فهرس الكتاب

الصفحة 6093 من 20085

"شمولية الحضارة الإسلامية". بقلم حمزة الكتاني

ـ [حمزة الكتاني] ــــــــ [09 - May-2008, صباحًا 06:42] ـ

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على الرؤوف الرحيم

شمولية الحضارة الإسلامية

بقلم: الدكتور محمد حمزة بن علي الكتاني:

الحمد لله وحده، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله الطيبين، وصحابته الأبرار المقربين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ..

أما بعد؛ فيسعدني في هذا اليوم المبارك، وفي هذا المحل المبارك، وبين هاته الثلة المباركة من العلماء والدعاة والباحثين، والسادة الأطهار الناسكين، أن أقدم لهذا العرض الذي آثرت عنونته بـ:"شمولية الحضارة الإسلامية".

والحضارة هي: مزيج تراكمي من الأخلاق والعادات والتشريعات، والإنجازات الفكرية والمادية، التي تتعقد فيما بينها لتنتج لونا خاصا، تتسم به أمة عن غيرها من الأمم.

"وتطلق الآن اصطلاحا على كل ما ينشئه الإنسان في كل ما يتصل بمختلف جوانب نشاطه ونواحيه، عقلا وخُلُقا، مادة وروحا، دنيا ودينا، فهي في إطلاقها وعمومها: قصة الإنسان في كل ما أنجزه على اختلاف العصور وتقلب الأزمان، وما صُوّرت به علائقه بالكون وما وراءه، وهي في تخصيصها بجماعة من الناس أو أمة من الأمم: تراث هذه الأمة أو الجماعة على وجه الخصوص الذي يميزها عن غيرها من الجماعات والأمم. وهي بهذا المعنى الاصطلاحي نظير المدنية" (1) .

وقولنا الإسلامية: بمعنى أن هذا المزيج الذي نتحدث عنه هو نتاج التشريع الإلهي السماوي، الذي بعث الله تعالى به نبي الرحمة محمدا صلى الله عليه وسلم وعلى آله، وبلغه لنا صحابته الكرام رضي الله عنهم. والذي التزمت الأمة الاقتداء به، والاهتداء بهديه منذ نشأتها، وبه كان رقيها، وبالابتعاد عنه كان ضعفها وضياعها.

فهي حضارة ذات منبع إلهي، صاغها كل من اشتملت عليه الدولة الإسلامية منذ تأسيسها، سواء كان عربيا أو غير عربي، مسلما أو غير مسلم. وتتعدى إلى التأثير فيما جاورها من الحضارات التي اقتبست منها بحكم المحاككة والمنافسة، كما هو الحال في الحضارتين الصينية والأوروبية.

ومن هنا يأتي معنى"الشمول"من حيث الجانب الإشعاعي، والتأثيري في الغير، إضافة إلى الشمول من الناحية الإلزامية ورسالة النبي صلى الله عليه وسلم لكافة البشر، بل وللجن وغيرهم من المخلوقات حسبما تدل له الآيات القرآنية، ومذاهب خاصة الله الصوفية، ومن ناحية ما تضمنته الشريعة الإسلامية وغطته من المسارات والوجهات: حياة، وأخلاقا، ومعاملات، وجنايات، وحكما، وروحا، وتهذيبا، وسلما وحربا.

وهذا الشمول هو الذي جعلها مؤهلة لولوج جميع المجتمعات، ومقارعة جميع الأديان، ومحلا لحل كافة المشاكل التي يعاني منها الناس في القديم والحديث، وهو الأمر الذي يجعل الحضارة الإسلامية في منأى عن العنصرية والإقصائية التي ابتليت بها الحضارات الأخرى.

قال الأستاذ محمد المبارك رحمه الله في"الفكر الإسلامي الحديث في مواجهة الأفكار الغربية":"إن من حسن الحظ أن الحضارة الإسلامية قد تفوقت في النواحي التي أغفلتها الحضارة الحديثة وأهملتها، ذلك أن جوانب النقص في هذه الحضارة هي نفسها الجوانب الكاملة غير المستثمرة في حضارتنا الإسلامية السابقة، وهي كذلك التي لم تستطع الحضارة الحديثة أن تسبق فيها حضارتنا، بله أن تبلغ مستواها ..".

"إن تغيير النفس البشرية وتهذيبها وتوجيهها، وشق الطريق لارتقائها؛ من أبرز وأخص نتائج حضارتنا، إن توسع أفق الحضارة في العالم وشمولها لعدد كبير من الشعوب بتزايد مستمر، وسمو الدوافع المحركة للسير تتقدم في جميع الآفاق من خصائص حضارتنا التي لم تسبق في هذا العصر، هذا مع الملاحظة أن الجوانب التي عنيت بها الحضارة الحديثة وازدهرت فيها؛ لم تكن مغفلة ولا مهملة في الحضارة الإسلامية، بل كانت تأخذ مكانها إلى جانب النواحي الأخرى بانسجام وتناسق".

"فالحضارة الإسلامية أحلت العقل محله، وفسحت المجال أمامه للنظر في ملكوت السماوات والأرض، والتفكير فيما خلق الله فيها، والبحث عن الحقيقة بطريقة تتصل بالواقع المحسوس، وتبدأ منه، وتختلف عن طريقة اليونان الميتافيزيقية الغيبية التي تتجاهل الواقع في كثير من الأحيان" (2) .

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت