فهرس الكتاب

الصفحة 14716 من 20085

ورد ابن خزيمة في صحيحه دعوى فطرهما بالغيبة فقال: (و جاء بعض أهل الجهل بأعجوبة في هذه المسألة فزعم أن النبي صلى الله عليه و سلم إنما قال:(أفطر الحاجم و المحجوم) لأنهما كانا يغتابان، فإذا قيل له: فالغيبة تفطر الصائم؟ زعم أنها لا تفطر الصائم، فيقال له: فإن كان النبي -صلى الله عليه و سلم- عندك إنما قال: (أفطر الحاجم و المحجوم) لأنهما كانا يغتابان، و الغيبة عندك لا تفطر الصائم، فهل يقول هذا القول من يؤمن بالله؟ يزعم أن النبي صلى الله عليه و سلم أعلم أمته أن المغتابَين مفطران؟ و يقول هو: بل هما صائمان غير مفطرين! فخالف النبي صلى الله عليه و سلم الذي أوجب الله على العباد طاعته و اتباعه ... )

ب - وقد يكون بمعنى: عرّضا أنفسهما للفطر بهذا الفعل، أو: أوشكا أن يفطرا.

فالحاجم عرَّض نفسه للفطر بمصه القارورة، والمحجوم لأجل الضعف.

وأجيب عنه: بأن هذا استنباطٌ لوصف يعود على النص بالإبطال.

وقد يحمل على أنه دعاء عليهما، لا على أنه خبر عن فطرهما.

وأجيب عنه: بأنه احتمال لا دليل عليه.

وقال ابن خزيمة -رحمه الله- رادًا قول الجمهور: (إنما احتجم وهو محرم صائم في السفر لأنه لم يكن قط محرمًا مقيمًا ببلده، والمسافر إذا نوى الصوم له الفطر بالأكل والشرب والحجامة وغيرها، فلا يلزم من حجامته أنها لا تفطر، فاحتجم وصار مفطرًا، وذلك جائز) .

وأجاب الخطابي في"معالم السنن"عما ذكره ابن خزيمة: (وهذا تأويل باطل، لأنه قال: احتجم وهو صائم فأثبت له الصيام مع الحجامة، ولو بطل صومه بها لقال أفطر بالحجامة) .

قال النووي في شرح المهذب: (ولأن السابق إلى الفهم من قول ابن عباس رضي الله عنهما:(احتجم وهو صائم) الإخبار بأن الحجامة لا تبطل الصوم، ويؤيده باقي الأحاديث المذكورة. والله أعلم).

(قلت) : الذي يترجح عندي أن الحجامة لا تفطر الصائم، وإن كانت مكروهة إن خشي الضعف بها، ويتأيد هذا بما ورد عند أبي داود عن ابن أبي ليلى عن رجل صحب النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الحجامة للصائم والمواصلة ولم يحرِّمهما إبقاءً على أصحابه. قال الحافظ: (وإسناده صحيح) ، وقال النووي في المجموع شرح المهذب: (بإسنادٍ على شرط البخاري ومسلم) .والله أعلم.

وأما الحاجم، وهو الذي يمص الدم بواسطة القارورة، فقد قال شيخ الإسلام في شرح العمدة: (وأما الذي يحجم غيره، فقال أكثر أصحابنا: يفطر أيضًا) .

ويظهر أن هناك خلافًا داخل المذهب في حق الحاجم، ولعل المشهور عندهم: أنه يفطر؛ لظاهر الحديث، وبناءً على اعتبارهم أن إفطار الحاجم والمحجوم أمر تعبدي لا دخل للقياس فيه.

وعلى القول بالتفطير بها؛ لا يصح قياس الدم الخارج من خلع سن أو خروج الرعاف أو خروج الدم من الجراحة أو سحب الدم اليسير للتحليل أو خروج دم الاستحاضة على الحجامة؛ لأن تأثيرها على البدن ليس كتأثير الحجامة، بخلاف الفصد والتبرع بالدم ونحوه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت