منهم نزل بلقاحه واديًا، فجاع فحلب لقحة منها، ونادى في الوادي: من كان ها هنا فليحضر ليأكل، وكان في الوادي رجل فاختفى ولم يجب، وأجهده الجوع، فجلس يأكل وحده، فخرج الرجل، وقال له: يا رضيع، أتأكل وحدك؟ فأخذ الرجل سيفه وعدى عليه وقتله مخافة أن ينشر في الناس ذلك الفعل منه، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وأباح للقوم أن يأكلوا منفردين وجماعة 119.
القول الثاني: أن سبب النزول أن الأنصار كان يتحرجون من الأكل مع هؤلاء إذا دعوا إلى طعام، ويقولون: الأعمى لا يبصر أطيب الطعام، والأعرج لا يقدر على الزحام عند الطعام، والمريض يضغف عن مشاركة الصحيح في الطعام، فكانوا يعزلون طعامهم، ويرون أنه أفضل من مشاركتهم 120.
سابعًا: بيان آداب الأكل في بيت النبي عليه الصلاة والسلام.
النبي صلى الله عليه وسلم أولى الناس بالمؤمنين، رءوف رحيم بهم، آخذ بحجز أمته عن النار، ناصح لهم الحريص عليهم، وزوجاته الطاهرات الطيبات هن أمهات المؤمنين، بنص القرآن الكريم، فيحرم على الأمة إيذاء النبي عليه السلام أو إيذاء أهل بيته بقول أو فعل.
قال تعالى: (النَّبِيُّ أَوْلَى? بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ? وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ?) [الأحزاب:6] .
وقال جل شأنه: (وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا ? إِنَّ ذَ?لِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا) [الأحزاب:53] .
وقد أباح الله تعالى للمؤمنين دخول بيوت النبي عليه الصلاة والسلام بالاستئذان، وأباح لهم أكل الطعام في بيت النبي عليه السلام إذا دعوا إلى الطعام، ولكن (غير ناظرين إناه) .
فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى? طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَ?كِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ ? إِنَّ ذَ?لِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ ? وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ ?) [الأحزاب: 53] .
وفي معنى قول الله تعالى: (غير ناظرين إناه) أقوال للسلف والمفسرين.
فروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن المقصود غير ناظرين للطعام أن يصنع 121.
وروي عن مجاهد وقتادة أن المقصود غير متحينين لنضج الطعام واستوائه 122.
وقيل: إن المقصود- كما ذكره الطبري- غير منتظرين إدراكه وبلوغه، وهو مصدر من قولهم: قد أنى هذا الشيء يأني إنى وأنيا وإناء.
قال الشاعر 123:
وآنيت العشاء إلى سهيلٍ
أو الشعرى فطال بي الأناء
والمعروف أن سبب نزول الآية كما في الصحيحين أن أنس بن مالكٍ قال: (أنا أعلم الناس بهذه الآية آية الحجاب، لما أهديت زينب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت معه في البيت، صنع طعامًا، ودعا القوم، فقعدوا يتحدثون،