فهرس الكتاب

الصفحة 10071 من 20085

ولا شك أن تتبع هذه الرخص يؤذن بالانسلاخ من الدين، وذلك أن الله -عز وجل- حينما وضع هذه الأحكام الشرعية، وطالبنا بالعمل بها، وكلفنا بالقيام بها وتحقيقها في واقع الحياة، وأن نجري على مقتضاها لما أمرنا الله -عز وجل- بذلك إنما أمرنا به لحكمة؛ لأن هذه الأحكام التي يأمرنا الشارع بها مشتملة على حكم عظيمة فإذا تتبعنا الرخص وقعنا في عملية مسخ، وخرجنا من هذه الحكمة التي وضع الله -عز وجل- الأحكام لتثبيتها وتقريرها فصار فعلنا بذلك نوعًا من الانفلات من حكم الشريعة، وصار الإنسان بهذا العمل متتبعًا للرخص، أي متتبعًا لهواه هذه واحدة.

وأمر آخر: وهو أن الشريعة من حيث العموم والإجمال قد وضعت على خلاف داعية الهوى، فإذا التبس عليك أمر فانظر إلى الهوى أين يتجه؟ فغالبًا تجد أن حكم الشريعة مخالف لداعية الهوى؛ لأن الشريعة إنما وضعت لانتشال المكلف وانتزاعه ورفعه من داعية هواه ليتخلص من رق الهوى، ومن عبادة النفس والشيطان إلى عبادة الملك الديان -جل جلاله-.

فأقول: هذه قضية أصلية، فإذا كان الإنسان متتبعًا للرخص فهو في الواقع يدور مع هواه حيث دار، وصار مخالفًا لقصد الشارع بوضع الشريعة، وبتكليفه بها، أي أن الشارع قصد انتشال المكلف من داعية الهوى، فإذا تتبع الإنسان الرخص صار دائرًا مع هواه حيث دار.

وأمر آخر: أن تتبع الرخص مؤذن بسقوط التكاليف، فهذا الإنسان الذي يتبع الرخص ينظر في كل مسألة ما هو الأخف؟ وما هو الأيسر؟ وما هو الذي أيسر في العمل؟ وما هي الفتيا التي ترخص له في مقارفة هذا الحرام؟ فيفعل هذه الأشياء فيكون ذلك سببًا في سقوط التكليف أصلًا، فمثلًا الآن لو جاءنا إنسان وأخذ برخصة بعض أهل العلم في أن الأغاني حلال بالمعازف هذه واحدة، ثم جاء إلى مسائل العورات فقال: الفخذ ليس بعورة كما قال بعض أهل العلم، فصار الفخذ ليس بعورة، فلبس سراويلات قصيرة، وصار يسمع الأغاني، وجاء إلى فتوى من أفتى بأن اللحية لا يجب إعفائها، وإنما هي سنة فأخذ بهذا القول، وجاء إلى من قال: بأن التدخين حلال، وصار يدخن، وجاء إلى فتيا من أفتى بأن القات -وهو نوع من المخدر- أنه زاد الصالحين، كما يقول بعضهم، فصار يأكل من هذا القات، أو كما يقال: خزن من هذا القات، وجاء إلى فتيا مفتٍ آخر يعلل لنفسه وهو يدرس أصول الفقه، يقول: تعليمي لكم الأصول واجب، ولا أتمكن إلا بالتدخين، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فيجوز للإنسان أن يدخن بهذا الاعتبار، فصار يرخص لنفسه أن يفعل ذلك، وأخذ بقول من قال: بأن صلاة الجماعة ليست بواجبة، وأخذ بقول من قال: بأن المتعة أن يتفق مع امرأة -على خلافٍ في التفاصيل- فيتزوجها ساعة، عقد لمدة ساعة أو يوم أو نصف يوم أو ساعتين بحسب الحاجة، ثم ينفسخ العقد تلقائيًا بعد انتهاء المدة، نكاح المتعة المعروف، فأخذ بقول من أجازه من العلماء، ثم جاء إلى قول أهل الكوفة في مسألة النبيذ المسكر فأخذ به فصار يشرب المسكرات من غير عصير العنب بزعمه أن ذلك يجوز، وأنه أفتى به بعض السلف، فصار الرجل يخرج سكران، وعليه سراويلات قصيرة، ويسمع الأغاني، ويحلق لحيته، ويأخذ في مسألة الربا -في باب الصرف- بقول طائفة السلف في هذه المسألة، ثم هو يدخن، ويأكل القات، ويبيع المخدرات على غير المسلمين، يأخذ بقول من قال: إنه لا بأس ببيع الخمور والمخدرات والسموم ونحوها لغير المسلمين ممن يتعاطونها ويأكلونها ولا يرون بها بأسًا، لا مانع من الاتجار بها، وجمّع المليارات من هذه التجارة، ما تقولون في هذا الإنسان؟ هذا خرج من التكليف تمامًا، هل هذا إنسان مكلف؟! هذا إنسان غير مكلف.

فأقول: تتبع الرخص هو في الواقع تمرد على التكليف، تمرد على الشريعة، خروج عنها، وهذا الخروج بزعمه أنه بفتاوى، وهذه الفتاوى لا تنفعه عند الله -تبارك وتعالى-، وإنما هو أراد أن يبرر لنفسه أمرًا، والله -عز وجل- الموعد.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت