» 49.
وفي الآية الثالثة قال الطبري في تفسيره: «القول في تأويل قوله تعالى: {وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} يعني -تعالى ذكره- بذلك: والله واسع أن يزيد من يشاء من خلقه المنفقين في سبيله على أضعاف السبعمائة التي وعده أن يزيده، عليم من يستحق منهم الزيادة» 50.
وقال ابن القيم: «وقد ختم الآية باسمين من أسمائه الحسنى مطابقين لسياقها، وهما الواسع والعليم، فلا يستبعد العبد هذه المضاعفة ولا يضيق عنها عطنه 51، فإن المضاعف واسع العطاء، واسع الغنى، واسع الفضل، ومع ذلك فلا يظن أن سعة عطائه تقتضي حصولها لكل منفق؛ فإنه عليم بمن تصلح له هذه المضاعفة وهو أهل لها، ومن لا يستحقها ولا هو أهل لها، فإن كرمه وفضله تعالى لا يناقض حكمته، بل يضع فضله موضعه لسعته ورحمته، ويمنعه من ليس من أهله بحكمته وعلمه» 52.
ويتضح مما سبق أن هذين الاسمين (واسع عليم) اقترنا لبيان سعة عطاء الله سبحانه وتعالى، وعلمه بمن يستحق هذا العطاء، والمواضع الأخرى من القرآن الكريم التي اقترن فيها هذان الاسمان لا تخرج عن المعنى المذكور.
4.اقتران السميع بالعليم.
كقوله تعالى: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [البقرة: 127] .
وقوله تعالى: {فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [البقرة: 137] .
وقوله تعالى: {فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 181] .
وقوله تعالى: {وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 224] .
تختلف مناسبة اقتران هذين الاسمين من آية إلى أخرى، وذلك لاختلاف موضوع الآيات، فالآية الأولى في شأن الدعاء، ولذا ناسب أن يختم الدعاء بالتوسل إلى الله سبحانه باستجابة الدعاء بهذين الاسمين، فالسميع بمعنى السامع للدعاء، أو مجيب الدعاء، والعليم بحال الداعي وحاجته، فإن البشر لو سأل بشرًا مثله لابد له أن يعلمه بحاله وما فيه من العوز، أما الله - سبحانه وتعالى- لا يخفى عليه شيء من حال الداعي، فهو السامع لدعائه، العالم بحاله.
وأما في الآية الثانية فإن اقتران هذين الاسمين يحمل معنى التهديد والوعيد لأعداء الله، فالله سبحانه وتعالى هو السامع لأقوالهم، العليم بأفعالهم.
قال الطبري: «فسيكفيك الله يا محمد هؤلاء الذين قالوا لك ولأصحابك: {كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا} من اليهود والنصارى، إن هم تولوا عن أن يؤمنوا بمثل إيمان أصحابك بالله، وبما أنزل إليك، وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق وسائر الأنبياء غيرهم، وفرقوا بين الله ورسله، إما بقتل السيف، وإما بجلاء عن جوارك، وغير ذلك من العقوبات، فإن الله هو السميع لما يقولون لك بألسنتهم، ويبدون لك بأفواههم من الجهل والدعاء إلى الكفر والملل الضالة، العليم بما يبطنون لك ولأصحابك المؤمنين في أنفسهم من الحسد والبغضاء. ففعل الله بهم ذلك عاجلًا وأنجز وعده، فكفى نبيه صلى الله عليه وسلم بتسليطه إياه عليهم حتى قتل بعضهم وأجلى بعضًا، وأذل بعضًا وأخزاه بالجزية والصغار» 53.
قال ابن سعدي: «ولهذا وعد الله رسوله أن يكفيه إياهم؛ لأنه السميع لجميع الأصوات باختلاف اللغات، على تفنن الحاجات، العليم بما بين أيديهم، وما خلفهم، بالغيب والشهادة، بالظواهر، والبواطن، فإذا كان كذلك كفاك الله شرهم» 54.
وفي الآية الثالثة أيضًا جاء اقتران الاسمين تهديدًا ووعيدًا لمن بدل الوصية، لذا قال القرطبي في تفسيره عن هذين الاسمين وما تضمناه من الصفات: «صفتان لله تعالى لا يخفى معهما شيء من جنف 55 الموصين وتبديل المعتدين» 56.
وفي الآية الرابعة أيضًا يدل اقتران الاسمين فيها على التهديد لمن جعل الحلف مانعًا له من الخير، وفي ذلك يقول الطبري: «والله سميع لما يقوله الحالف منكم بالله إذا حلف، فقال: والله لا أبر، ولا أتقي، ولا أصلح بين الناس، ولغير ذلك من قيلكم وأيمانكم. عليم بما تقصدون وتبتغون بحلفكم ذلك الخير تريدون أم غيره، لأني علام الغيوب وما تضمره الصدور، لا تخفى علي خافية، ولا ينكتم عني أمر علن فظهر، أو خفي فبطن، وهذا من الله تعالى ذكره تهديد ووعيد ... » 57.
الخلاصة: أن اقتران هذين الاسمين (السميع العليم) جاء في آيات الدعاء للإشعار بقربه وسمعه للداعين، وعلمه بأحوالهم، وفي الجزاء لبيان سماعه لأقوالهم وعلمه بأعمالهم من خير وشر.
5.اقتران العزيز بالحكيم.
كقوله تعالى: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [البقرة: 129] .
وقوله تعالى: {فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [البقرة: 209] .
وقوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [البقرة: 220] .
وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [البقرة: 240]
تختلف مناسبة اقتران الاسمين من آية إلى أخرى، ففي الآية الأولى جاء اقتران الاسمين على لسان إبراهيم عليه السلام في دعائه لربه تعظيمًا وإجلالًا، فذكر اسم (العزيز) إشعارًا بقدرة الله سبحانه وتعالى على تحقيق مطلوبه، وذكر (الحكيم) تفاؤلًا بتحقيق الخير من الله - سبحانه وتعالى-لن يفعل بذريته إلا ما هو خير، وفي هذا يقول الطبري في تفسيره لهذه الآية: «إنك يا رب أنت العزيز القوي الذي لا يعجزه شيء أراده، فافعل بنا وبذريتنا ما سألناه وطلبناه منك. والحكيم: الذي لا يدخل تدبيره خلل ولا زلل، فأعطنا ما ينفعنا وينفع ذريتنا، ولا ينقصك ولا ينقص خزائنك» 58.
ويقول السعدي: «كما أن بعثك لهذا الرسول فيه الرحمة السابغة، ففيه تمام عزتك، وكمال حكمتك، فإنه ليس من حكمة أحكم الحاكمين أن يترك الخلق سدى هملًا، لا يرسل إليهم رسولا، فحقق الله حكمته ببعثته خاتمًا، كما حقق حكمته ورحمته ببعثة إخوانه المرسلين من قبله. لئلا يكون للناس على الله حجة. والأمور كلها: قدريها، وشرعيها، لا تقوم إلا بعزة الله، ونفوذ حكمه» 59.
والآية الثانية جاء اقتران الاسمين فيها للتهديد والوعيد لمن عدل عن الحق بعد ما تبين له، فإن العزيز الحكيم إذا عصاه العاصي عن علم، قهره بقوته، وعذبه بمقتضى حكمته، فإن من حكمته تعذيب العصاة والجناة، يقول ابن كثير في هذه الآية: «وقوله: {فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ} ، أي: عدلتم عن الحق بعدما قامت عليكم الحجج، {فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} ، أي: في انتقامه لا يفوته هارب ولا يغلبه غالب، حكيم في أحكامه ونقضه وإبرامه» 60.
قال الطبري في تفسيره: «فإن أخطأتم الحق، فضللتم عنه، وخالفتم الإسلام وشرائعه، من بعد ما جاءتكم حججي وبينات هداي، واتضحت لكم صحة أمر الإسلام بالأدلة التي قطعت عذركم أيها المؤمنون، فاعلموا أن الله ذو عزة، لا يمنعه من الانتقام منكم مانع، ولا يدفعه عن عقوبتكم على مخالفتكم أمره ومعصيتكم إياه دافع، حكيم فيما يفعل بكم من عقوبته على معصيتكم إياه بعد إقامته الحجة عليكم، وفي غيره من أموره» 61.
واقتران الاسمين في الآية الثالثة لبيان أن الله سبحانه وتعالى قادر على أن يضيق عليكم، ولكن حكمته سبحانه لم تقتض ذلك، بل شرع لكم كل ما هو محكم ومتقن، ويقول الطبري في تفسير الآية: «إن الله عزيز في سلطانه، لا يمنعه مانع مما أحل بكم من عقوبة، لو أعنتكم بما يجهدكم القيام به من فرائضه، فقصرتم في القيام به، ولا يقدر دافع أن يدفعه عن ذلك ولا عن غيره مما يفعله بكم وبغيركم من ذلك لو فعله هو، لكنه بفضل رحمته من عليكم بترك تكليفه إياكم ذلك، وهو حكيم في ذلك لو فعله بكم، وفي غيره من أحكامه وتدبيره لا يدخل أفعاله خلل ولا نقص ولا وهن ولا عيب؛ لأنه فعل ذي الحكمة الذي لا يجهل عواقب الأمور، فيدخل تدبيره مذمة عاقبة، كما يدخل ذلك أفعال الخلق لجهلهم بعواقب الأمور، لسوء اختيارهم فيها ابتداء» 62.
واقتران الاسمين في الآية الرابعة فيه التهديد والوعيد لمن خالف شرع الله المحكم، وفي هذا يقول الطبري: «وأما قوله: {وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} فإنه يعني تعالى ذكره: والله (عزيز) في انتقامه ممن خالف أمره ونهيه وتعدى حدوده من الرجال والنساء، فمنع من كان من الرجال نساءهم وأزواجهم ما فرض لهن عليهم في الآيات التي مضت قبل: من المتعة، والصداق، والوصية، وإخراجهن قبل انقضاء الحول، وترك المحافظة على الصلوات وأوقاتها، ومنع من كان من النساء ما ألزمهن الله من التربص عند وفاة أزواجهن عن الأزواج، وخالف أمره في المحافظة على أوقات الصلوات، (حكيم) فيما قضى بين عباده من قضاياه التي قد تقدمت في الآيات قبل قوله: {وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} وفي غير ذلك من أحكامه وأقضيته» 63.
الخلاصة: أن اقتران (العزيز الحكيم) في الآيات السابقة جاء بمناسبة الدعاء إجلالًا لله وتعظيمًا، وإشعارًا بقدرته على تحقيق المطلوب، وتفاؤلًا بحصول الخير، فإن ذلك من حكمة الله سبحانه وتعالى. كما جاء اقتران الاسمين بمناسبة ما جاء من أمر الله وشرعه المحكم الذي لا نقص فيه ولا خلل، وأن الله سبحانه وتعالى مقابل هذا الإحكام في شرعه وأمره قادر على الانتقام ممن خالف ذلك، لا يغلبه غالب، ولا يفوته هارب.
6.اقتران الرءوف بالرحيم.
كقوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ} [البقرة: 143]
قال محمد رشيد رضا في قوله: {إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ} : «الجملة استئنافية لبيان علة النفي فيما قبلها» 64.
قال أبو السعود: « {إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ} تحقيق وتقرير للحكم، وتعليل له، فإن اتصافه عز وجل بهما يقتضي لا محالة أن لا يضيع أجورهم، ولا يدع ما فيه صلاحهم» 65.
ولما كانت هذه الآية فيها طمأنة للمسلمين على إيمانهم وعلى صلاتهم، وأنهم ليسوا على ضلال، وأن صلاتهم لم تضع، ناسب ختامها باجتماع هذين الاسمين (رءوف رحيم) ، فإن ذلك كله من رأفة الله سبحانه وتعالى بعباده ورحمته بهم. ولما كان هذا في حال المؤمنين الأوائل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقتصر على ذكر الرحمة فحسب، بل أكد ذلك بالرأفة وهي أشد الرحمة.
الخلاصة: إذا تأملنا المواضع الأخرى من القرآن الكريم التي اقترن فيها هذان الاسمان (الرءوف الرحيم) وجدنا أنها لا تخرج عن امتنان الله سبحانه على عباده بأمر ديني أو دنيوي. فكل ما وهبه الله سبحانه وتعالى لعباده من خير، أو ما دفعه عنهم من سوء، فهو من رأفته ورحمته بهم.
7.اقتران الغفور بالرحيم.
كقوله تعالى: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة: 173] .
وقوله تعالى: {فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة: 192] .
وقوله تعالى: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة: 199] .
وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة: 218]
في تفسير الآية الأولى قال السعدي: «والإنسان في هذه الحالة مأمور بالأكل، بل منهي أن يلقي بيده إلى التهلكة، وأن يقتل نفسه. فيجب إذًا عليه الأكل، ويأثم إن ترك الأكل حتى مات، فيكون قاتلًا لنفسه، وهذه الإباحة والتوسعة من رحمته تعالى بعباده، فلهذا ختمها بهذين الاسمين الكريمين المناسبين غاية المناسبة فقال: {وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} أخبر أنه غفور، فيغفر ما أخطأ فيه في هذه الحال، خصوصًا وقد غلبته الضرورة، وأذهبت حواسه المشقة» 66.
وقال ابن كثير: «قال سعيد بن جبير: غفور لما أكل من الحرام رحيم إذ أحل له الحرام في الاضطرار» 67.
وأما الآية الثانية فقد قال الطبري في تفسيرها: «وأما قوله: {وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} فإنه يعني: والله غفور رحيم للموصي فيما كان حدث به نفسه من الجنف والإثم، إذا ترك أن يأثم ويجنف في وصيته، فتجاوز له عما كان حدث به نفسه من الجور، إذ لم يمض ذلك فيغفل أن يؤاخذه به، رحيم بالمصلح بين الموصي وبين من أراد أن يجنف عليه لغيره أو يأثم فيه له» 68.
وأما الآية الثالثة فقال ابن كثير في تفسيرها: «أي: فإن تركوا القتال في الحرم وأنابوا إلى الإسلام والتوبة فإن الله يغفر ذنوبهم ولو كانوا قد قتلوا المسلمين في حرم الله فإنه تعالى لا يتعاظمه ذنبٌ أن يغفره لمن تاب منه إليه» 69.
والآية الرابعة جاء اقتران الاسمين بعد الأمر بالاستغفار بعد الفراغ من العبادة للخلل الواقع فيها، وكثيرًا ما يأمر الله سبحانه وتعالى عباده بالاستغفار بعد الفراغ من العبادات، واقترن هذان الاسمان في الآية المذكورة ترغيبًا في الاستغفار 70.
8.اقتران الغفور بالحليم.
كقوله تعالى: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ} [البقرة: 225] .
وقوله تعالى: {وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} [البقرة: 235]