فهرس الكتاب

الصفحة 14715 من 20085

ـ [أبو يوسف التواب] ــــــــ [14 - Aug-2009, مساء 10:54] ـ

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ..

أما بعد:

فهذه إحدى المسائل الكبار التي تتعارك فيها الأنظار، وتتضايق فيه الأفكار؛ لظهور تعارض بين النصوص، والأقيسة، والأصول ..

فالقول بالفطر بالاحتجام من مفردات مذهب الإمام أحمد، وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم، وجماعة من أهل الحديث كابن المنذر وابن خزيمة والأوزاعي والدارمي وإسحاق رحمهم الله أجمعين؛ لحديث شدّاد ورافع بن خديج رضي الله عنهما مرفوعًا: (أفطر الحاجم والمحجوم) أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه وابن ماجه.

ولكنّ المشهور من مذهب أحمد الاقتصار على الحجامة وعدم قياس غيرها مما ينتج عنه سحب دم كثير عليها، إذ العلة غير معقولة المعنى، والأمر تعبدي لا يقاس عليه.

واختار شيخ الإسلام تعدية ذلك لكل ما كان مثل الحجامة في المعنى كفصاد أو تشريط أو أي طريقة يخرج بها الدم كخروجه بالحجامة، وهو وجه في المذهب.

وذهب الجمهور إلى أن الحجامة لا تفسد الصوم؛ لحديث ابن عباس رضي الله عنهما: احتجم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو محرم، واحتجم وهو صائم. البخاري وغيره. وجاء: وهو محرمٌ صائم.

ورواه البخاري في صحيحه أيضًا بلفظ: احتجم النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو صائم.

استدل الحنابلة ومن وافقهم بما يلي:

1 -حديث شداد، وقد رواه أكثر من ستة عشر صحابيًا، ويؤيده عمل الصحابة من تأخيرهم الحجامة إلى الليل.

وأجيب: بأن عمل الصحابة ليس صريحًا في كونهم يرون الفطر بالحجامة، ولعل هذا التأخير إلى الليل خشية الضعف الذي يؤدي إلى الفطر، ويؤيد ذلك أن أنسًا -رضي الله عنه- سُئِل: أكنتم تكرهون الحجامة للصائم؟ قال: لا، إلا من أجل الضعف. البخاري).

2 -قالوا: حديثنا قول وحديث ابن عباس فِعل، والقول مقدم على الفعل.

ويجاب عن هذا: بأنه ترجيح، ولا يصار إليه إلا عند عدم إمكان الجمع، وعدم ثبوت نسخ.

3 -حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- أولى بالنسخ من حديثنا؛ لأنه يلزم بالقول بنسخ حديثنا مخالفة الأصل (براءة الذمة) مرتين .. لأن حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- موافق لحكم الأصل.

وأجيب: بأن هذا غير مسلَّم، ثم ما الذي يمنع مثل هذا؟! .. ثم إنه معارَضٌ بقول جماعة من العلماء: أن الخبر المبقي للبراءة الأصلية مقدَّم على الرافع لها.

4 -أن لفظة: (وهو صائم) في حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- ليست ثابتة، قال أحمد وغيره: هي خطأ من قبيصة.

وأجيب: بأن هذا القول من الإمام أحمد قد قابله إخراج الإمام البخاري للحديث في صحيحه المجمع على قبول ما فيه مما هو على شرطه.

5 -أن ما ذكرنا من القول بالتفطير بالحجامة موافق للقياس الصحيح من أن كل ما يخرج من البدن وربما سبّب ضعفًا: مفطر .. مثله مثل القيء وخروج دم الحيض والاستمناء.

ويجاب: بأن هذا يسقُط إن ثبتت الرخصة فيه؛ لأنه لا يصار إلى مثل هذا إذا قابل نصا، وإلا كان قياسًا فاسد الاعتبار.

وقال الجمهور:

1 -حديث شداد منسوخ؛ لأنه ثبت في بعض رواياته أنه كان عام الفتح، وحديث ابن عباس في حجة الوداع إذ لم يصحب ابن عباس رسول الله محرمًا إلا فيها.

وأجيب: بأنه لا يسلَّم بدعوى النسخ؛ لأنه لم يثبت صيام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في حجة الوداع، ولعل صيامه لم يكن حال إحرامه - كما جاء في لفظ البخاري: (احتجم وهو محرم، واحتجم وهو صائم) - فيكون قوله:"وهو محرم صائم"من قبيل اختلاط الرواة، وتكون كل حادثة مستقلة عن الأخرى.

2 -أن حديث شداد منسوخ، لأنه ثبت ما يدل على نسخه من حديث النسائي في الكبرى وابن خزيمة في صحيحه بإسناد صحيح عن أبي سعيد -رضي الله عنه-: أرخص النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحجامة للصائم. وأحاديث أُخر .. والرخص إنما تكون بعد العزيمة.

3 -حمل حديث شداد على المجاز، لوجود الأدلة الصارفة عن حمله على الحقيقة:

أ - فقد يكون"أفطر"بمعنى ذهب أجرهما، ويؤيده بعض روايات الحديث من أنهما كانا يغتابان.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت