وقال تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة:188] .
أي: أن أكل المال يجب أن يكون بالحق والعدل، لا بالباطل والجور، وبهذا النهي الواضح الصريح عن أكل المال بالباطل يوضح القرآن العلاقة بين الاقتصاد والأخلاق ومدى ارتباطهما الوثيق.
قال السعدي: «أي: ولا تأخذوا أموالكم أي: أموال غيركم، أضافها إليهم؛ لأنه ينبغي للمسلم أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، ويحترم ماله كما يحترم ماله؛ ولأن أكله لمال غيره يجرئ غيره على أكل ماله عند القدرة» 152.
ويدخل في أكل الحرام للمال: السرقة والغش والغصب والربا ونحو ذلك مما حرمه الشرع الحكيم ونهى عنه.
كما بين القرآن بعض الأخلاق الفاضلة التي يلتزم بها المسلم في الاقتصاد، كالصدق والعدل، وعدم الكذب والغش والخداع.
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة:119] .
أي: «الذين أقوالهم صدق، وأعمالهم، وأحوالهم، لا تكون إلا صدقًا» 153، وقال تعالى: {فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ} [الأعراف:85] .
وقال تعالى: {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (1) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (3) } [المطففين:1 - 3] .
فتوعد الله تعالى المطفف الذي يبخس الناس حقهم، ونهى عن ذلك.
قال ابن كثير: «المراد بالتطفيف هاهنا: البخس في المكيال والميزان، إما بالازدياد إن اقتضى من الناس، وإما بالنقصان إن قضاهم؛ ولهذا فسر تعالى المطففين الذين وعدهم بالخسار والهلاك وهو الويل، بقوله: {الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ} ، أي: من الناس، {يَسْتَوْفُونَ} أي: يأخذون حقهم بالوافي والزائد، {وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ} أي: ينقصون» 154.
فأمرت هذه الآيات بالعدل وعدم الجور والغش في التعامل الاقتصادي مع الآخرين.
قال تعالى: {قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ} [الأعراف:29] .
ومن أخلاق الاقتصاد التي بينها القرآن الكريم الوفاء بالعهد.
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة:1] .
وقال: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا} [الإسراء:34] .
فبين تعالى أنه سيسألنا عن عهودنا وهل التزمنا بها أم لا؟.
كما أشار القرآن الكريم إلى قضية الإتقان في العمل، كما في قوله تعالى لنبيه دواد عليه السلام: {أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [سبأ:11] .
فقوله: {وَقَدِّرْ} بتقدير دقيق، أي: يجب عليك يا داود عند صناعتك للدروع ونسجها أن تقدر ذلك تقديرًا دقيقًا، وفي ذلك دعوة قرآنية لأهل الصنائع والحرف أن يتقنوا أعمالهم وصناعاتهم، وفي الحديث عن عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله جل وعز يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه) 155.