فهرس الكتاب

الصفحة 993 من 2431

قال تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (18) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (19) كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (20) انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (21) } [الإسراء:18 - 21] .

في هذه الآيات مقابلة بين من قصر نظره على الدنيا، وعمل لها، وجعلها غايته، ومرمى همته، ومطرح نظره، ولم يكن له همٌّ سواها، ولم يلتفت إلى الآخرة، وبين من أراد الآخرة فاختار طريق الإيمان والعمل الصالح، والاستقامة على الصراط المستقيم.

يقول الأستاذ سيد قطب في ظلال هذه الآيات: «إن من أراد أن يعيش لهذه الدنيا وحدها، فلا يتطلع إلى أعلى من الأرض التي يعيش فيها، فإن الله يعجل له حظه في الدنيا حين يشاء، ثم تنتظره في الآخرة جهنم عن استحقاق. فالذين لا يتطلعون إلى أبعد من هذه الأرض يتلطخون بوحلها ودنسها ورجسها، ويستمتعون فيها كالأنعام، ويستسلمون فيها للشهوات والنزعات. ويرتكبون في سبيل تحصيل اللذة الأرضية ما يؤدي بهم إلى جهنم.

والذي يريد الآخرة لا بد أن يسعى لها سعيها، فيؤدي تكاليفها، وينهض بتبعاتها، ويقيم سعيه لها على الإيمان. والسعي للآخرة لا يحرم المرء من لذائذ الدنيا الطيبة، إنما يمد بالبصر إلى آفاق أعلى فلا يكون المتاع في الأرض هو الهدف والغاية. ولا ضير بعد ذلك من المتاع حين يملك إنسان نفسه، فلا يكون عبدا لهذا المتاع.

وإذا كان الذي يريد العاجلة ينتهي إلى جهنم مذمومًا مدحورًا، فالذي يريد الآخرة ويسعى لها سعيها ينتهي إليها مشكورًا يتلقى التكريم في الملأ الأعلى جزاء السعي الكريم لهدف كريم، وجزاء التطلع إلى الأفق البعيد الوضيء. إن الحياة للأرض حياة تليق بالديدان والزواحف والحشرات والهوام والوحوش والأنعام. فأما الحياة للآخرة فهي الحياة اللائقة بالإنسان الكريم على الله، الذي خلقه فسواه، وأودع روحه ذلك السر الذي ينزع به إلى السماء وإن استقرت على الأرض قدماه» 119.

ونظير هذه الآيات من سورة الإسراء قول الله عز وجل في سورة الشورى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (20) } [الشورى:20] .

فيا لبعد الشقة بين من يريد الهدى والإيمان، ويعمل للآخرة، ويغرس في مغارس الإحسان، فيزيد له اللّه سبحانه وتعالى فيما غرس، ويبارك عليه، ويضاعف له الجزاء أضعافًا مضاعفة، وبين من أعرض عن الآخرة، وعمل للدنيا، وغرس في مغارسها، فأخذ ثمر ما غرس في دنياه، واستوفى نصيبه منه، حتى إذا جاء إلى الآخرة، جاءها ولا نصيب له في خيرها.

فما أشقى الذين يصرفون رغبتهم وسعيهم وعملهم في متع الحياة وشهواتها، غير ملتفتين إلى ما وراء هذه الدنيا، ولا منتظرين حسابًا ولا جزاء، فإذا كان يوم القيامة، وبعثوا من القبور، وسيقوا إلى الحساب والجزاء، فهنالك يرون سوء مصيرهم، وأنهم قد جاءوا إلى هذا اليوم مفلسين، لأنهم لم يعملوا له عملًا قال الله تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (15) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (16) } [هود:15 - 16] .

موضوعات ذات صلة:

السعادة، اللعب، اللهو، الموت، اليوم الآخر

1 مقاييس اللغة، ابن فارس 2/ 122.

2 القاموس الفقهي، سعدي أبو جيب ص 109.

3 التحقيق في كلمات القرآن الكريم، المصطفوي 2/ 395 - 396.

4 المنهاج شرح صحيح مسلم، النووي 2/ 5.

5 التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص 149.

6 التعريفات، ص 83.

7 المفرادات، الراغب الأصفهاني ص 138 - 139.

8 انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي ص 223 - 225.

9 انظر: الوجوه والنظائر، مقاتل بن سليمان ص 220 - 222، الوجوه والنظائر، الدامغاني ص 186 - 188، نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي ص 253، 254.

10 مقاييس اللغة ابن فارس 5/ 479.

11 الوَرِق -بكسر الراء-: الفضة مضروبة كانت أو غير مضروبة.

انظر: المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ص 1026.

12 الفروق اللغوية، العسكري ص 102.

13 المفردات، الراغب الأصفهاني ص 353.

14 التحقيق في كلمات القرآن، المصطفوي 8/ 338.

15 مفهوم الحياة في القرآن والحديث، د. محمد الأحمدي ص 107.

16 مقاييس اللغة، ابن فارس ص 454.

17 الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 10/ 24.

18 تفسير المراغي 4/ 176.

19 معالم التنزيل، البغوي 4/ 380.

20 الحياة في القرآن الكريم، أحزمي سامعون 1/ 239.

21 في ظلال القرآن، سيد قطب 1/ 56.

22 تفسير المراغي، 3/ 254.

23 التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب 4/ 359.

24 الإيمان والحياة، يوسف القرضاوي ص 178.

25 في ظلال القرآن، سيد قطب 6/ 3632.

26 تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 947.

27 زهرة التفاسير، محمد أبو زهرة 2/ 1131.

28 عدة الصابرين، ابن القيم ص 331 - 332.

29 في ظلال القرآن، سيد قطب 5/ 2711.

30 وفي بعض النسخ: كنفتيه، معنى الأول جانبه، والثاني جانبيه.

انظر: صحيح مسلم بشرح النووي 9/ 294.

31 أي: صغير الأذنين.

انظر: صحيح مسلم بشرح النووي 9/ 294.

32 أخرجه مسلم في صحيحه، أول كتاب الزهد والرقائق، 4/ 2272، رقم 2957.

33 مفهوم الحياة في القرآن والحديث، د. محمد الأحمدي ص 257.

34 لسان العرب، ابن منظور 6/ 4127.

35 أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنة، وصفة نعيمها وأهلها، باب فناء الدنيا وبيان الحشر يوم القيامة، رقم 2858.

36 التفسير المنير، وهبة الزحيلي 4/ 194.

37 الكشاف، الزمخشري 1/ 670.

38 خماسيات مختارة في تهذيب النفس الأمارة، فضل عباس ص 97.

39 الفروق اللغوية، العسكري ص 254.

40 الأخلاق الإسلامية وأسسها، عبدالرحمن حبنكة 2/ 542.

41 التفسير الموضوعي لسور القرآن الكريم، إعداد نخبة من علماء التفسير وعلوم القرآن بإشراف د. مصطفى مسلم 4/ 296.

42 العواصم من الفتن في سورة الكهف، الشيخ عبد الحميد طهماز ص 78.

43 مقاييس اللغة ابن فارس، 4/ 480.

44 فتح القدير، الشوكاني ص 1460.

45 مقاييس اللغة، ابن فارس 5/ 160.

46 التحرير والتنوير، ابن عاشور 27/ 403.

47 التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب 14/ 775 - 776.

48 المفرادات، الراغب الأصفهاني ص 331.

49 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب الغنى غنى النفس، رقم 6446، ومسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب ليس الغنى عن كثرة العرض، رقم 1051.

50 انظر: فتح الباري، ابن حجر 11/ 328 - 329.

51 جامع البيان، الطبري 11/ 71 - 72.

52 إعلام الموقعين 2/ 274.

53 في ظلال القرآن، سيد قطب 3/ 1775.

54 تفسير المراغي، 5/ 405.

55 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 8/ 24.

56 التفسير الحديث، محمد عزة دروزة 9/ 324.

57 التفسير القرآني للقرآن، عبدالكريم الخطيب 14/ 777.

58 جامع البيان، الطبري 9/ 243.

59 المفردات، الراغب الأصفهاني ص 43.

60 حياة البرزخ في ضوء الكتاب والسنة، شادي فوزي محمد بشكار ص 97 - 98.

61 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب قوله تعالى: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ} ، رقم 4699.

62 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجنائز، باب ما جاء في عذاب القبر، رقم 1374.

63 أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب بيان أن أرواح الشهداء في الجنة وأنهم أحياء عند ربهم يرزقون، رقم 1887.

64 الروح، ابن القيم ص 26.

65 المصدر السابق ص 24.

66 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 7/ 146.

67 أخرجه أبو يعلى في مسنده، رقم 6644، وابن حبان في صحيحه 3122.

وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب رقم 3552.

68 جامع البيان، الطبري 16/ 198 - 200.

69 المصدر السابق 21/ 603.

70 جامع البيان، الطبري 11/ 644.

71 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجنائز، باب الميت يعرض عليه مقعده بالغداة والعشي، رقم 1379، ومسلم في صحيحه، كتاب الجنة، باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه، رقم 2866.

72 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجنائز، باب ما جاء في عذاب القبر، رقم 1374، ومسلم في صحيحه، كتاب الجنة، باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه، رقم 2870.

73 انظر: الكشاف 4/ 560.

74 جامع البيان، الطبري 18/ 440.

75 حادي الأرواح، ابن القيم 1/ 200 - 201.

76 تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 635.

77 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 7/ 145.

78 الدر المنثور، السيوطي 5/ 658.

79 أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب صبغ أنعم أهل الدنيا في النار، وصبغ أشدهم بؤسًا في الجنة، رقم 2807، عن أنس بن مالك.

80 تفسير سورة إبراهيم، يوسف القرضاوي ص 183.

81 المفردات، الراغب الإصفهاني ص 154.

82 لسان العرب، ابن منظور 2/ 1225.

83 الكبش الأملح: هو الذي فيه بياض وسواد، وبياضه أكثر.

انظر: المنهاج شرح صحيح مسلم، النووي 17/ 185.

84 فيشرئبون: بالهمز، أي يرفعون رؤوسهم إلى المنادي.

انظر: المصدر السابق.

85 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب قوله تعالى: {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ} ، رقم 4730، ومسلم في صحيحه، كتاب الجنة، وصفة نعيمها وأهلها، باب النار يدخلها الجبارون، والجنة يدخلها الضعفاء، رقم 2849.

86 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 1/ 25.

87 كلمة الحق في القرآن الكريم موردها ودلالتها، محمد الراوي 1/ 398.

88 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 4/ 600.

89 مفاتيح الغيب، الرازي 20/ 113.

90 الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 18/ 228.

91 في ظلال القرآن، سيد قطب 3/ 1387.

92 مفاتيح الغيب، الرازي 12/ 211 - 212، باختصار.

93 المصدر السابق 20/ 183.

94 تفسير ابن باديس ص 60.

95 أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنة، وصفة نعيمها وأهلها، باب إحلال الرضوان على أهل الجنة، فلا يسخط عليهم أبدًا، رقم 2829.

96 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 7/ 261.

97 حادي الأرواح، ابن القيم 1/ 203.

98 التحرير والتنوير، ابن عاشور 25/ 317.

99 في ظلال القرآن، سيد قطب 2/ 854.

100 أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب اللعان، رقم 1493، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.

101 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 4/ 464.

102 مفاتيح الغيب، الرازي 19/ 59.

103 المصدر السابق 15/ 473.

104 مجالس القرآن، فريد الأنصاري 1/ 244.

105 أخرجه أحمد في مسنده، 11/ 260، رقم 6677، والترمذي في سننه، أبواب صفة القيامة، 4/ 655، رقم 2492، والنسائي في السنن الكبرى، كتاب الرقائق، 10/ 398، رقم 11827.

قال الترمذي: هذا حديث حسن.

وحسنه الألباني في صحيح الجامع، 2/ 1335، رقم 8040.

106 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 1/ 328.

107 معارج التفكر ودقائق التدبر، عبدالرحمن حبنكة 11/ 693.

108 بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي 2/ 535 - 536.

109 آل حميم، غافر وفصلت، دراسة في أسرار البيان، د. محمد محمد أبو موسى ص 372.

110 مقاييس اللغة، ابن فارس 1/ 126 - 127.

111 العقيدة في ضوء الكتاب والسنة، الجنة والنار، د. عمر الأشقر ص 215.

112 في ظلال القرآن، سيد قطب 1/ 375.

113 مجالس القرآن، فريد الأنصاري 3/ 689.

114 زهرة التفاسير، محمد أبو زهرة 3/ 1558 - 1559.

115 في ظلال القرآن، سيد قطب 5/ 2705.

116 التفسير القرآني للقرآن، عبدالكريم الخطيب 14/ 778.

117 الأمثال في القرآن، محمد جابر فياض ص 306.

118 تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 653.

119 في ظلال القرآن، سيد قطب 4/ 2218 - 2219.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت