ـ [الإمام الدهلوي] ــــــــ [04 - Oct-2008, صباحًا 10:00] ـ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أخواني الكرام في هذا الموضوع سوف نسرد صور من أختلاف العلماء في مسائل إعذار الواقعين في الكفر الأكبر ولم يقتضي ذلك تكفير بعضهم بعضًا بناءً على أن من لم يكفر الكافر فقد كفر
ونريد منكم أن تثروا الموضوع بتعليقاتكم حتى تعم الفائدة بشكل أكبر.
وهذا أوان الشروع في المقصود بعون الملك المعبود:
المقصود بالكفر الأكبر في كلامنا هو: ما يتعلق بأصل الدين .. كسب الله تعالى أو سب دينه، أو السجود للصنم، أو التحاكم إلى الطاغوت، أو النطق بالشرك الصراح، أو مظاهرة الكفار على المسلمين.
الصورة الأول: اختلاف العلماء في تكفير الجاسوس المسلم فذهب الإمام الشافعي رحمه الله إلى عدم تكفيره إن كان راغبًا في شيئ من متاع الدنيا وخالف الإمام سحنون رحمه الله وحكم بكفر الجاسوس المسلم بمجرد الجاسوسية.
الصورة الثانية: اختلفوا في الحاكم بغير ما أنزل الله .. فقد ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله في (كتاب الصلاة) أن بعض أهله قد أخطأ فظن أن الحكم بغير ما أنزل الله لا يكون كفرًا أكبرًا إلا في حالة ترك الحكم بجميع ما أنزل الله عزوجل لا بعضه فقال رحمه الله: (ومنهم: من تأول على ترك الحكم بجميع ما أنزل الله. قال ويدخل في ذلك الحكم بالتوحيد والإسلام. وهذا تأويل عبد العزيز الكناني وهو أيضًا بعيد، إذ الوعيد على نفي الحكم بالمنزل. وهو يتناول تعطيل الحكم بجميعه وببعضه) إهـ.
.. ومع هذا لم يُكفره ابن القيم ولا غيره من أهل العلم.
الصورة الثالثة: اختلفوا في المتحاكمين إلى الطاغوت الذين نزلت بهم الآيات .. فجمهور العلماء على أنهم كفروا وخرجوا من الدين .. وبعضهم قال: لم يكفروا، بل وقعوا في النفاق الأصغر .. والأخير هو قول ابن حزم - رحمه الله - كما جاء عنه في [المحلّى: 11/ 202] ، إذ قال: (فيمكن أن يكون هؤلاء الذين أرادوا التحاكم إلى الطاغوت لا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - مظهرين لطاعة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عصاة بطلب الرجوع في الحكم إلى غيره، غير معتقدين لصحة ذلك، لكن رغبة في اتباع الهوى، فلم يكونوا بذلك كفارًا بل عصاة) إهـ
واشترط إقامة الحجة عليهم قبل تكفيرهم .. إذ عنده أن كفرهم مرتبط بالعلم بالنصوص الشرعية.
فهل على من لم يعذرهم تكفير ابن حزم الذي أعذرهم بالجهل؟؟ وهل يقال: إن ابن حزم نقض أصل الدين عندما نطر فتأول فاجتهد، فرأى عدم كفرهم؟؟.
الصورة الرابعة: اختلفوا في الذين طلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم ذات أنواط .. فرأي بعضهم أنهم أرادوا مجرد مشابهة المشركين في أفعالهم .. ورأي الفريق الأخر أنهم قد طلبوا الشرك الصراح واستحسنوا أفعال المشركين ولكنهم لم يكفروا لأنهم كانوا جهال حديثي عهد بالكفر.
هذه بعض الصور ولنا عودة لسرد صور أخرى إن شاء الله تعالى ... ونريد من الاخوة الكرام أن يضيفوا صور أخرى على ما سبق عرضه في هذا الموضوع وجزاكم الله خير الجزاء.
ـ [الإمام الدهلوي] ــــــــ [04 - Oct-2008, صباحًا 11:13] ـ
الصورة الخامسة: إظهار التكذيب في خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم هو كفر يجب به القتل لأنه في حقيقته طعن في شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا قول القاضي عياض رحمه الله ورأي أن مثله لا يعذر بالجهل وأنه لا مناع من التكفير معتبر في مثل هذه الحال إلا الإكراه.
فقال رحمه الله تعالى في كتابه الشفا:( ... تقدم الكلام في قتل القاصد لسبه و الإزراء به، و غمصه بأي وجه كان من ممكن أو محال، فهذا وجه بين لا إشكال فيه.
الوجه الثاني لاحق به في البيان و الجلاء، و هو أن يكون القائل لما قال في جهته صلى الله عليه و سلم غير قاصد للسب و الإزراء، و لا معتقد له، و لكنه تكلم في جهته صلى الله عليه و سلم بكلمة الكفر، من لعنه أو سبه أو تكذيبه أو إضافة ما لا يجوز عليه، أو نفى ما يجب له مما هو في حقه صلى الله عليه و سلم نقيصة، مثل أن ينسب إليه إتيان كبيرة، أو مداهنة في تبليغ الرسالة، أو في حكم بين الناس، أو يغض من مرتبته، أو شرف نسبه، أو وفور علمه أو زهده، أو يكذب بما اشتهر من أمور أخبر بها صلى الله عليه و سلم و تواتر الخبر بها عنه عن قصد لرد خبره، أو يأتى بسفه من القول، و قبيح من الكلام، و نوع من السب في جهته، و إن ظهر بدليل حاله أنه لم يعتمد ذمه، و لم يقصد سبه، إما لجهالة حملته على ما قاله، أو لضجر أو سكر اضطره إليه، أو قلة مراقبة و ضبط للسانه و عجرفة و تهور في كلامه، فحكم هذا الوجه حكم الوجه الأول القتل دون تلعثم، إذ لا يعذر أحد في ا لكفر بالجهالة، و لا بدعوى زلل اللسان، و لا بشيء مما ذكرناه، إذ كان عقله في فطرته سليمًا، إلا من أكره و قلبه مطمئن بالإيمان.)إهـ.
وخالف في ذلك الإمام ابن حزم رحمه الله واعتبر أن من طعن في رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتكذيب في وجهه قد يعذر بمانع الجهل ولا يكفر إلا بعد قيام الحجة عليه.
فقال رحمه الله في كتابه (المحلى) معلقًا على حديث الليتين الذين كذبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المُفاداة في الشجة التي وجب بها القود في أول الأمر: (فليس في هذا الحديث إلا ما جاء في حديث أنس الذي رواه ثابت وهو المُفاداة في الشجة التي وجب فيها القود، ولا مزيد. وفي هذا الخبر عذر الجاهل، وأنه لا يخرج من الإسلام بما لو فعله العالم الذي قامت عليه الحجة لكان كافرًا، لأن هؤلاء الليتين كذبوا النبي صلى الله عليه وسلم وتكذيبه كفر مجرد بلا خلاف لكنهم بجلهلم وأعرابيتهم عُذروا بالجهالة فلم يكفروا) إهـ.
فتامل هنا: ترى أن القاضي عياض رحمه الله لا يعذر بالجهل فيها وخالفه ابن حزم رحمه الله فرأي أن الجهل مانع معتبر في مثل هذه المسائل ... فهل يقال أن ابن حزم رحمه الله قد كفر لأنه لم يكفر الكافر ... والجواب بالتأكيد لا .. لأن مسائل الأسماء والأحكام من المسائل التي يعذر فيها المخالف .. والله أعلم.
(يُتْبَعُ)