ويشير الرسول صلى الله عليه وسلم إلى تأثير الوراثة في انتقال بعض الصفات الجسمية من الأب إلى ابنه فيما يروى عن ابن عباس - رضي الله عنهما: «أن هلال بن أمية قذف امرأته عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بشريك بن سحماء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «البينة أو حدٌّ في ظهرك» فقال: يا رسول الله، إذا رأى أحدنا على امرأته رجلا ينطلق يلتمس البينة؟! فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «البينة أو حد في ظهرك» ، فقال: والذي بعثك بالحق، إني لصادق، ولينزلن الله ما يبرئ ظهري من الحد، فنزل جبريل - عليه السلام - وأنزل عليه قوله تعالى: {والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين} [النور: 6 - 9] ، فانصرف النبي صلى الله عليه وسلم إليها، فجاء هلال فشهد، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟» ، فشهدت، فلما كانت عند الخامسة وقفوها، وقالوا: إنها الموجبة. قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: فتلكَّأَتْ ونكصت، حتى ظننا أنها ترجع، ثم قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم، فمضت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أبصروها، فإن جاءت به أكحل العينين، سابغ الألْيَتَيْن - أي: عظيمهما - خَدَلَّج الساقين - أي: ممتلئهما - فهو لشريك بن سحماء» ، فجاءت به كذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لولا ما مضى من كتاب الله، كان لي ولها شأن» .
فقوله صلى الله عليه وسلم: «أبصروها، فإن جاءت به أكحل العينين ... إلخ» إشارةٌ منه صلى الله عليه وسلم إلى انتقال مثل هذه الصفات الجسدية من الأب إلى ابنه عن طريق الوراثة، وأن وجود هذه الصفات في المولود دليل على نسبته إلى من يتفق معه في هذه الصفات عند التنازع، ولكن امتنع الرسول صلى الله عليه وسلم من الأخذ بهذه الدلالة؛ لما مضى من حكم اللِّعَان الثابت بكتاب الله تعالى.
ولكن إذا لم يكن لعانٌ، فلا مانع من اعتبار تلك الصفات دليلا على نسبة المولود إلى والده عند التنازع، وهو ما أخذ به الفقه الإسلامي فيما جاء من الأحكام بخصوص القافة، وإلحاق الولد، والتنازع في النسب، وغير ذلك من الأبواب الفقهية.
والسنة النبوية إذ تقرر انتقال الصفات الجسدية والعقلية والخلقية من الأصول إلى الفروع عن طريق الوراثة - على ما مضى - وتعوِّل على ذلك في بعض الأحكام - فإنها لا تعول على ذلك تعويلا مطلقا، بل تقرر - أيضا - أن حدوث تفاوت واختلاف في الصفات بين الأصل وفرعه أمر واقع ومقبول، ولا ينبغي أن يكون ذلك سببا في الطعن في الأنساب، أو التشكك في صحتها؛ فقد روي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه قال: «أتى رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ولد لي غلام أسود - وهو يُعَرِّض بنفيه - فلم يرخّص له في الانتفاء منه، فقال: هل لك من إبل؟ قال: نعم، قال: فما ألوانها؟ قال: أحمر، قال: هل فيها من أورق؟ قال: نعم، قال: أَنَّى ذلك؟ قال: لعله نزعه عِرْق، فقال صلى الله عليه وسلم: فلعل ابنك نزعه عرق» .
التدابير النبوية لتفادي الآفات الوراثية:
وضعت السنة النبوية من التدابير ما يمكن به تفادي الآثار السيئة التي يمكن أن تنجم عن انتقال بعض الصفات الوراثية، أو على الأقل الحد من خطورتها.
ومن هذه التدابير: العناية باختيار الزوجين، ومراعاة الآداب النبوية عند المعاشرة الجنسية، ثم العناية بالأولاد؛ لمعالجة ما قد ينتقل إليهم من صفات، وقد سبق الخوض في التفاصيل المتعلقة بهذه التدابير فيما مضى من مباحث وفصول، غير أنه يمكن الإشارة إليها هاهنا في عجالة؛ لتتم الفائدة، كالتالي:
التوجيهات النبوية في اختيار الزوجين:
إذا كانت صفات الآباء تنتقل إلى أبنائهم، فليعلم كل من الزوجين أنه عندما يختار شريك حياته، فهو يختار في الوقت نفسه صفات أولاده، وما يمكن أن يكونوا عليه إن رزقهم الله بالذرية؛ الأمر الذي يؤكد على أهمية اختيار كل من الزوجين لصاحبه؛ لأن القضية صارت أكبر من أمر فردي يخص أحد الزوجين، فأصبحت مسألة تؤثر في الأسرة جميعها، بل وفي الأجيال القادمة التي ستنحدر من نسل هذه الأسرة.
(يُتْبَعُ)