فهرس الكتاب

الصفحة 986 من 2431

وهذا يدل على استمرار القرآن الكريم في تحديه للإنس، وأنهم عاجزون عن خلق الذباب، وليس ذلك فحسب، بل إنهم عاجزون عن استنفاذ ما يسلبه الذباب منهم من طعام، أو شراب، أو غير ذلك، وهذه لمسة إعجازية جاءت في قوله تعالى: {وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ} .

فالذباب عندما يحط على شيء، فإن كان سائلًا سلب قطرة منه، وأوصلها فورًا إلى جهازه الهضمي فيمتصها، ويحولها إلى جهازه الدوري، ومنه إلى مختلف خلاياه، وإن كانت مادة صلبة صب عليها من لعابه ومن المواد الهاضمة فيفككها، ويذيبها فورًا، فتصل مهضومة إلى جهازه الهضمي، ومنه إلى جهازه الدوري، ثم إلى جميع خلايا الجسم، وعليه فلا سبيل أبدًا إلى استرجاع شيء من ذلك 148.

وهناك لمسة إعجازية أخرى في قوله تعالى: {وَالْمَطْلُوبُ} لأنه من الثابت أن البشرية كلها عاجزة عن خلق خلية واحدة على الرغم من وجود التقدم العلمي، والتقني المذهل، وغير المسبوق في تاريخ البشرية كلها، ولكنها ضعيفة، وعاجزة عن خلق ذبابة واحدة، وليس ذلك فحسب، بل إنها عاجزة عن استرجاع شيء مما يسلبه الذباب.

وهذ كله يدل على كمال قدرة الله عز وجل في الخلق، فكيف يليق بالمشركين والكافرين عبادة غيره؟ فإذا كان البشر عاجزين وإن كانوا مجتمعين عن استرجاع ما يسلبه الذباب، فعجزهم عن خلق الذباب من باب أولى، وكيف لو طلب منهم أن يخلقوا ما هو أكبر من هذه الحشرة؟ وعليهم أن يستخدموا عقولهم، ويعبدوا الله وحده.

وقال تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [العنكبوت: 41] .

قال المراغي في تفسير هذه الآية: «إن سنة البلغاء جرت بوجوب التماثل بين المثل، وما مثّل له، فالعظيم يمثّل له بالعظيم، والحقير يمثل له بالحقير، ألا ترى إلى الإنجيل، وقد مثّل غلّ الصدر بالنّخالة، ومعارضة السفهاء بإثارة الزنابير.

وجاء في عباراتهم: (أجمع من ذرة، وأجرأ من الذباب، وأضعف من بعوضة) ، وما الأمثال إلا إبراز للمعاني المقصودة في قالب الأشياء المحسوسة لتأنس بها النفس، وتستنزل الوهم عن معارضة العقل، والحكيم علام الغيوب يعلم حكمة هذا، فلا يترك ضرب المثل بالبعوضة، وما دونها حين تدعو المصلحة إلى ذلك، والناس إزاء هذا فريقان: مؤمنون يقولون: إن اللّه خالق الأشياء حقيرها وعظيمها، فالكل لديه سواء، وكافرون يستهزئون بالأمثال احتقارًا لها، فحقت عليهم كلمة ربهم فأصبحوا من الخاسرين» 149.

قال صاحب كتاب القرآن وإعجازه العلمي: «مثل هؤلاء الذين اتخذوا الأصنام آلهة يعبدونها، ويعتمدون عليها، ويرجون نفعها كمثل العنكبوت في اتخاذها بيتًا واهنًا من نسجها لا يغنى عنها في حر، ولا قر، ولا مطر، ولا أذى» 150.

ولفظة (العنكبوت) اسم للواحدة المؤنثة المفردة، والجمع (العناكب) ، وهذا من الإعجاز حيث إن ذلك يشير إلى الحياة الفردية لهذه الدويبة فيما عدا لحظات التزاوج، وأوقات فقس البيض، وأما تسمية (النحل) ، و (النمل) جاء بالجمع ليدل على الحياة الجماعية لتلك الحشرات 151.

وفي قوله تعالى: {وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} لمسة إعجازية أخرى، فبيت العنكبوت من الناحية المادية أضعف البيوت على الإطلاق؛ لأنه يتكون من خيوط حريرية دقيقة جدًّا، تتشابك مع بعضها تاركة مسافات كبيرة بينها في أغلب الأحيان؛ ولذلك فإنها لا تقي الحر، ولا البرد، ولا تقي من المطر، ولا من الرياح العاصفة، ولا تدفع عنها أخطار المهاجمين، على الرغم من الإعجاز في بنائها.

وبينت الآية أيضًا أن بيت العنكبوت من الناحية المعنوية أوهن بيت على الإطلاق؛ لأنه بيت محروم من معاني المودة والرحمة التي يقوم على أساسها كل بيت؛ لأن الأنثى في بعض أنواع العنكبوت تقتل ذكرها، وتفترسه بمجرد عملية الإخصاب؛ لأنها أكبر حجمًا، وأكثر شراسة منه، وفي بعض الحالات تقوم بأكل صغارها دون أدنى رحمة، وفي بعض أنواع العنكبوت تموت الأنثى بعد إتمام إخصاب بيضها الذي تحتضنه في كيس من الحرير عادة 152.

وقد لاحظ العلماء عند دراسة حياة العناكب أن بيت العنكبوت له شكل هندسي خاص دقيق الصنع، ومقام في مكان مختار له في الزوايا، أو بين غصون الاشجار، وأن كل خيط من خيوط البيت مكون من أربعة خيوط دقيقة، ويخرج كل خيط من الخيوط الأربعة من قناة خاصة في جسم العنكبوت، ولا يقتصر بيت العنكبوت على أنه مأوى يسكن فيه، بل إنه مصيدة تقع في بعض حبائلها اللزجة الحشرات الطائرة مثل الذباب، وغيره لتكون فريسة يتغذى عليها، فسبحان الله الذى خلق كل شيء، وقدر كيانه تقديرًا، وألهمه حياته تنظيمًا، وتدبيرًا 153.

ولا يحيط بما في العنكبوت، وعالم الحيوانات، والمخلوقات كلها من أسرار إلا الله عز وجل الذي لم يخلقها عبثًا، بل له حكمة بالغة في المشاهد منها، وغير المشاهد، والنافع منها، والضار، فسبحان الله {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ} [السجدة: 7] .

والملاحظ أن الإعجاز في هذه الحيوانات الصغيرة والحقيرة مذهل وعجيب، فكيف لو كان الكلام عن الإعجاز في الحيوانات الكبيرة، والمتأمل في مخلوقات الله تعالى يجد أن في كل مخلوق له آيات تدل على أنه الواحد.

موضوعات ذات صلة:

الإنسان، الحشرات، الخلق، الطير، النبات

1 انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس، 2/ 122.

2 انظر: مختار الصحاح، الرازي، ص 93.

3 انظر: لسان العرب، ابن منظور، 3/ 424.

4 انظر: تهذيب اللغة، الأزهري، 5/ 282.

5 التعريفات، ص 83.

6 المصدر السابق.

7 المصدر السابق ص 84.

8 المصباح المنير، الفيومي، ص 86.

9 انظر: جامع البيان، الطبري 20/ 60.

10 انظر: لسان العرب 14/ 214.

11 انظر: لسان العرب، ابن منظور، 8/ 237.

12 انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني، ص 315.

13 المصدر السابق.

14 انظر: مختار الصحاح، الرازي، ص 82.

15 انظر: المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية 1/ 197.

16 أخرج الطبراني في المعجم الكبير 3/ 170.

وصححه الألباني في صحيح الجامع، 2/ 1170، رقم 6973.

17 تفسير المراغي، 7/ 32.

18 ندوة الويبو عن الملكية الفكرية للصحفيين، حسام الدين الصغير، ص 12.

19 انظر: فتح القدير، الشوكاني، 5/ 340.

20 انظر: تفسير المراغي، 11/ 128.

21 انظر: التفسير المنير، الزحيلي، 11/ 209.

22 انظر: التفسير الواضح، محمد حجازي، 11/ 62.

23 انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 78.

24 انظر: التفسير المنير، الزحيلي، 15/ 82.

25 انظر: فتح القدير، الشوكاني، 3/ 595.

26 انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 585.

27 التفسير المنير، الزحيلي، 14/ 90.

28 انظر: المصدر السابق.

29 انظر: تفسير المراغي، 3/ 112.

30 انظر: التفسير المنير، الزحيلي، 14/ 91.

31 انظر: الصواعق المرسلة، ابن القيم، 4/ 1566.

32 انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور، 21/ 146.

33 انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 4/ 579.

34 الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 22/ 250.

35 الكشاف، 4/ 247.

36 مفتاح دار السعادة ص 246.

37 انظر: تيسير الكريم الرحمن، ص 432.

38 الجامع لأحكام القرآن، 16/ 128.

39 المحرر الوجيز، 4/ 253.

40 انظر: المصدر السابق.

41 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الخلق، باب خمس من الدواب فواسق يقتلن في الحرم، رقم 3319، ومسلم في صحيحه، كتاب السلام، باب النهي عن قتل النمل، 4/ 1759، رقم 2241.

42 مفتاح دار السعادة، ص 252.

43 المصدر السابق، ص 253.

44 التفسير المنير 4/ 207.

45 المحرر الوجيز 1/ 223.

46 أخرجه ابن حبان في صحيحه، 2/ 386، رقم 620.

وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، 1/ 147، رقم 68.

47 انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 2/ 201.

48 انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور، 2/ 34.

49 تفسير القرآن العظيم 1/ 475.

50 انظر: مفتاح دار السعادة، ص 260.

51 انظر: التفسير المنير، الزحيلي، 14/ 168.

52 انظر: المصدر السابق.

53 الجامع لأحكام القرآن، 10/ 134.

54 مفتاح دار السعادة، ص 258.

55 أخرجه الترمذي في سننه، أبواب المناقب، مناقب أبي بكر الصديق رضي الله عنه، 3/ 203، رقم 2906.

56 انظر: التفسير المنير، الزحيلي، 25/ 124.

57 انظر: مفتاح دار السعادة، ابن القيم، ص 243.

58 انظر: التفسير المنير، الزحيلي، 8/ 71.

59 المصدر السابق 8/ 72.

60 فتح القدير، 5/ 511.

61 انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 2/ 576.

62 انظر: فتح القدير، الشوكاني، 2/ 475.

63 انظر التفسير المنير، الزحيلي، 12/ 101.

64 انظر: تفسير المراغي، 1/ 143.

65 تيسير الكريم الرحمن، ص 349.

66 تفسير المراغي، 1/ 1655.

67 انظر: التفسير المنير، الزحيلي، 1/ 188.

68 انظر: التفسير الواضح، محمد حجازي، 1/ 46.

69 انظر: معالم التنزيل، البغوي، 2/ 466.

70 انظر: التفسير المنير، الزحيلي، 1/ 227.

71 انظر: المصدر السابق، 9/ 106.

72 انظر: المصدر السابق، 9/ 95.

73 انظر: أضواء البيان، الشنقيطي، 3/ 26.

74 انظر: المصدر السابق.

75 الرشاء: الحبل.

انظر: مختار الصحاح، الرازي، ص 127.

76 انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي، 2/ 45.

77 انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 450.

78 انظر: التفسير الواضح، محمد حجازي، 23/ 52.

79 انظر: تفسير المراغي، 10/ 24.

80 انظر: مفاتيح الغيب، الرازي، 7/ 213.

81 تفسير القرآن العظيم، 2/ 671.

82 انظر التفسير المنير، الزحيلي، 28/ 80.

83 انظر: الجواهر الحسان، الثعالبي، 2/ 269.

84 انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 895.

85 انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 941.

86 انظر: الكشاف، الزمخشري، 1/ 390.

87 تفسير القرآن العظيم، 4/ 634.

88 انظر: مفاتيح الغيب، الرازي، 11/ 136.

89 انظر: روح المعاني، الألوسي، 16/ 230.

90 انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 2/ 561 - 562.

91 انظر: التفسير المنير، الزحيلي، 12/ 222.

92 مفاتيح الغيب 15/ 60.

93 تيسير الكريم الرحمن، ص 637.

94 انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود، 1/ 191.

95 التفسير المنير، 1/ 181.

96 انظر: معالم التنزيل، البغوي، 1/ 692.

97 انظر: تفسير المراغي، 6/ 47.

98 انظر: التفسير المنير، الزحيلي، 2/ 78.

99 انظر: تفسير المراغي، 6/ 47.

100 انظر: التفسير المنير، الزحيلي، 2/ 79.

101 انظر: تفسير المراغي، 6/ 47، 48.

102 انظر: التفسير المنير، الزحيلي، 2/ 79.

103 انظر: المصدر السابق.

104 تفسير المراغي، 6/ 48.

105 انظر: التفسير الوسيط، الزحيلي، 1/ 430.

106 انظر: جامع البيان، الطبري، 4/ 408.

107 انظر: التفسير الوسيط، الزحيلي، 1/ 430.

108 انظر: مفاتيح الغيب، الرازي، 11/ 135.

109 انظر: تفسير المراغي، 6/ 49.

110 انظر: التفسير الواضح، محمد حجازي، 6/ 27.

111 انظر: مفاتيح الغيب، الرازي، 11/ 135.

112 انظر: المصدر السابق.

113 انظر: تفسير المراغي، 6/ 50.

114 انظر: المصدر السابق.

115 انظر: مفاتيح الغيب، الرازي، 11/ 136.

116 انظر: محاسن التأويل، القاسمي، 4/ 27.

117 أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الأطعمة، باب النهي عن أكل السباع، رقم 3805.

118 انظر: تفسير المراغي، 6/ 50.

119 انظر: المصدر السابق.

120 انظر: المصدر السابق.

121 انظر: المصدر السابق.

122 النصب: هي الأوثان.

انظر: مفاتيح الغيب، الرازي، 11/ 137.

123 انظر: تفسير المراغي، 6/ 50 - 51.

124 الجامع لأحكام القرآن، 8/ 91.

125 أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الصيد، باب ما جاء في كراهية كل ذي ناب وكل ذي مخلب، رقم 1478.

قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.

126 الجامع لأحكام القرآن، 8/ 78.

127 أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الصيد والذبائح، باب في أكل لحوم الخيل، 3/ 1541، رقم 1941.

128 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الخلق، باب خمس من الدواب فواسق يقتل في الحرم، 4/ 129، رقم 3314، ومسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب ما يندب للمحرم وغيره قتله من الدواب في الحل والحرم، رقم 1198.

129 سبل السلام 4/ 102.

130 انظر: التفسير المنير، الزحيلي 2/ 81.

131 المصدر السابق 14/ 256.

132 بدائع الفوائد، 2/ 301.

133 المصدر السابق، 2/ 437.

134 التفسير المنير، 1/ 110 - 111.

135 انظر: المصدر السابق 1/ 111.

136 انظر: المصدر السابق، 9/ 163.

137 الأمثال في القرآن الكريم، ص 215 - 216.

138 المصدر السابق، ص 216 - 217.

139 معالم التنزيل، البغوي، 2/ 173، 174.

140 التفسير المنير، 9/ 163.

141 تفسير القرآن العظيم، 4/ 417.

142 تيسير الكريم الرحمن، ص 301.

143 إعلام الموقعين، 1/ 134.

144 تيسير الكريم الرحمن، ص 479.

145 إعلام الموقعين، 1/ 146 - 147.

146 المصدر السابق 1/ 147.

147 انظر: الحيوان في القرآن الكريم، زغلول النجار، ص 156.

148 انظر: المصدر السابق، ص 161.

149 تفسير المراغي، 1/ 71.

150 كتاب القرآن وإعجازه العلمي، محمد إسماعيل إبراهيم، 1/ 157.

151 انظر: الحيوان في القرآن الكريم، زغلول النجار، ص 140.

152 انظر: المصدر السابق ص 142 - 143.

153 انظر: القرآن وإعجازه العلمي، محمد إسماعيل إبراهيم، 1/ 157 - 158.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت