ـ [أبو أسامة] ــــــــ [28 - Nov-2006, مساء 07:32] ـ
الوراثة - كما يعرِّفها العلم -: هي قوة طبيعية في الكائن الحي، بها تنتقل إلى النسل صفات من أصوله، سواء أكانت هذه الصفات خاصة بهذه الأصول أم مشتركة بين جميع أفراد النوع أو الفصيلة.
وقيل: إن الوراثة هي «كل ما يأخذه الفرد عن والديه عن طريق ما يسمى بالكُرُوموزومات والجِينات» .
وقيل: إن الوراثة هي «كل العوامل الداخلية التي كانت موجودة عند بداية الحياة (أي عند الإخصاب) ، أو هي تلك الاستعدادات العامة والخاصة الكامنة في الفرد والتي تستجيب للمؤثرات الخارجية والداخلية فتنشط» .
تأثير الوراثة على سلوكيات الأطفال وطبائعهم:
يمكن القول «بصفة عامة: إن قانون الوراثة يصدق على الناحية العقلية صدقَه على الناحية الجسمية، وإن الابن لا يرث ملامح أبيه وحدها، ولكنه يرث - أيضا - عادات أبيه العصبية، وخصاله الخلقية» ؛ إذ يقرر علماء الوراثة أن لها ثلاثة مظاهر:
وراثة جسمية: وهي وراثة الخصائص التي تتصل بالجسم.
ووراثة عقلية: أي وراثة خصائص الذكاء العام، والطائفي والنوعي، ووراثة القوى العقلية الأخرى كالذاكرة والخيال.
وأخيرا: الوراثة الخُلُقية، حتى ليقال: إن الأخلاق إذا كان بعضها مما يكتسب، فإن المكتسب مبني على ما هو موروث.
وهذا يعني أن الوراثة لا تقتصر على ما يتعلق بالتكوين الجسمي من صفات وملامح: كشكل الوجه، والطول، والقصر، ولون البشرة ... إلخ؛ بل يمتد تأثيرها ليشمل أمورا تتصل بالتكوين العقلي: كالذكاء، والبَلَه، وقوة العزيمة، والإرادة، ومقومات الشخصية، كما قد يمتد تأثير الوراثة أيضا ليشمل أمورا تتعلق بالفضائل أو النقائص الخُلُقية، مثل: الكرم، والبخل، والشجاعة، والجبن، والتقوى، والورع، وحب الرذيلة، والميل إلى الإثم.
وفي هذا الصدد يذكر الدكتور جمال مختار حمزة: أن هناك عوامل وراثية ممهدة، ليست مَرَضية في ذاتها، ولكنها تلعب دورا هاما في نشأة الصفات الخلقية الشاذة، وهذه العوامل هي: المزاج العصبي، والغرائز؛ حيث تسري الحالات العصبية في الأسر؛ فيولد بعض الناس بمزاج عصبي، كما أننا نرث الغرائز، وهي المادة الأولية الأساسية في تكوين الخلق.
وهناك من الشواهد ما يؤكد أهمية الوراثة وتأثيرها على شخصية الكائن الحي وصفاته العقلية، وتتمثل هذه الشواهد في تلك الدراسات الخاصة بالتوائم، والتي كشفت عن وجود تشابه كبير بين التوائم في أنماط سلوكهم وكيفية استجاباتهم للمؤثرات المحيطة بهم، والتشابه بينهم في ذلك أكثر مما هو موجود بين الأفراد الذين يمت بعضهم إلى بعض بصلة، كما وجد أيضا أن التشابه في النواحي النفسية بين التوائم كان أكثر من التشابه في النواحي العقلية، وأن التوائم المتحدة الناتجة عن انقسام بويضة واحدة كان التشابه بينها - بصورة عامة - أكثر منه بين التوائم المنفصلة الناتجة عن بويضتين منفصلتين.
تأثير الوراثة في ضوء السنة النبوية:
أقر القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة تأثير الوراثة في سلوكيات الأشخاص وطبائعهم وأخلاقهم؛ يدل لذلك قوله تعالى: {إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم} [آل عمران: 33، 34] ، ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم» .
فإن فيما أشارت إليه الآية الكريمة والحديث النبوي من الاصطفاء من الذرية دلالةً واضحة في تأثير الأجداد والآباء في ذرياتهم، وأن صفات الأجداد والآباء تنتقل عن طريق الوراثة إلى الأبناء والأحفاد.
وقد نص الرسول صلى الله عليه وسلم على توارث بعض الصفات الخلقية، حيث يقول صلى الله عليه وسلم: «إن الود يُتَوارث» .
ويشير عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - إلى توارث بعض الصفات العقلية؛ فيقول: «لم يقم جنين في بطن حمقاء تسعة أشهر إلا خرج مائقا» ، وقوله: «مائقا» ، أي: أحمق غبيا.
(يُتْبَعُ)