إن شرط التراضي بين المتعاقدين في البيوع يكتسب أهمية عظيمة، وعليه فقد ذهب الشافعية والحنابلة والظاهرية 68، إلى إبطال بيع المكره؛ لانعدام الرضا وهو الشرط الأساسي لأي تصرف، واستدلوا بذلك من القرآن الكريم بقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (29) } [النساء: 29] .
ومن السنة النبوية الشريفة قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما البيع عن تراض) 69.
وهذا يكفينا ويعطينا دلالة واضحة على أن الإكراه في البيوع غير جائز شرعًا وعرفًا، ولا تنبني عليه أية أحكام في الدنيا والآخرة.
ثالثًا: الأثر الشرعي المترتب على الإكراه في النكاح:
أما بخصوص الأثر الشرعي المترتب على الإكراه في النكاح، ففيه حالتان:
الحالة الأولى: مثلما وردت في سياق الآية الكريمة السابقة في سورة النساء، من فعل الناس في العصر الجاهلي وصدر عصر الإسلام، من التحفظ على الزوجة المتوفى عنها زوجها، للزواج منها إذا كان لديها ميراث أو كانت جميلة أو حجبها عن الزواج، وهذا مما نهى القرآن الكريم عنه.
قال الشافعي رحمه الله: «فأباح عشرتهن على الكراهية بالمعروف وأخبر أن الله عز وجل قد يجعل في الكره خيرًا كثيرًا» 70.
الحالة الثانية: أن يكره ولي الأمر المكره على الزواج، وفي هذه الحالة ذهب جمهور العلماء ومنهم المالكية والشافعية والحنابلة إلى أن الإكراه يؤثر في التصرفات الشرعية التي لا تحتمل الفسخ كالنكاح، فإذا أجري عقد النكاح تحت الإكراه فإنه يفسده؛ إذ الرضا من العاقدين شرط صحة العقد، فإذا فقد الرضا فقد فسد العقد 71.
رابعًا: الآثار الشرعية المترتبة على الإكراه في ارتكاب كبيرة:
1.الأثر الشرعي المترتب على المكره على كبيرة السحر.
إن السحر والسحرة شديدو الخطر، وإذا كان السحر جريمة وكبيرة يترتب عليها آثار شرعية في الدنيا والآخرة تصل لحد خروج مرتكب هذه الكبيرة من ملة الإسلام، والسحر من أعظم الذنوب جرمًا وأشدها حرمة، وقد ثنى به النبي صلى الله عليه وسلم بعد الشرك بالله تعالى، فعن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (اجتنبوا السبع الموبقات) . قيل يا رسول الله وما هن قال: (الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات) 72.
وقد حكم الله تعالى بأن الساحر ليس له في الآخرة من نصيب فقال تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [البقرة: 102] .
فإن القرآن الكريم والسنة النبوية قد بينا خطورة مرتكب كبيرة السحر وأنه لا نصيب له في الآخرة، فكيف بمن يكره الناس على السحر؛ لصد الناس عن دينهم وسلخهم عن عقيدتهم؛ فإن العقوبة ستكون بالتأكيد أشد وأقسى.
2.الأثر الشرعي المترتب على المكره على كبيرة السحر.
إذا بلغ المكره على السحر الحد الذي يعد فيه مكرهًا بحيث إنه لو لم ينفذه السحر لقتله المكره، فإنه في ذلك على حالتين: